Skip to content Skip to footer

الحركة الأسيرة النسوية في فلسطين: تأريخ النضال وتحليل سياسات القمع وآليات التمكين لجمعية أفق الحرية

تمثل الحركة الأسيرة النسوية في فلسطين ركناً أساسياً من أركان المشروع الوطني التحرري، وهي تجربة فريدة تتداخل فيها أبعاد القمع الاستعماري مع صمود الإرادة الإنسانية. إن اعتقال المرأة الفلسطينية ليس مجرد إجراء أمني يمارسه الاحتلال، بل هو سياسة ممنهجة تهدف إلى ضرب النسيج الاجتماعي والوطني الفلسطيني من خلال استهداف ركيزة الأسرة والمجتمع. منذ عام 1967، تعرضت أكثر من 17 ألف فلسطينية للاعتقال، ومررن بتجارب قاسية بدأت من لحظة المداهمة الليلية، مروراً بمراكز التحقيق والتعذيب، وصولاً إلى العزل في سجون تفتقر لأدنى مقومات الحياة الآدمية مثل سجن “الدامون”. وتكشف التقارير الحقوقية لعامي 2024 و2025 عن تحولات خطيرة في سياسة الاحتلال تجاه الأسيرات، حيث تم تسخير “حالة الطوارئ” لشرعنة الانتهاكات الجسيمة، بما في ذلك التجويع الممنهج، والتفتيش العاري، والحرمان من الرعاية الطبية، مما جعل السجون تتحول إلى “مقابر للأحياء”. وفي ظل هذا الواقع المرير، تبرز جمعية “أفق الحرية” كمؤسسة رائدة تسعى لتقديم الدعم القانوني والتعليمي والاجتماعي للأسيرات، محاولةً تحويل فضاء السجن المظلم إلى مساحة للمقاومة المعرفية والتمكين الذاتي.

الجذور التاريخية للحركة الأسيرة النسوية: من النكبة إلى الثورة

لا يمكن فهم واقع الأسيرات اليوم دون العودة إلى الجذور التاريخية لمشاركة المرأة الفلسطينية في النضال الوطني. فمنذ الانتداب البريطاني ووعد بلفور عام 1917، بدأت المرأة الفلسطينية تعي دورها السياسي، حيث تأسس أول اتحاد نسائي فلسطيني في عام 1921 على يد ميليا السكاكيني وزليخة الشهابي لمناهضة الاستعمار والاستيطان. ومع قيام الثورة الفلسطينية المعاصرة في عام 1965، انخرطت النساء بشكل مباشر في العمل الفدائي، مما أدى إلى افتتاح سجل الأسيرات في العصر الحديث.

فاطمة البرناوي: أيقونة البدايات

تُعد المناضلة الراحلة فاطمة البرناوي “الأسيرة الأولى” للثورة الفلسطينية المعاصرة، وهي التي افتتحت سجون الاحتلال قسراً في عام 1967. ولدت البرناوي في القدس عام 1939 لأب نيجيري قاتل في ثورة 1936 وأم فلسطينية، وجسدت في شخصيتها تلاحم الهوية الأفريقية العربية مع النضال الفلسطيني. بعد تنفيذها عملية فدائية في سينما “صهيون” بالقدس، حُكم عليها بالسجن المؤبد، لتقضي عشر سنوات خلف القضبان قبل تحررها وإبعادها، ثم عودتها لتؤسس جهاز الشرطة النسائية الفلسطينية. إن تجربة البرناوي لم تكن مجرد حالة فردية، بل كانت إعلاناً عن ميلاد حركة أسيرة نسوية منظمة جعلت من السجون “قلاعاً ثورية” لتخريج الكوادر الوطنية.

التطور التنظيمي داخل السجون

خلال السبعينيات والثمانينيات، استطاعت الأسيرات بناء نظام داخلي يقوم على الثقافة، والتعليم، والعمل الجماعي الموحد، وهو ما يُعرف بـ “الكومونة”. واجهت الأسيرات سياسات إدارة السجون التي تهدف إلى “تطويع الأسرى وكسر إراداتهم” من خلال الإضرابات المفتوحة عن الطعام، أو ما يُعرف بـ “معركة الأمعاء الخاوية”، والتي كانت أولى تجاربها في سجن نابلس عام 1968. وبمرور الوقت، تحول السجن من مجرد حيز استعماري للقمع إلى “أكاديمية” حقيقية، حيث استطاعت الأسيرات انتزاع حقوقهن في القراءة، والكتابة، والتنظيم السياسي، والتعليم.

