Skip to content Skip to footer

ترانيم الروح في جغرافيا الصمت: سيرة وليد دقة ومعراج الوعي من خلف الأسلاك

تبدأ حكاية وليد نمر دقة من تلك البقعة الخضراء في المثلث الفلسطيني، بلدة باقة الغربية، حيث ولد في الثامن عشر من تموز عام 1961، ليكون شاهداً على تحولات كبرى في تاريخ الأرض والإنسان. نشأ وليد في عائلة فلسطينية مكونة من ستة أشقاء وثلاث شقيقات، تشربت وجدانها من تفاصيل الأرض ومعاناتها، وأنهى تعليمه المدرسي في باقة عام 1979، لكن أحلامه لم تكن تقف عند حدود المدرسة الثانوية، بل كانت ترحل بعيداً نحو آفاق التحرر والمعرفة. هذه النشأة في الداخل الفلسطيني المحتل عام 1948 صاغت وعيه الباكر، حيث التناقض الصارخ بين المواطنة المفروضة والهوية الأصيلة، وهو التناقض الذي سيرافقه طيلة حياته حتى في أدق تفاصيل سجنه وموته.

رحلة في الكهف: من زيتون باقة إلى عتمة الزنزانة

في الخامس والعشرين من آذار عام 1986، انكسر مجرى الزمن العادي بالنسبة لوليد، حين اعتقلته سلطات الاحتلال بتهمة الانتماء لخلية عسكرية نفذت عمليات فدائية، ليصدر بحقه حكم بالإعدام في البداية، قبل أن يُخفف لاحقاً إلى السجن المؤبد. دخل وليد السجن شاباً في الخامسة والعشرين، ليجد نفسه وجهاً لوجه مع منظومة تهدف إلى سلب الإنسان إرادته. لكنه، ومنذ اللحظة الأولى، رفض أن يكون مجرد رقم في سجلات مصلحة السجون، وبدأ عملية تحول فكري مذهلة، محولاً الزنزانة إلى صومعة للمفكر، ومختبراً لتحليل آليات القمع.

المرحلةالمحطة الزمنية والحدثالأثر الوجودي والقانوني
الميلاد والنشأة18 يوليو 1961، باقة الغربيةتشكل الوعي الأول بمركبات الهوية الفلسطينية في الداخل
الاعتقال والبدء25 مارس 1986الدخول إلى “الزمن الموازي” وقطع مجرى الحياة الطبيعية
الحكم القضائيمارس 1987، محكمة اللدالحكم بالمؤبد (حُدد لاحقاً بـ 37 عاماً)
الارتباط الاستثنائي10 أغسطس 1999، سجن عسقلانعقد القران على سناء سلامة في مواجهة المستحيل
الأبوة المنتزعة3 فبراير 2020، الناصرةميلاد الطفلة “ميلاد” عبر النطف المحررة
الشهادة والرحيل7 أبريل 2024الارتقاء بعد 38 عاماً من الأسر والقتل البطيء

لم يكن السجن لوليد مجرد جدران، بل كان “جغرافيا سادسة” تضاف إلى خارطة فلسطين، وطور وعياً موازياً لوعي الحركة الوطنية في الخارج. قضى وليد قرابة ثلثي عمره في السجون، وسمى نفسه “رجل الكهف” لأنه شعر بأنه ينتمي لعصر انتهى، أو ربما لأنه كان يرى من داخل كهفه حقائق لا يراها من هم في الخارج. حصل وليد داخل الأسر على درجتي البكالوريوس والماجستير في العلوم السياسية، واستمر في نضاله الحقوقي والفكري، مؤكداً أن السلاح الأول في وجه المحتل هو العلم والوعي.

سيمفونية الحب خلف قضبان عسقلان

في منتصف التسعينيات، بدأت قصة لم تكن في الحسبان؛ سناء سلامة، الناشطة والحقوقية التي كانت تزور السجون وتكتب عن الأسرى، التقت بوليد. تروي سناء أن شخصية وليد كانت “طاغية واستثنائية”، ولم يكن يشعرها يوماً أنها تتحدث مع أسير محطم، بل مع مفكر يواكب أدق تفاصيل الحياة في الخارج. قررا الارتباط، وهي خطوة وصفتها سناء بأنها لم تكن محل تردد، رغم علمها بتبعاتها الثقيلة. خاضا معركة قانونية شرسة ضد إدارة السجون التي رفضت السماح لهما بالزواج، حتى تمكنا في عام 1999 من عقد القران في سجن عسقلان.

