Skip to content Skip to footer

اغتيال البراءة: سياسات اعتقال الأطفال الفلسطينيين وآليات الدعم لجمعية أفق الحرية

تُعد قضية الأطفال الفلسطينيين القاصرين في سجون الاحتلال من أكثر الملفات انتهاكاً للقوانين الدولية وشرائع حقوق الإنسان، حيث لا يُنظر إلى الطفل الفلسطيني كمحمي بموجب “اتفاقية حقوق الطفل”، بل كـ “مشروع مخرب” يجب سحقه مبكراً. منذ عام 1967، انتهج الاحتلال سياسة ممنهجة لاستهداف الطفولة، وحولت السجون إلى مقار لانتزاع البراءة وتحطيم المستقبل النفسي والتعليمي لجيل كامل. ومع حلول عامي 2025 و2026، تصاعدت وتيرة هذه الانتهاكات لتصل إلى مستويات غير مسبوقة من التعذيب الجسدي، والعزل الانفرادي، والمحاكمات العسكرية التي تفتقر لأدنى معايير العدالة. وفي خضم هذا الواقع المظلم، تعمل جمعية “أفق الحرية” على مد جسور الأمل من خلال برامج الحماية القانونية، والتأهيل النفسي، ومواصلة التعليم، لإعادة دمج هؤلاء الأطفال في مجتمعهم كأفراد فاعلين وقادرين على الحلم مجدداً.

الإطار القانوني والعسكري: تمييز عنصري وشرعنة القمع

يُطبق الاحتلال نظاماً قانونياً مزدوجاً وعنصرياً؛ فبينما يتمتع الطفل الإسرائيلي بكافة ضمانات القانون المدني وحقوق الأحداث، يُحاكم الطفل الفلسطيني أمام محاكم عسكرية تفتقر للحد الأدنى من معايير المحاكمة العادلة.

الأوامر العسكرية والتمييز في “سن البلوغ”

تعتمد سلطات الاحتلال على “الأمر العسكري رقم 132″، الذي كان يعتبر الطفل الفلسطيني بالغاً بمجرد بلوغه سن 16 عاماً، خلافاً للاتفاقيات الدولية والتشريعات الإسرائيلية التي تحدد سن البلوغ بـ 18 عاماً. ورغم التعديلات الصورية اللاحقة، لا يزال القاصرون الفلسطينيون (16-17 عاماً) يواجهون ذات العقوبات المفروضة على البالغين في مخالفات معينة. كما يبرز “الأمر العسكري رقم 1651” الذي يفرض عقوبات قاسية تصل للسجن لسنوات على مخالفات بسيطة مثل رشق الحجارة.

المحاكم العسكرية: غياب العدالة

يُساق الأطفال الفلسطينيون إلى محاكم عسكرية حيث تُنتزع منهم الاعترافات تحت الضغط والترهيب، وغالباً ما يُحرمون من حق وجود محامٍ أو ولي أمر أثناء التحقيق. وتُشير التقارير إلى أن إسرائيل هي الدولة الوحيدة في العالم التي تحاكم الأطفال بشكل منهجي أمام محاكم عسكرية، بمعدل يصل إلى 700 طفل سنوياً.

الواقع الإحصائي لعامي 2025 و2026

شهدت الأعوام الأخيرة قفزة خطيرة في أعداد الأطفال المعتقلين، خاصة في ظل “حرب الإبادة” والاعتقالات الجماعية الممنهجة في الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة.

الفترة الزمنيةعدد الأطفال الأسرى (تقريبي)ملاحظات هامة
آذار 2025أكثر من 350 طفلاًاستشهاد الطفل وليد خالد في سجن مجدو
حزيران 2025440 طفلاً زيادة كبيرة في الاعتقالات الإدارية للأطفال
تشرين الثاني 2025350 طفلاًتركيز على أطفال القدس والضفة
بداية 2026350 طفلاًمحتجزون في سجني “مجدو” و”عوفر”

وتشير الإحصائيات إلى أن الاحتلال نفذ أكثر من 1630 حالة اعتقال بين الأطفال منذ أكتوبر 2023 وحتى نهاية عام 2025.

رحلة العذاب: من المداهمة الليلية إلى غرف التحقيق

يبدأ التنكيل بالطفل قبل وصوله إلى السجن، حيث يتم تصميم عملية الاعتقال لتكون صدمة نفسية تلازم الطفل مدى الحياة.

لحظة الاعتقال: الترويع الممنهج

تتم معظم الاعتقالات عبر مداهمات ليلية عنيفة، حيث يتم اقتحام المنازل وتحطيم الأبواب، واختطاف الطفل من سريره أمام عائلته وهو مكبل اليدين ومعصوب العينين. وثقت شهادات أطفال تعرضهم للضرب المبرح بأعقاب البنادق، والركل، واستخدام الكلاب البوليسية المتوحشة لترهيبهم أثناء النقل.

أساليب التحقيق والتعذيب

داخل مراكز التحقيق، يتعرض الأطفال لأساليب وحشية تشمل:

  • الشبح والضرب: إجبار الطفل على الوقوف أو الجلوس في أوضاع مؤلمة لساعات طويلة.
  • التهديد والابتزاز: تهديد الطفل بهدم منزله أو اعتقال أفراد أسرته، وحتى التهديد بالعنف الجنسي لانتزاع اعترافات قسرية.
  • غرف “الديسكو”: استخدام الموسيقى الصاخبة جداً والحرمان من النوم كأداة للتعذيب النفسي.
  • الحرمان من الحقوق الأساسية: منع الطفل من شرب الماء أو استخدام المرحاض لفترات طويلة أثناء الاستجواب.