المرحلة التاريخيةالخصائص النضالية للأسيراتأبرز المواجهات
مرحلة التأسيس (1967 – 1970)الصمود الفردي وبدايات التنظيممواجهة التعذيب الجسدي العنيف
مرحلة البناء (1970 – 1987)صياغة اللوائح الداخلية وبناء الهيكل التنظيميالإضرابات الكبرى لانتزاع الحقوق التعليمية
الانتفاضة الأولى (1987 – 1993)اتساع القاعدة الشعبية للأسيرات وشغل مناصب قياديةإضرابات تضامنية مع الشارع الفلسطيني
انتفاضة الأقصى (2000 – 2005)انخراط واسع في العمليات النوعية وزيادة أعداد الأمهات والأسيرات القاصراتمواجهة سياسة “البوسطة” والتفتيش المهين
ما بعد 2023 (حالة الطوارئ)مواجهة سياسات الانتقام الجماعي والتجويعالصمود أمام سياسة العزل الكلي والحرمان من العلاج

الواقع الإحصائي والقانوني للأسيرات في عامي 2024 و2025

شهدت الفترة ما بعد السابع من أكتوبر 2023 تصاعداً دراماتيكياً في وتيرة الاعتقالات بين صفوف النساء الفلسطينيات، حيث استخدمت سلطات الاحتلال الاعتقال كأداة للضغط السياسي والانتقام الجماعي. وتكشف البيانات الإحصائية لعام 2025 عن تزايد مستمر في أعداد المعتقلات، وسط تعتيم شديد على مصير معتقلات قطاع غزة.

تتبع أعداد الأسيرات خلال عام 2025

بلغ عدد الأسيرات في سجون الاحتلال (خاصة سجن الدامون) مستويات مرتفعة، حيث تركزت الاعتقالات في القدس والضفة الغربية، بالإضافة إلى عدد محدود من الأسيرات من قطاع غزة اللواتي عُرف مصيرهن.

الشهر (2025)عدد الأسيرات الإجماليتفاصيل (إداري، أطفال، غزة)
مارس26 أسيرةتشمل معتقلات إداريات
يونيو49 أسيرةمن بينهن 8 معتقلات إدارياً
أكتوبر53 أسيرةتشمل طفلتين و3 أسيرات من غزة
ديسمبر (النهاية)53 أسيرةتشمل طفلتين ومعتقلات إداريات

التوصيف القانوني: شرعنة الانتهاك

تعتمد سلطات الاحتلال على تصنيفات قانونية تعسفية لحرمان الأسيرات من الحماية الدولية التي توفرها اتفاقيات جنيف. ويبرز هنا “الاعتقال الإداري”، حيث يتم احتجاز الأسيرة دون تهمة أو محاكمة بناءً على “ملف سري”، وهو إجراء طال أمهات، وطالبات، وزوجات أسرى. كما استُخدم تصنيف “المقاتل غير الشرعي” لمعتقلات غزة، وهو مسمى يهدف إلى تغييبهن قسرياً وحرمانهن من لقاء المحامين أو الصليب الأحمر. إن هذه السياسات لا تُعد “تجاوزات أمنية” بل هي نمط واسع ومنهجي من الجرائم الدولية التي تستوجب المساءلة.

الظروف المعيشية في سجن الدامون: سياسة “سحق الآدمية”

يُعد سجن “الدامون” المركز الرئيسي لاحتجاز الأسيرات الفلسطينيات، وهو بناء متهالك يفتقر للحد الأدنى من المعايير الصحية والبيئية. تصف الأسيرات السجن بأنه “مقبرة للأحياء” حيث تُمارس ضدهن سياسات تنكيل يومية تهدف إلى تحطيم معنوياتهن.

الاكتظاظ وانعدام الخصوصية

تعاني غرف الأسيرات من اكتظاظ خانق، حيث يتم حشر 8 أسيرات في غرفة لا تتسع لأكثر من 4، مما يضطر العديد منهن للنوم على الأرض. وتنتشر في الغرف رطوبة عالية جداً بسبب انعدام التهوية، حيث تُغلق النوافذ بقطع بلاستيكية (“أشناب”) لا تسمح بمرور الهواء، مما يؤدي لانتشار الحشرات والأمراض الصدرية. كما تتعرض الخصوصية لانتهاك صارخ من خلال كاميرات المراقبة المستمرة واقتحامات السجانين للغرف في أوقات السحور أو النوم.