كان حفل الزفاف مشهداً سريالياً؛ غرفة داخل السجن، حضور تسعة من الأسرى، وعائلتا العروسين، بينما كان بقية الأسرى في غرفهم يقيمون حفلاً موازياً بالهتاف والتصفيق. تقول سناء إن عقد القران شكل سابقة في تاريخ الحركة الأسيرة، وكان لحظة فرح أبكت الكثيرين لأنها مثلت انتصاراً للإنسان على الآلة. وليد، في إحدى رسائله، وصف سناء بأنها كانت “مرآته” التي تمنحه الوعي بالزمان والمكان، و”ألف التعريف” لحياته التي لولاها لظلت نكرة في غياهب النسيان.

حين تُهزم “الدولة النووية” بصرخة رضيع

لطالما حلم وليد بالأبوة، وفي عام 2011، كتب رسالة مؤثرة لابنته التي لم تولد بعد، اختار لها اسم “ميلاد” لتكون رسالة للمستقبل. كان الاحتلال يعتبر تكاثر الفلسطينيين تهديداً أمنياً، وحرم وليد وسناء من حق الإنجاب الطبيعي عبر سنوات طويلة من الالتماسات المرفوضة. لكن وليد، الذي أتقن “لغة الحيطان”، قرر أن يهزم السجان في ملعبه البيولوجي. وفي عام 2020، وبطريقة إعجازية عبر “النطف المحررة”، ولدت ميلاد في مدينة الناصرة.

تحول المستشفى في الناصرة يوم ولادة ميلاد إلى ساحة احتفال وطني، وبكت سناء فرحاً وهي تحمل ثمرة تحدٍ استمرت عقوداً. ميلاد لم تكن مجرد طفلة، بل كانت “تفوق أبيها الأخلاقي” على القاضي الذي أراد منع الحياة. ميلاد، التي لم يحملها وليد ويشم رائحتها إلا ثلاث مرات في حياته، كانت تفتخر بوالدها وتنتظر مكالماته وزياراته القليلة، حيث كان يبتكر لها لغة خاصة ويصف لها أماكن الهدايا المخبأة في البيت ليظل حاضراً في وجدانها رغم السلاسل.

صهر الوعي: فلسفة المقاومة في الزمن الموازي

يُعد وليد دقة أحد أبرز المنظرين في تاريخ السجون الإسرائيلية. كتابه “صهر الوعي أو في إعادة تعريف التعذيب” ليس مجرد وثيقة، بل هو تشريح عميق للمؤسسة العقابية. جادل وليد بأن السجن انتقل من استهدف الجسد إلى استهداف العقل والحواس لتحويلها إلى أدوات تعذيب ذاتي. اقترح وليد آلية “ثقف نفسك بنفسك” لتتحرر داخلياً قبل التحرر الفيزيائي، معتبراً أن المعركة الفردية للحفاظ على الذات هي جوهر النضال الوطني.

المفهوم الفلسفيالتعريف والجوهر عند وليد دقةالغاية النضالية
الزمن الموازيزمن دائري رتيب يختلف عن الزمن الاجتماعي الخارجي الحفاظ على الفاعلية ومنع التلاشي في المكان
صهر الوعيسياسات الاحتلال لكسر إرادة الأسير وتفريغ محتواه الوطني بناء حصانة فكرية تواجه أدوات القمع الحديثة
المكان الموازياعتبار السجون “جغرافيا سادسة” توازي فلسطين التاريخية فهم السياسات الاستعمارية وتفكيك شيفراتها
التحرير بالنصالكتابة والرسم كوسيلة للتسلل خارج الأسوار تحرير الجسد نصياً حين تعجز القوة عن تحريره فيزيائياً

في دراسته “صهر الوعي”، كتب وليد بعد إضراب الأسرى عام 2004، محذراً من أن سلطة السجن تسمح بانتقال أمراض المجتمع المأزوم إلى الداخل لتفكيك وحدة الحركة الأسيرة. كما أبدع في روايته لليافعين “حكاية سر الزيت”، التي فازت بجوائز عربية، حيث استخدم شخصية الطفل “جود” والزيتون والحيوانات ليعلم الأجيال القادمة أن العلم هو السلاح الأول للحرية، وأن الجدران يمكن اختراقها بالخيال والإرادة.

