في زنزانةٍ ضيقةٍ لا تتسعُ إلا لخطواتٍ معدودة، يمرُّ الوقتُ ثقيلاً كأنه جبلٌ يربضُ على صدورِ الأيام، لكنه لا يملك القدرة على محو ملامحِ حيفا من ذاكرةِ رجلٍ نُحتَ صبرُه من صخور كرمِلها العصيّ. هنا، خلف الجدران الإسمنتية الباردة التي تحاول عزلَ الجسد ونفيَ الروح، يعيشُ الأسير البطل عماد سرحان حكايةً ملحمية، لا تُكتبُ بأرقامِ السنواتِ والتقارير الجافة، بل بدموعِ الاشتياق، ونبضِ اليقين، والعهدِ الذي قُطع مع الله والوطن. إنها سيرةُ رجلٍ تحوّل من أسرِ القيود إلى أسطورةِ صمودٍ تتحدى الزمن.
ظلال الفجر: من عبق حيفا إلى قيد الجسد
في أحياء حيفا العريقة، حيث يمتزجُ أريجُ البحر بنسماتِ الجبل، وُلدت الحكاية. كان عماد شاباً يفيضُ حيوية، يحملُ في عينيه بريقَ الأمل، وفي قلبه إيماناً يترسخُ مع كل آيةٍ يتلوها، وكل سجدةٍ يقضيها في محاريبِ طاعةِ الله. لم يكن يرى في فلسطين مجردَ خارطةٍ جغرافية أو شعاراتٍ تُرفع، بل عقيدةً تنبضُ في العروق، وواجباً مقدساً يتطلب التضحية بالفداء. انخرط في ركب المقاومة، مؤمناً بأن الحقوق لا تُستجدى بل تُنتزع، وأن الفجر لا بد أن يبزغ من عتمة الليل.
جاء ذلك اليوم القاسي من عام 2002 ليقطعَ مجرى الحياة المألوفة، ويفتحَ باباً لملحمةٍ من نوعٍ آخر. في أوج انتفاضة الأقصى، اقتيد عماد إلى غياهب السجون بعد مطاردة واشتباك، وحُكم عليه بذاك الحكم الجائر الذي يظنُّ فيه السجّان أنه يملكُ سجنَ الأرواح: مؤبدٌ مدى الحياة وعشر سنوات إضافية.
حين غُلقت الأبوابُ الحديدية الثقيلة، وصدحَ صوتُ الأقفال المشؤوم، انحبسَ الهواء، وظنّ الاحتلال أنه أسدل الستار على حكاية هذا الشاب. لكنّ روحَ عماد، المستمدة قوتها من يأس السجّان وعظمة الهدف، ظلّت تحلّقُ عالياً في سماءِ الحرية، رافضةً الانكسار عند عتبة الزنزانة الأولى.
صراع العتمة: رحلة العذاب والمقابر الإسمنتية
لم تكن سنواتُ الاعتقال التي تجاوزت العقدين مجردَ أيامٍ رتيبة تتشابه؛ بل كانت ساحةَ معركةٍ وعي يوميةٍ بين إرادةِ أسيرٍ أعزل وجبروتِ منظومةٍ قمعية مدججة بالحقد. تنقّلَ عماد بين السجون كمسافرٍ قسريّ يحملُ جرحه على كتفه وكبرياءه في جبهته. اختبرَ برودةَ زنازين “شطة” التي تنخر العظام، ورطوبةَ “عسقلان” الرهيبة، وجحيمَ “نفحة” الصحراوي حيث يغلي القيظ في الصيف ويتجمد الدم في الشتاء.
وفي تلك المحطات، كان الاعتقال الانفراديُّ الطويل يتربصان به كعقوبة مستمرة على عناده ورفضه الخنوع. العزلُ… تلك المقبرة للأحياء، حيث يُفصل الأسير عن العالم الخارجي وعن إخوانه الأسرى، فلا صوتَ يسمعه سوى صدى أنفاسه المترددة، ولا ضوءَ يراه إلا خيطٌ رفيعٌ باهت يتسللُ كالمعجزة من كوةٍ حديدية صغيرة في أعلى السقف. هناك، في السرداب المظلم لعزل “أيالون” و”ريمونيم”، كان الحوار بين عماد وجدران الزنزانة حواراً ملحمياً يفيض بالكبرياء:
يمرُّ السجّان المدجج بالسلاح خلف القضبان، يضربُ بهراوته على الحديد ليُحدث جلجلةً مرعبة تُوقظ النائم، ويقول بتهكّم ونبرة ملؤها الشماتة: > “أما زلتَ تظنُّ أن لك مخرجاً من هنا يا عماد؟ لقد نسيَك العالم في هذه العتمة، ومضى قطار الزمن دونك، ستموت هنا ولن يذكرك أحد.”