حرب التجويع والعطش

منذ أكتوبر 2023، تحول الطعام إلى أداة للتعذيب؛ حيث يتم تقديم وجبات بكميات ضئيلة جداً، وغالباً ما تكون غير ناضجة أو مليئة بالأتربة والحشرات. حُرمت الأسيرات من اللحوم، والفاكهة، والخضروات لشهور طويلة، واقتصرت الوجبات على كميات صغيرة من الأرز أو البرغل، مما أدى لفقدان الأسيرات لأوزان كبيرة وصلت لدرجة الهزال. أما المياه، فهي ملوثة وصدئة وتُستخرج من صنابير الحمامات، مما تسبب في انتشار أمراض باطنية وجلدية.

الحرمان من مواد النظافة والصحة العامة

تتعمد إدارة السجن حرمان الأسيرات من مواد التنظيف والصابون، حيث تُعطى الغرفة الواحدة قطعة صابون صغيرة جداً أسبوعياً. كما تم منع الفوط الصحية في بعض الفترات أو تقنينها بشكل مهين، مما شكل ضغطاً نفسياً وجسدياً هائلاً على الأسيرات خلال فترات الدورة الشهرية. وبسبب منع الشامبو وأدوات تمشيط الشعر، وانتشار الرطوبة، عانت الأسيرات من تساقط الشعر وانتشار القمل والأمراض الجلدية مثل “الجرب” (سكابوس) الذي ينهش أجسادهن دون علاج.

المرفق/الاحتياجالوضع الراهن في سجن الدامون (2024-2025)الانتهاك القانوني (اتفاقية جنيف 4)
المساحة الشخصيةأقل من 3 أمتار مربعة لكل أسيرة، نوم على الأرضالمادة (85): توفير أماكن إقامة صحية
التغذيةطعام غير كافٍ وفاسد، حرمان من السكر والملحالمادة (89): كفاية الوجبات الغذائية
الرعاية الطبيةإهمال متعمد، علاج بـ “الأكامول” فقط، سخرية من الألمالمادة (91): توفير العلاج والمصحات
التواصلمنع الزيارات العائلية، منع الاتصالات الهاتفيةالمادة (116): السماح باستقبال الزيارات
الملابسطقم واحد فقط، غسل الملابس أثناء الاستحمام وارتدائها مبللةالمادة (87): توفير الملابس الكافية

منظومة التعذيب والتنكيل: المرأة كساحة للمواجهة

لا يكتفي الاحتلال باحتجاز الحرية، بل يسعى لانتزاع الكرامة من خلال أساليب تعذيب جسدي ونفسي ممنهجة تستهدف “أنوثة” الأسيرة وهويتها الاجتماعية.

التفتيش العاري والتحرش

يُعد التفتيش العاري الإجباري من أبشع الممارسات التي تتعرض لها الأسيرات، حيث يتم إجبارهن على خلع ملابسهن بالكامل أمام السجانات تحت التهديد بالضرب والكلاب البوليسية. وثقت شهادات الأسيرات، مثل شهادة الأسيرة فاطمة طمبورة، تعرضهن للتحرش اللفظي، والتهديد بالاغتصاب، واللمس غير المحتشم من قبل الجنود والسجانات أثناء النقل أو التحقيق. إن استخدام “الجسد” كأداة للتحقير يهدف إلى كسر إرادة الأسيرة وتدمير صورتها الذاتية أمام مجتمعها.

“البوسطة” والعزل الإنفرادي

تمثل رحلة النقل في “البوسطة” (سيارة نقل الأسرى الحديدية) رحلة عذاب بحد ذاتها؛ حيث تُكبّل الأسيرات من الأيدي والأرجل لساعات طويلة في كراسٍ حديدية باردة جداً في الشتاء وحارة في الصيف، مع حرمانهن من استخدام المرحاض أو شرب الماء. أما العزل الإنفرادي، فهو أداة لقتل الأسيرة معنوياً، حيث تُحتجز في زنزانة ضيقة مظلمة لأسابيع دون تواصل مع أحد، كما يحدث مع الأسيرات الموقوفات إدارياً أو “المصنفات أمنياً”.

الأمومة خلف القضبان: مأساة مزدوجة وصمود أسطوري

تعتبر قضية الأسيرات الأمهات من أكثر الملفات إيلاماً في الحركة الأسيرة، حيث تُحرم الأم من أبنائها لسنوات، وتواجه ضغوطاً نفسية هائلة تتعلق بتربيتهم ومستقبلهم.