كيف كانت تُدار صفحة وليد دقة؟

كانت التقارير التي تخرج عن وليد دقة، سواء عبر عائلته أو المؤسسات الحقوقية، تتبع هيكلاً ثابتاً ومدروساً يهدف إلى ملامسة الوجدان وتقديم الحقيقة في آن واحد. يمكن تحليل هيكل كل منشور (بوست) على النحو التالي:

  1. العنوان الجاذب والعميق: لا يتم استخدام عناوين رسمية، بل عبارات مثل “من كهف وليد.. رسالة إلى ميلاد المستقبل” أو “حين يرتجف الزيتون شوقاً لابنه”.
  2. المقدمة السردية (القصة): يبدأ المنشور بسرد موقف إنساني بسيط، مثل وصف وليد وهو يحاول الإمساك بأصابع سناء عبر الشبك، أو رسمه لطفلة على مرجوحة في زنزانته.
  3. المعطى الميداني والقانوني: يتم دمج المعلومات الجافة داخل السرد، مثل تاريخ اعتقاله، أو سنوات حكمه، أو وضعه كأحد أسرى ما قبل أوسلو الذين يرفض الاحتلال إطلاق سراحهم.
  4. النشرة الطبية الممزوجة بالمعاناة: عند الحديث عن مرضه، لا تُذكر الفحوصات كأرقام فقط، بل كمعركة ضد الإهمال الطبي، مثل “نخاع وليد الذي يرفض الانكسار يواجه تليفاً أراده السجان قتلاً بطيئاً”.
  5. الخاتمة بالاقتباس الفلسفي: ينتهي كل منشور بجملة قوية لوليد تلخص الموقف، مثل “الحب هو نصري الوحيد” أو “أكتب حتى أتحرر من السجن”.
  6. الدعوة للتحرك (Call to Action): رابط للحملة الدولية أو دعوة للمشاركة في وقفة تضامنية، لربط النص بالفعل على الأرض.

مقابلة مستعادة من الروح

المحاور: وليد، أنت الآن في عامك الثامن والثلاثين من الأسر. كيف تصف لنا “الزمن الموازي” الذي تسكنه؟

وليد دقة: في زماننا الموازي، المكان ثابت والزمن دائري كعلكة بغل. نحن لا نستخدم ساعاتكم ولا دقائقكم إلا حين نلتقي عند شبك الزيارة، هناك فقط يلتقي خط زماننا بزمانكم. هنا، غالبيتنا لم تُجب بعد على سؤال “ماذا تريد أن تصبح حين تكبر؟” لأننا ما زلنا نبحث عن المستقبل الذي دُفن حياً في زنازين السجان العربي أو سجون الاحتلال الأجنبي.

المحاور: كتبت كثيراً عن “صهر الوعي”. هل تشعر أن السجان نجح في تحويل عقلك إلى زنزانة؟

وليد دقة: السجان يحاول، لكن الكتابة هي نفقي الذي أحفره تحت أسواري. هم يستخدمون “العصبة” ليس لتعذيب الجسد، بل لتعطيل زمن المستقبل وتقسيم الهوية. لكنني أواجههم بالحب؛ الحب هو الجمرة التي أقبض عليها، وهو الذي يمنعني من الجنون أو الفظاظة التي تفرضها حياة السجن.

المحاور: ميلاد.. ماذا تمثل لك هذه الطفلة التي ولدت من نطفة مهربة؟

وليد دقة: ميلاد هي انتصاري الأخلاقي. لقد رسمتُ طفلة على مرجوحة في زنزانتي وكتبت “ميلاد مرت من هنا”، وشعرت بها تهز ذراعي في منامي وتنادي “يابا يا حبيبي”. هي لم تمر من هنا جسدياً، لكن وعيها بالحرية سبق وجودها. هي الرد على دولة نووية تخشى طفلاً لم يولد بعد وتعتبره خطراً أمنياً.

المحاور: تواجه الآن مرض السرطان وإهمالاً طبياً متعمداً. هل تخشى النهاية؟

وليد دقة: المرض لم يكن في البرنامج، لكنني أريد أن أكتب النهاية بنفسي. إذا لم تتحرر جثثنا من السجن، فسنحررها نصاً ولوحة مرسومة. الرسم وسيلة ممتازة لإشغال العقل بعيداً عن الوجع حتى لا تنهار الروح. أنا لست قلقاً، فالحياة أقوى من الخوف، والحق لا يناله إلا الأحرار.

