تعد تجربة العمل الحقوقي في الأراضي الفلسطينية المحتلة نموذجاً فريداً من نوعه في النضال القانوني، حيث تتقاطع فيها الأدوات الحقوقية المحلية مع المعايير الدولية في محاولة مستمرة لانتزاع الحقوق من منظومة احتلالية معقدة. إن الدور الذي تلعبه مؤسسات المجتمع المدني، وعلى رأسها مركز الدفاع عن الحريات والحقوق المدنية “حريات” ومؤسسة “الضمير” وجمعية “أفق الحرية للدراسات والأبحاث”، يتجاوز مجرد تقديم الاستشارات القانونية؛ إنه يمثل استراتيجية شاملة تهدف إلى تعزيز كرامة الإنسان والعدالة وسيادة القانون في مواجهة سياسات قمعية ممنهجة. يستند هذا التقرير إلى تحليل معمق لآليات عمل هذه الجمعيات من خلال استعراض أربع حالات إنسانية وقانونية مختلفة، مع تبيان المسارات الإجرائية والنتائج الاستراتيجية المترتبة على كل منها، وكيفية توظيف القانون الدولي الإنساني واتفاقيات حقوق الإنسان في الدفاع عن الضحايا
الأطر الاستراتيجية والقيمية لمنظومة الدفاع عن الحريات
تنطلق الجمعيات الحقوقية الفلسطينية في عملها من رؤية فلسفية وقانونية تضع الإنسان في مركز الاهتمام، مع التركيز على بناء مجتمع ديمقراطي حديث تُصان فيه الحقوق المدنية والسياسية ويُحترم فيه القانون والعدالة الاجتماعية. على سبيل المثال، يتبنى مركز “حريات” نهجاً حقوقياً متكاملاً يتجسد في أهدافه الاستراتيجية للفترة (2022-2027)، والتي تشمل حماية الحريات العامة، ومنع التعذيب، وتعزيز وعي الجمهور بدور المواطن في رفع مكانة حقوق الإنسان. إن هذه الأهداف لا تتحقق إلا عبر مسارات عمل ميدانية وقانونية دقيقة تبدأ من رصد الانتهاك وتنتهي بالتقاضي الدولي أو المحلي
تعتمد هذه المؤسسات على منظومة من القيم الجوهرية التي تشكل البوصلة لعمل محاميها ونشطائها، وهي قيم الحرية، الكرامة، المرونة، والعدالة والمساواة. ومن خلال هذه القيم، يتم تقديم الدعم القانوني والمالي والطبي للأسرى في السجون الإسرائيلية، ومتابعة قضايا الممنوعين من السفر، ورصد انتهاكات حقوق الإنسان داخل السجون الفلسطينية أيضاً لضمان سيادة القانون بشكل شمولي
| الهدف الاستراتيجي (2022-2027) | الآليات التنفيذية | المخرجات المتوقعة |
| الدفاع عن حقوق الإنسان وحماية الحريات | تقديم التماسات قانونية، رصد حالات التعذيب، المتابعة الطبية للأسرى | خفض وتيرة الانتهاكات، توفير حماية قانونية للمتضررين |
| تعزيز فهم الجمهور للحريات والحقوق | جلسات حوارية، ورش عمل توعوية، برامج قيادية للشباب | رفع الوعي القانوني، إشراك المجتمع المدني في الرقابة |
| تطوير قدرات المدافعين عن حقوق الإنسان | تدريبات تخصصية، بناء شبكات ضغط دولية، تعزيز النزاهة | مؤسسات حقوقية أكثر كفاءة وقدرة على المحاسبة الدولية |
إن هذا الإطار التنظيمي هو الذي يسمح للجمعية بالتدخل في حالات معقدة، مثل قضايا الإهمال الطبي أو المنع من السفر، حيث يتم تحويل الحالة الفردية إلى قضية رأي عام تخضع للتحليل القانوني بناءً على الاتفاقيات الدولية مثل اتفاقية مناهضة التعذيب