الولادة في السجن

سجل التاريخ الفلسطيني حالات لأسيرات وضعن مواليدهن داخل السجون وهن مكبلات بالأغلال، في ظروف تفتقر لأدنى المعايير الطبية. الأسيرة زكية كانت الأولى، وتبعتها ميرفت طه، ومنال غانم التي أسمت مولودها “نور” ليضيء عتمة الزنزانة. إن غياب الرعاية الصحية المتخصصة للحوامل، وسوء التغذية، والضغط النفسي أثناء المخاض، تُعد جرائم حرب موصوفة.

الحرمان من اللقاء والاحتضان

تُمنع العديد من الأمهات من رؤية أبنائهن لسنوات بذريعة “المنع الأمني”. وفي عام 2025، سجلت التقارير وجود 12 أماً في سجن الدامون يعانين من لوعة الفراق، ويُحرمن حتى من سماع أصوات أبنائهن عبر الهاتف. وتبرز مأساة “يوم الأم” و”الأعياد”، حيث تتحول هذه المناسبات إلى فترات من الحزن العميق والذكريات المؤلمة للأسيرات وأطفالهن الذين “هرموا” وهم ينتظرون خلف قضبان السجن.

الأثر النفسي والاجتماعي للاعتقال: تداعيات ما بعد الأسر

إن تجربة الاعتقال لا تنتهي لحظة التحرر، بل تترك ندوباً عميقة في شخصية الأسيرة وعلاقتها بمحيطها. تشير الدراسات النفسية إلى أن الأسيرات المحررات يعانين من “كرب ما بعد الصدمة” (PTSD) بنسب عالية جداً.

الاضطرابات السيكوسوماتية والاجتماعية

يعاني 46% من المحررين من أعراض “البرانويا” والشك المستمر نتيجة المتابعة الأمنية، بينما يعاني 23% من أعراض سيكوسوماتية (أوجاع جسدية ذات أصل نفسي). كما تشعر 24% من المحررات برغبة في العزلة الاجتماعية نتيجة عدم القدرة على التكيف مع واقع الحياة السريع بعد سنوات من التجمد خلف القضبان. وعلى الصعيد العائلي، قد يواجه بعضهن مشاكل في التكيف الزواجي نتيجة التعذيب والتحرش الذي استهدف أعضاءهن الجنسية كوسيلة للضغط.

العقاب الجماعي للعائلات

تمتد المعاناة لتشمل عائلة الأسيرة؛ حيث تعمد سلطات الاحتلال إلى مداهمة البيوت، وتدمير المحتويات، وسرقة الأموال والمجوهرات أثناء الاعتقال. كما يتم حرمان أفراد العائلة من الدرجة الأولى من السفر أو العمل، وفرض “الحبس المنزلي” خاصة في القدس، مما يحول الأهل إلى “سجانين” لأطفالهم، ويؤدي لتفكك الروابط الأسرية الطبيعية.

دور جمعية “أفق الحرية” في دعم وتمكين الأسيرات

في ظل هذا الواقع المأساوي، تبرز جمعية “أفق الحرية” (بالتنسيق مع هيئة شؤون الأسرى والمحررين) كمؤسسة وطنية تسعى لتقديم شبكة أمان للأسيرات داخل السجون وخارجها، محاولةً تحويل المحنة إلى فرصة للبناء والتحدي.

أولاً: التمكين المعرفي والأكاديمي

تعتبر الجمعية أن العلم هو السلاح الأهم للأسيرة لمواجهة سياسات التجهيل التي تفرضها إدارة السجون.

  • التعليم الجامعي: تنسيق خدمة التعليم الجامعي بالتعاون مع جامعة القدس المفتوحة، حيث تستطيع الأسيرة استكمال دراستها والحصول على شهادات معترف بها وهي داخل الزنزانة.
  • امتحان الثانوية العامة: ترتيب عملية التقدم لامتحان “التوجيهي” داخل السجون، وتوفير المناهج والمراقبين بالتنسيق مع وزارة التربية والتعليم الفلسطينية.
  • تحويل السجن لأكاديمية: دعم المبادرات الثقافية داخل السجون، مثل “جامعة هداريم”، حيث تُعقد ندوات فكرية وجلسات قراءة لتحويل الحيز الاستعماري إلى فضاء للحرية المعرفية.

ثانياً: الرعاية القانونية والتوثيق

تعمل الجمعية من خلال وحدتها القانونية على حماية حقوق الأسيرات وضمان عدم تغييبهن قانونياً.