القتل البطيء: فصول الوجع في “المسلخ”

في كانون الأول عام 2022، تلقى وليد وعائلته صدمة التشخيص النهائي: “التليف النقوي” (Myelofibrosis)، وهو سرطان نادر يصيب نخاع العظم. لم تكن هذه الإصابة وليدة الصدفة، بل كانت تتويجاً لسنوات من الإهمال الطبي الممنهج، حيث ماطلت إدارة السجون منذ عام 2018 في إجراء فحوصات الدم الدورية التي كانت كفيلة باكتشاف المرض في مراحله الأولى. تدهورت حالته بسرعة، وفقد الكثير من وزنه، وأصيب بالتهاب رئوي حاد أدى لاستئصال جزء من رئته اليمنى في نيسان 2023.

التاريخالتطور الصحي لوليد دقةالإجراءات الطبية والقمعية
2018بداية الحاجة لفحوصات دم دوريةمماطلة إدارة السجون في إجراء الفحوصات
18 ديسمبر 2022التشخيص النهائي بالسرطانالتأكد من إصابته بـ “التليف النقوي”
23 مارس 2023تدهور حاد ودخول المستشفىالنقل إلى مستشفى “برزيلاي” في حالة هزال شديد
12 أبريل 2023عملية جراحية كبرىاستئصال جزء من الرئة اليمنى وفقدان القدرة على النطق مؤقتاً
7 أبريل 2024الشهادةالارتقاء في مستشفى “آساف هروفيه” تحت القيد

بعد السابع من تشرين الأول 2023، زادت وطأة المعاملة الوحشية، حيث حُرمت عائلته من زيارته، ونُقل مراراً بين سجن جلبوع وعيادة سجن الرملة التي تفتقر لأدنى المقومات الطبية لعلاج السرطان. كانت المحامية نادية دقة تصف لقاءاتها الأخيرة معه بصعوبة بالغة، حيث كان يبتسم رغم الألم، ويحاول الحفاظ على توازنه الفكري وسط عاصفة الوجع. رفضت المحكمة الإسرائيلية كافة الالتماسات للإفراج المبكر عنه لتلقي العلاج، مصرة على إبقائه خلف القضبان حتى الرمق الأخير.

معراج الشهيد واحتجاز الحكاية

في مساء الأحد، السابع من نيسان عام 2024، ترجل الفارس. أعلنت هيئة شؤون الأسرى ونادي الأسير استشهاد وليد دقة بعد 38 عاماً من الصمود. لم تنتهِ فصول الحكاية بموته، بل استمر التنكيل بجثمانه؛ حيث رفض الاحتلال تسليمه لعائلته لدفنه في باقة الغربية، ومنع إقامة بيوت العزاء، واقتحم خيمة العزاء المخصصة له واعتقل بعض الموجودين فيها.

بقي وليد دقة يطارد سجانه حتى بعد استشهاده. ترك خلفه إرثاً فكرياً هائلاً، وابنة اسمها ميلاد ستظل تروي حكاية أبيها “رجل الكهف” الذي صنع الحياة وسط الموت. وليد لم يكن مجرد أسير، كان حالة وعي استثنائية، حوّل فيها السجن من مكان للكسر إلى مكان للإنتاج، ومن زمن للانتظار إلى زمن للتجاوز. وكما كتب في “سر الزيت”، فإن السلاح الأول هو العلم، والانتصار الحقيقي هو ألا تفقد إنسانيتك وجمالك الداخلي مهما بلغت بشاعة الزنزانة.

لقد كان وليد دقة أنبلاً من أن يُنسى، وأصلب من أن يُكسر، وباقياً فينا كزيت الزيتون الذي مسح به الرسل على أجساد الرضع، وأضاؤوا به بيوت الله. رحل وليد، لكن “ميلاد” ستبقى تجوب شوارع باقة والقدس، حاملةً سر الزيت وسر السيف، ومستقبلًا لا بد أن يتحقق يوماً ما، كما تنبأ به والدها في “الزمن الموازي”. إن سيرة وليد دقة هي ملحمة الإنسان الفلسطيني الذي رفض أن يُصهر وعيه، وقرر أن يكون هو صانع الحكاية ونهايتها، حتى لو كلفه ذلك ثمانية وثلاثين عاماً من العمر، وحياةً انتهت شهادةً، لتبدأ خلوداً.

Leave a comment

مرحبًا، كيف يمكننا مساعدتك اليوم؟