ينظرُ إليه عماد من وراء شبك الحديد، وبعينين تشعان بنورِ التوكل وثقة لا تزعزعها الجبال، يُجيبُ بصوتٍ هادئ يزلزل كبرياء السجان: > “إن كان سجني خلوةً مع ربي، ونفيي سياحة في ملكوته، وقتلي شهادة… فماذا يصنعُ أعدائي بي؟ أنتم تحبسون جسدي الفاني، لكنكم عاجزون عن حبس فكرتي. الله معي، ومن كان الله معه، فما فقدَ شيئاً، والصخر سينطق يوماً بالحرية.”
كان عماد يُحوّلُ ذاك العزل الرهيب بحنكته وإيمانه إلى صومعةٍ تفيض بالروحانية والعبادة. يرتلُ القرآن آناء الليل وأطراف النهار، فيتحولُ ضيقُ السجن إلى سعةِ السماء. لم يستسلم لسياسة الإهمال الطبي، ولم ينحنِ لمرضٍ أو تعبٍ نال من جسده، بل كان يرى في السجنِ مدرسةً يُربّي فيها نَفسه ويصقل عقيدته على الصبر والاحتساب، فصار السجن هو السجين، وعماد هو الحرّ طليق الإرادة.
الثمن الإنساني: حرقةُ الفقدِ وألم الانتظار
خلف هذا الجبلِ الأشم الواقف في وجه الريح، كان ثمة قلبٌ إنسانيٌّ رقيق ينبضُ بالحنين والوفاء. فالطريق الطويل لم يجرّد عماد من مشاعره، بل صقلها لتصبح أكثر عمقاً. في كل مرةٍ كان يُحرمُ فيها من زيارةِ عائلته كعقاب تعسفي، كان يشعرُ بغصةٍ حارقة تكادُ تخنقُ الكلمات في جوفه.
غيبته عتمة السجون عن تفاصيل عائلته الصغيرة والكبيرة؛ غيّبته عن مناسباتِ أهله، وعن فرحة الأعياد، وعن لحظات الوداع المريرة. كبُر الصغارُ الذين تركهم أطفالاً وأصبحوا رجالاً، وشابَ الكبارُ وانحنت ظهورهم من ثقل السنين وانتظار غائبهم، وعماد ما زال واقفاً خلف ذات الشبك، يرقبُ طيفهم في خياله، ويستحضر ملامح أمه في صلواته.
لكنّ البعدَ وحظر الزيارات لم يزدْ العائلة في حيفا إلا فخراً واعتزازاً بابنهم البار، ولم يزدْ عماد إلا حباً وتمسكاً ببرّهم. كانت رسائله المهربة بين ثنايا ملابس الأسرى، أو الكلمات الوجيزة التي ينقلها المحامون عبر زجاج قاعات المحاكم، بمثابةِ بلسمٍ وروحٍ جديدة تُبث في قلوبِ والديه وإخوته. كان المفارقة العجيبة أن عماد، المحكوم بالمؤبد، هو من يُصبر الأحياء في الخارج، وهو من يقوّي عزائمهم، متمسكاً بآيةٍ طالما رددها بيقين صادق: “إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب”.
شمس العقيدة التي لا تغيب
يمتدُّ الزمنُ بعماد سرحان في غياباتِ الأسر، ليدخل عاماً ويودع آخر، مثبتاً للقاصي والداني أن القيدَ الصدئ عاجزٌ تماماً أمام تيارِ العقيدةِ الهادر. لم يكن عماد في السجن مجردَ رقمٍ عابر في قوائمِ الأسرى يطويه النسيان، بل كان نموذجاً حياً، وأسلوبَ حياة، ومارةً مضيئة يُهتدى بها بين إخوانه الأسرى. غدا مرجعاً في الصبر، يواسي هذا الذي استشهد شقيقه وهو في الأسر، ويُثبتُ أفئدة الشباب الصغار الذين أرهقهم التحقيق وطول الطريق، يبث فيهم روح الأمل وبأن الفرج قادم لا محالة.
تساقطت السنوات من تقويم العمر كأوراق الخريف، وشاخت جدران السجون وتغيرت الوجوه والمدراء، وما زال عماد سرحان في خندقِ المواجهة الأول، متسلحاً بصبرِ الأنبياء، وعزيمةِ الفاتحين الذين لا يعرفون الهزيمة.
إن حكايته الممتدة في ثنايا الزمن ليست مرثيةً لسنواتٍ ضاعت وراء القضبان، بل هي أنشودةُ صمودٍ ملحمية مكتوبة بالدم والعرق والنور، تُثبتُ للدنيا بأسرها أن الجسدَ قد يُحبس ويُطوّق، لكنّ الفكرةَ الحرة، والإيمان الصادق، والروح المشتعلة بحب الله والوطن، لا يمكن لأي جدارٍ إسمنتي أو سلكٍ شائك في الكون أن يحتجزها. ومع كل إشراقةِ شمسٍ جديدة تتسلل إلى زنزانته، يبتسم عماد، ويهمسُ لقلبه المفعم باليقين: “إن موعدهم الصبح، أليس الصبح بقريب؟”