  • الدفاع القانوني: توفير طاقم من المحامين لمتابعة قضايا الاعتقالات في المحاكم العسكرية، وزيارة الأسيرات في “الدامون” و”هشارون” للاطلاع على أوضاعهن.
  • توثيق الانتهاكات: إصدار تقارير دورية باللغتين العربية والإنجليزية توثق حالات التعذيب، والإهمال الطبي، والتفتيش العاري، وتقديمها للهيئات الدولية مثل الأمم المتحدة والصليب الأحمر.
  • إصدار الأوراق الرسمية: مساعدة الأسيرات في إصدار وثائق رسمية (شهادات ميلاد لأطفالهن، توكيلات قانونية، أوراق ثبوتية) أثناء فترة الاعتقال.

ثالثاً: الدعم المالي والاجتماعي للأسر

تسعى الجمعية لضمان حياة كريمة لعائلات الأسيرات، انطلاقاً من مبدأ أن الأسيرة مناضلة حرية يستحق ذووها الرعاية.

  • توفير الدعم المالي: تقديم منح مالية ومساعدات شهرية لعائلات الأسيرات لمواجهة الأعباء الاقتصادية، خاصة في ظل فرض الاحتلال لغرامات مالية باهظة كجزء من الأحكام.
  • الرعاية الصحية للعائلات: شمول عائلات الأسيرات في برامج التأمين الصحي الحكومي وضمان وصولهم للخدمات الطبية.

رابعاً: برامج التأهيل وإعادة الدمج (ما بعد التحرر)

تعتبر مرحلة ما بعد السجن هي التحدي الأكبر، حيث تعمل الجمعية على تطوير برامج تساعد الأسيرة المحررة على العودة للحياة الطبيعية.

  • التأهيل المهني والاقتصادي: توفير دورات تدريبية مهنية ومنح صغيرة لإنشاء مشاريع إنتاجية تمكن المحررة من الاستقلال المادي.
  • الإرشاد النفسي والاجتماعي: تقديم جلسات دعم نفسي فردي وجماعي لمساعدة المحررات على تجاوز صدمات التعذيب والأسر.
  • إعادة الدمج التعليمي: تسهيل عودة الأسيرات المحررات (خاصة القاصرات) لمقاعد الدراسة وتوفير المنح الدراسية لهن.

الإطار القانوني الدولي والمسؤولية الجنائية للاحتلال

تُجمع المؤسسات الحقوقية الدولية على أن ما تتعرض له الأسيرات الفلسطينيات يندرج ضمن “الجرائم ضد الإنسانية” و”جرائم الحرب”.

انتهاك اتفاقية جنيف الرابعة

تُلزم المادة (27) دولة الاحتلال باحترام كرامة الأشخاص المحميين وحمايتهم من أي اعتداء على شرفهم، وبشكل خاص من الاغتصاب أو أي اعتداء يمس حيائهم. كما تحظر المادة (32) صراحة التعذيب والمعاملة القاسية. إن سياسات التفتيش العاري، والتحرش، ومنع الرعاية الطبية، هي خروقات صارخة لهذه الاتفاقية.

نظام روما الأساسي والمحكمة الجنائية الدولية

يعتبر نظام روما أن التعذيب، والعنف الجنسي، والإخفاء القسري، جرائم دولية عندما تُمارس على نطاق واسع ومنهجي. إن وجود توجيهات سياسية من مستويات عليا في حكومة الاحتلال (مثل قرارات الوزير بن غفير بتقليص الغذاء والزيارات) يثبت الطابع “المؤسسي” والممنهج لهذه الانتهاكات، مما يستوجب إحالة الملف للمدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية.

نوع الانتهاكالسند القانوني الدولي للمجرمالتكييف القانوني (جريمة حرب/ضد الإنسانية)
التعذيب الجسدي والنفسياتفاقية مناهضة التعذيب (1984)جريمة تعذيب ممنهج
العنف الجنسي والتحرشنظام روما الأساسي (المادة 7)جريمة ضد الإنسانية
التجويع المتعمداتفاقية جنيف 4 (المادة 89)انتهاك جسيم لاتفاقيات جنيف
الإهمال الطبي القاتلالعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسيةانتهاك “الحق في الحياة”
الاعتقال الإداري التعسفيالمادة (9) من العهد الدولياعتقال تعسفي غير قانوني

صمود الحركة الأسيرة: أدوات المقاومة والتمرد

لم تكن الأسيرات يوماً مجرد أرقام أو ضحايا سلبيين؛ بل خضن معارك ضارية للدفاع عن كرامتهن.

