Skip to content Skip to footer

انكسار القيد وانبعاث الحكاية من “كهف الزمن”: إبراهيم أبو مخ وحكاية أسر..

في الثاني والعشرين من آذار لعام 2026، لم تكن باقة الغربية ترقب مجرد خروج سجين من خلف القضبان؛ بل كانت تشهد انبعاث روحٍ غُيّبت في دهاليز الظلم لأربعة عقود كاملة. خرج إبراهيم نايف أبو مخ، ذاك الرجل الذي اقتيد إلى الزنزانة شاباً في الخامسة والعشرين، ليطأ ثرى وطنه حراً وهو في الخامسة والستين، حاملاً في جسده النحيل أوجاع السرطان، وفي قلبه يقيناً لم تفتّ في عضده السلاسل ولا السنون. لم تكن هذه النهاية مجرد حدث عابر، بل كانت انتصاراً لـ “البصيرة” على “البصر”، ودرساً في الصبر الجميل الذي لا يعرف اليأس إليه سبيلاً.

يُتمٌ وشتات: حين تفرقت المسارات بين عكا وبيت لحم

لم تبدأ مأساة إبراهيم خلف أسلاك السجن الشائكة، بل ولدت معه في باقة الغربية عام 1961. فُجع باليتم مبكراً؛ إذ اختطف الموت والده وهو لم يتجاوز الرابعة، ثم لحقت به أمه بعد حين، ليجد نفسه مع شقيقته الوحيدة في مهب ريحٍ لا ترحم. وبقسوةٍ تفطر القلوب، قُدر للطفلين شتاتٌ مرير؛ إذ نُفي إبراهيم إلى ملجأ للأيتام في “عكا”، بينما أُرسلت أخته إلى مركز في “بيت لحم”، لتمضي ستة عشر عاماً قبل أن تلتقي عيناهما مجدداً، وكأنهما غريبان في وطنٍ صودرت منه حتى أبسط مشاعر الأمان. كبر إبراهيم بعصامية نادرة، يصارع الحياة وحيداً، يعمل في النجارة بورشة صغيرة بناها بجهده ليوفر لقمة عيشه ويتم دراسته، باحثاً عن معنى للاستقرار والسكينة وسط ضجيج المناشير، قبل أن يعصف به الاعتقال في آذار 1986.

القربان الأكبر: قلبٌ يتحرر قبل الجسد

مع صدور الحكم المؤبد، وقف إبراهيم أمام خيار أخلاقي يندر وجوده إلا في روايات الزهاد والمجاهدين. نظر إلى خطيبته، تلك الشابة التي كانت تنتظر بناء محراب للحياة معه، وقرر بوعي الثائر الصادق أن يفسخ الخطوبة. لم يكن فعلاً ناتجاً عن جفاء، بل عن إيثار مطلق واحتساب للأجر عند الله؛ إذ قال بلسان يملؤه الوجع واليقين: “لا أستطيع أن أظلم إنسانة وأحبس شبابها خلف قضبان لا يلوح أفقها”. بهذا القرار، دخل إبراهيم سجن “جلبوع” و”نفحة” وهو يملك روحه، محرراً قلبه من أن يكون قيداً على من يحب، ليتحول السجن في نظره من مكان للعقاب إلى صومعة للعبادة والرباط.

جامعة خلف الأسلاك: حين تغسل “المغسلة” أوجاع الأسرى

داخل السجن، لم يكن إبراهيم مجرد رقم في سجلات مصلحة السجون، بل كان شعلةً للنشاط والعمل الدؤوب. التحق بالجامعة المفتوحة، وأتم دراسة العلوم السياسية وعلم الاجتماع، محولاً زنزانته إلى أكاديمية تخرج الأحرار. وكان يرى في خدمة رفاقه شكلاً من أشكال الرباط الجهادي، فقضى سنوات طوال يعمل في “مغسلة السجن” ليغسل أعباء الحياة عن كواهل زملائه، يوزع ابتسامته الصابرة رغم ثقل السلاسل. لم يكتفِ بذلك، بل كان “أستاذاً” لرفاقه، يعلمهم اللغتين الإنجليزية والعبرية اللتين أتقنهما ببراعة، وكأنه يقول للسجان بلسان حاله: “بإمكانكم حبس أجسادنا، لكن عقولنا تجوب آفاق المعرفة التي لا تحدها جدران”.