ظروف الاحتجاز: سجون تفتقر لآدمية الأطفال

يُحتجز الأطفال في سجون “مجدو” و”عوفر”، وفي بعض الأحيان في معسكرات تابعة للجيش مثل “سديه تيمان” الذي شهد أبشع أنواع التنكيل.

التجويع والإهمال الطبي

يعاني الأطفال الأسرى من سياسة تجويع متعمدة، حيث تُقدم لهم وجبات ضئيلة وغير صحية، مما أدى لإصابة الكثيرين بالهزال وضعف النمو. أما الرعاية الطبية فهي شبه منعدمة، حيث يُترك الأطفال المصابون برصاص الاحتلال ينزفون لفترات طويلة، ويُعالج المرضى بمسكنات بسيطة (“أكامول”) بغض النظر عن خطورة حالتهم.

العزل والانقطاع عن العالم

يُحرم الأطفال من زيارات الأهل والاتصالات الهاتفية، ويُوضع بعضهم في زنازين انفرادية ضيقة ومظلمة، مما يشكل خرقاً صارخاً للمادة (37) من اتفاقية حقوق الطفل. في عام 2025، سُجلت حالات لأطفال لم يروا عائلاتهم منذ لحظة اعتقالهم.

الأثر النفسي والاجتماعي: جروح لا تندمل

إن اعتقال الطفل ليس مجرد حجز للحرية، بل هو “صناعة بطيئة للعزلة والخوف” تؤثر على نموه العقلي والاجتماعي.

  • اضطراب كرب ما بعد الصدمة (PTSD): يعاني الأطفال المحررون من الكوابيس، واضطرابات النوم، والتبول اللاإرادي.
  • العزلة الاجتماعية: يفقد الطفل الثقة بالبيئة المحيطة، ويميل للانطواء والعدوانية نتيجة ما تعرض له من إذلال.
  • ضياع المستقبل التعليمي: يقضي الأطفال سنوات نموهم الأهم خلف القضبان بدلاً من الصفوف الدراسية، مما يخلق فجوة معرفية كبيرة.
  • الحبس المنزلي (خاصة في القدس): تحول الأهل إلى “سجانين” لأطفالهم تنفيذاً لقرارات المحاكم، مما يضرب قلب العلاقة الأسرية ويخلق توتراً دائماً داخل المنزل.

دور جمعية “أفق الحرية” في حماية الطفولة المستهدفة

تضع جمعية “أفق الحرية” قضية الأطفال القاصرين على رأس أولوياتها، وتعمل من خلال استراتيجية شاملة تهدف إلى الحماية والتأهيل.

أولاً: الدفاع القانوني والتوثيق الدولي

  • التمثيل القضائي: توفير طواقم قانونية متخصصة للدفاع عن الأطفال أمام المحاكم العسكرية وضمان حقهم في محاكمة عادلة قدر الإمكان.
  • الضغط الدولي: رفع تقارير دورية للمنظمات الدولية مثل “اليونيسف” واللجنة الدولية للصليب الأحمر لتوثيق جرائم التعذيب والتجويع بحق القاصرين.

ثانياً: برنامج “نور العلم” للتعليم خلف القضبان

  • التوجيهي داخل السجون: تنسيق امتحانات الثانوية العامة للأطفال الأسرى لضمان عدم ضياع سنوات دراستهم، وقد نجح المئات في الحصول على الشهادة رغم القيد.
  • محو الأمية: إقامة دورات تعليمية للأطفال الأصغر سناً لتعويضهم عن الانقطاع الدراسي.

ثالثاً: الدعم النفسي والاجتماعي (برنامج “تآلف”)

  • جلسات التفريغ النفسي: تنظيم جلسات متخصصة للأطفال المحررين وعائلاتهم لتجاوز صدمات الاعتقال والتعذيب.
  • إعادة الدمج المجتمعي: توفير منح دراسية ودورات مهنية للأطفال المحررين لمساعدتهم على بناء مستقبلهم بعيداً عن شبح السجن.

رابعاً: الرعاية الصحية والإغاثية (مشروع “درهم وقاية”)

  • اليوم الطبي المجاني: توفير فحوصات طبية وعلاجات للأطفال المحررين الذين عانوا من الإهمال الطبي في السجون.
  • الكفالة التعليمية والمادية: تقديم مساعدات مالية لعائلات الأطفال الأسرى لتخفيف الأعباء الاقتصادية، خاصة في حالات الغرامات المالية الباهظة التي يفرضها الاحتلال.

الخاتمة: مسؤولية العالم تجاه أطفال فلسطين

إن ما يتعرض له أطفال فلسطين في سجون الاحتلال ليس مجرد “إجراءات أمنية”، بل هو جريمة حرب مكتملة الأركان تهدف إلى كيّ وعي الأجيال القادمة. إن الصمود الأسطوري لهؤلاء الأطفال، الذين “يعودون لمنازلهم وكأنهم أكبر بعشر سنوات”، يحتم علينا في جمعية “أفق الحرية” وفي كل مؤسسة حقوقية أن نرفع أصواتنا عالياً للمطالبة بإنهاء هذا الاعتقال التعسفي. الطفولة حق مقدس، والسكوت عن اغتيالها خلف القضبان هو خذلان للإنسانية جمعاء. سنبقى في “أفق الحرية” السند القانوني والمعنوي لهؤلاء الأطفال حتى يستعيدوا حقهم في اللعب، والتعلم، والعيش بسلام في وطنهم الحر.

Leave a comment

مرحبًا، كيف يمكننا مساعدتك اليوم؟