لجنة الطوارئ العليا للحركة الأسيرة

بعد عملية “نفق الحرية” وتصاعد القمع في 2023-2024، شكل الأسرى والأسيرات “لجنة الطوارئ العليا” كجسم وطني موحد يضم كافة الفصائل. اتخذت اللجنة قرارات بـ “العصيان والتمرد” على قوانين إدارة السجون، مثل رفض الخروج للتفتيش الأمني أو إرجاع وجبات الطعام، كوسيلة للضغط لتحسين ظروفهم. إن هذه الوحدة هي التي أفشلت مخططات الاحتلال في كسر الجبهة الداخلية للأسرى.

الإبداع خلف القضبان

استطاع الأسرى والأسيرات تحويل أدوات السجن البسيطة إلى أدوات للإبداع؛ فمنهم من كتب روايات ودواوين شعر (مثل باسم خندقجي وعبد الله البرغوثي)، ومنهم من استكمل دراسات عليا. بالنسبة للأسيرة، فإن الحفاظ على نظافتها، أو قراءة كتاب، أو تعليم زميلتها، هو فعل مقاومة يومي يهدف لإفشال مخطط “تطويع الروح” الذي يسعى له السجان.

التوصيات والآفاق المستقبلية: نحو تحرير الإنسان والأرض

إن قضية الأسيرات الفلسطينيات ليست مجرد قضية إنسانية، بل هي قضية سياسية بامتياز ترتبط بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره.

المسار الدولي والدبلوماسي

  1. تفعيل المحاسبة الدولية: يجب تفعيل الآليات الخاصة بالأمم المتحدة، مثل المقرر الخاص المعني بالتعذيب، لزيارة السجون والاطلاع على أوضاع الأسيرات في “الدامون”.
  2. الضغط الدبلوماسي: مطالبة الدول الأطراف في اتفاقيات جنيف بالتحرك لإجبار إسرائيل على احترام كرامة النساء المعتقلات ووقف سياسة التفتيش العاري والتحرش.
  3. مناهضة الإخفاء القسري: كشف مصير معتقلات قطاع غزة والضغط من أجل السماح للصليب الأحمر بزيارتهن فوراً.

المسار الوطني والمؤسساتي

  1. تطوير برامج التأهيل: يجب تطوير برامج وطنية شاملة لتأهيل المحررات، تركز على الدعم النفسي المتخصص والتمكين الاقتصادي الحقيقي، مع مراعاة الخصوصية الجندرية لهذه البرامج.
  2. تعزيز التنسيق بين المؤسسات: إنهاء حالة ضعف التنسيق بين الجمعيات العاملة في مجال الأسرى لضمان وصول الخدمات لكل أسيرة محررة دون تمييز أو محاباة.
  3. التوثيق التاريخي: كتابة التاريخ الشفوي للأسيرات كجزء من الذاكرة الوطنية الفلسطينية، لضمان عدم ضياع تضحياتهن ودروس صمودهن.

الخاتمة

يبقى ملف الأسيرات الفلسطينيات جرحاً نازفاً في قلب القضية الفلسطينية، ولكنه في الوقت ذاته يمثل قمة التحدي والإصرار. إن ما تتعرض له المرأة الفلسطينية في سجون الاحتلال من تفتيش عارٍ، وتجويع، وحرمان من أبسط حقوق الخصوصية، هو اختبار للضمير العالمي الذي يدعي حماية حقوق الإنسان. إن “أفق الحرية” الذي تسعى إليه الجمعية ليس مجرد اسم لمؤسسة، بل هو حلم كل أسيرة فلسطينية تتوق لاحتضان أطفالها تحت شمس الحرية دون قيود. إن الصمت تجاه ما يحدث في سجن “الدامون” هو خيانة مضاعفة، والواجب الوطني والأخلاقي يحتم علينا جميعاً أن نبقى صوتاً لهؤلاء الماجدات حتى ينكسر القيد ويتحرر الإنسان والأرض. إن التاريخ سيذكر أن الأسيرة الفلسطينية كانت السنديانة التي لم تنحنِ أمام عواصف القمع، وأنها حولت زنزانتها إلى منارة علم ومعرفة، مؤكدة أن إرادة الحرية أقوى من كل إجراءات المستعمر.

Leave a comment

مرحبًا، كيف يمكننا مساعدتك اليوم؟