التابوت المتحرك: معركة اللوكيميا وأوجاع “البوسطة”

في عام 2019، تسلل عدو صامت إلى جسد إبراهيم: سرطان الدم (اللوكيميا). ومنذ تلك اللحظة، لم يتغير قيد السجان بل ازداد قسوة وتجردت القلوب من الرحمة. تحولت رحلاته إلى المستشفى إلى فصول من التعذيب الممنهج؛ إذ كان يُنقل وهو مقيد بـ “أربعة قيود” حديدية (يداه وقدماه)، في عربة “البوسطة” التي تشبه التابوت الحديدي البارد، ويُجبر على المبيت في “المعبر” (زنزانة ترانزيت قذرة) ليلة كاملة قبل الوصول للفحص. أخبرته الطبيبة يوماً أن التلوث الإشعاعي والغذائي في السجن هو سمٌ زعاف لمريض في حالته، ورغم ذلك، ظل الاحتلال يتنكر لكل الالتزامات السياسية والوعود بالإفراج عنه ضمن “الدفعة الرابعة”. لكن إبراهيم واجه “القتل البطيء” بابتسامة الواثق بربه، مردداً في خلواته: “إن مع العسر يسراً”.

حوار خلف الرماد: “أبو نايف” يروي حكاية لم تنتهِ

في فناء منزله بباقة الغربية، جلس إبراهيم أبو مخ، يحيط به أهله الذين لم يعرفهم إلا صوراً. كان صوته هادئاً كبحر عكا الذي نشأ بجواره، وكلماته تخرج بوقار السنين.

س: يا أبا نايف، كيف يقرأ الرجل أربعين عاماً من عمره سُرقت بين الجدران؟

أغمض عينيه برهة وقال: “الوقت في السجن ليس ساعات أو أيام، بل هو اختبار لمدى تمسكك بإنسانيتك وإيمانك. لقد سرقوا مني ربيع الشباب، لكنهم لم يسرقوا يوماً واحداً من يقيني بأن الفجر قادم. كنت أرى فلسطين في كل كتاب أقرؤه، وفي كل أسير جديد يدخل الزنزانة ليخبرنا أن الشعب لا يزال يقاوم. السجن يا بني هو أن تقبل بالهزيمة النفسية، والحمد لله، خرجت وأنا أشعر أن روحي لم تُهزم أبداً”.

س: حدثنا عن تلك اللحظات القاسية، مريض سرطان ومقيد بالأغلال في “البوسطة”.. كيف كنت تصبر؟

تنهد بوجع: “الألم الجسدي يزول، لكن القهر النفسي هو ما يحاولون زرعه فيك. عندما كانوا يضعون القيود الأربعة في أطرافي وأنا منهك من الكيماوي، كنت أتذكر أن الله يبتلي من يحب. ‘البوسطة’ كانت قبراً متحركاً، لكنني كنت أستمد قوتي من دعاء الأمهات ومن نظرات رفاقي في المغسلة. كنت أقول لنفسي: ‘الذي نجا من يتم عكا وشتات بيت لحم، لن يكسره حديد السجان’. السجن كان معركة بين صدأ الحديد وبين صفاء الروح”.

س: ماذا تركت وراءك في تلك الزنازين المظلمة؟

“تركت قلوباً لا تزال تنبض تحت ركام الإهمال الطبي. تركت رفاقاً من أسرى ما قبل أوسلو، أولئك المنسيين في ‘الزمن الموازي’ الذين تنكرت لهم كل الاتفاقيات. حريتي اليوم منقوصة ما دام هناك أسير مريض يعاني كما عانيت. أنا اليوم أتنفس هواء باقة الغربية، لكن رئتي لا تزال في عيادة سجن الرملة وفي كل زاوية من زوايا السجن التي شهدت صلاتنا وصمودنا”.

صدى العدالة في موازين الحق والقانون

تؤكد جمعية أفق الحرية أن حالة إبراهيم أبو مخ ليست مجرد سيرة ذاتية، بل هي وثيقة إدانة صارخة لمنظومة الاحتلال التي تضرب عرض الحائط بالمادة 13 من اتفاقية جنيف الثالثة. إن الإهمال الطبي الممنهج (القتل البطيء) الذي مورس بحقه، وتعمد تقييده بالقيود الرباعية وهو يصارع اللوكيميا، يندرج ضمن “المعاملة اللاإنسانية” التي تُصنف كجرائم حرب في القانون الدولي. إن صمود إبراهيم لأربعين عاماً هو الفشل الأكبر لمشروع “صهر الوعي”، وهو صرخة قانونية وأخلاقية تفرض على العالم ضرورة تدويل ملف الأسرى المرضى وتأمين حريتهم قبل أن يفتك بهم الوجع خلف القضبان.

يا دامي العينين والكفين.. إن الليل زائل

رحل إبراهيم عن السجن، لكن حكايته ستبقى محفورة في ذاكرة الزيتون، تروي للأجيال أن “ألف التعريف” لحياتنا هي فلسطين، وأن الرباط في الأرض ليس مجرد شعار، بل هو صلاة دائمة في محراب التحدي. سيبقى “أبو نايف” منارةً تهدي الأحرار، وبرهاناً ساطعاً على أن إرادة المؤمن، كشجر السنديان، تزداد صلابة كلما اشتدت عليها الرياح.

Leave a comment

مرحبًا، كيف يمكننا مساعدتك اليوم؟