Skip to content Skip to footer

علاء البازيان: سيرة الدم ونور البصيرة.. ملحمة الكفيف الذي أبصر الوطن خلف القضبان

في قلب حارة السعدية، حيث تتشابك أزقة القدس القديمة كشرايين نابضة بالتاريخ، ولدت حكاية لا تشبه القصص التي تُروى للأطفال قبل النوم، بل هي نوع من الملاحم التي تُكتب بالدم والدموع وتُحفظ في ذاكرة الصخر المقدسي. إنها سيرة علاء الدين أحمد رضا البازيان، الرجل الذي فقد بصره في ربيع شبابه، لكنه لم يفقد بوصلة الطريق نحو القدس، فصار “أبو كمال” عنواناً لصمود أسطوري تجاوزت فصوله الأربعين عاماً من القيد.

تمثل قصة علاء البازيان اختزالاً للمأساة الفلسطينية وتجلياً لعنفوانها؛ فهي رحلة بدأت بمحاولة فدائية في جبل المكبر، وانتهت بصفقة تحرر ونفي قسري إلى مصر في فبراير 2025. وبين البداية والنهاية، تمتد عقود من المعاناة المركبة: عتمة البصر، وعتمة الزنزانة، ووجع المرض، ولوعة الفراق التي طالت الوالدين والأخوة، ومرارة إعادة الاعتقال التي عصفت بحلم الاستقرار الصغير الذي بناه علاء مع زوجته نسرين وطفلتيه منار وانتصار.

جذور الصمود في حارة السعدية: النشأة وتفتح الوعي المقاوم

ولد علاء البازيان في السابع والعشرين من حزيران عام 1958، في زمن كانت فيه القدس تعيش مخاضات سياسية كبرى. نشأ في حارة السعدية، وهي واحدة من أعرق حارات البلدة القديمة القريبة من المسجد الأقصى، حيث لا يمكن لطفل أن يكبر دون أن يتشرب قدسية المكان ومرارة الاحتلال الذي أحكم قبضته على المدينة عام 1967.

تلقى علاء تعليمه الأساسي في المدرسة البكرية، ثم انتقل لدار الأيتام الإسلامية، وأكمل دراسته في الكلية الإبراهيمية. لم يكن علاء مجرد طالب متفوق، بل كان شاباً مسكوناً بهاجس التحرير. وفي عام 1977، ومع بلوغه التاسعة عشرة، انخرط في صفوف حركة التحرير الوطني الفلسطيني “فتح”، ليبدأ مسيرته كجزء من خلية فدائية نشطة استهدفت تقويض أركان الاحتلال في المدينة المقدسة.

معالم التكوين الاجتماعي والأكاديمي للأسير

الجانبالتفاصيل والمعطيات
تاريخ الميلاد27 حزيران / يونيو 1958
مكان الميلاد والنشأةحارة السعدية – البلدة القديمة – القدس
المؤسسات التعليميةالمدرسة البكرية، دار الأيتام، الكلية الإبراهيمية
الانتماء التنظيميحركة فتح (انضمام عام 1977)
التحصيل الأكاديمي في الأسرشهادة الثانوية العامة من داخل السجن

ليلة الشظايا: حين انطفأ النور ليتوهج الفداء في جبل المكبر

في ليلة العشرين من نيسان عام 1979، كان القدر يخبئ لعلاء اختباراً هو الأقسى في مسيرته. انطلق برفقة رفيقه المناضل كمال النابلسي نحو جبل المكبر، حاملين عبوة ناسفة أُعدت لتستهدف سيارة ضابط إسرائيلي. وبينما كانا في مراحل الإعداد الأخيرة، حدث خلل فني أدى لانفجار العبوة بين يديهما.

كان الانفجار مدوياً، فتمزق جسد كمال النابلسي ليرتقي شهيداً على الفور، بينما طارت الشظايا لتستقر في عيني علاء ووجهه ورأسه، مخلفة دماراً جسدياً هائلاً شمل تمزقاً في الكبد وإصابة بالغة في القدم. سقط علاء في ظلام دامس لم يخرج منه بصرياً حتى يومنا هذا، لكنه ظل يرى بقلبه ملامح رفيقه الشهيد ووجه القدس الحزين.

اعتقله جنود الاحتلال من موقع الانفجار ونُقل إلى مستشفى “هداسا عين كارم”. هناك، بدأت فصول التعذيب والتحقيق قبل أن تلتئم جراحه. لم يشفع له فقدان بصره ولا حالته الصحية الحرجة؛ فالمخابرات الإسرائيلية كانت تريد انتزاع معلومات عن الخلية، لكن علاء واجههم بصمت الجبال، رافضاً الاعتراف بأي شيء رغم الألم الجسدي والنفسي الرهيب.

القيد الدوار: رحلة الاعتقالات المتلاحقة والحرية المخطوفة

لم تكن حياة علاء البازيان سوى سلسلة من السجون التي يتخللها فترات قصيرة من الحرية التي كانت تُستخدم كفخاخ قانونية أو استراحات محارب. يمكن تقسيم هذه المسيرة إلى محطات رئيسية تعكس إصرار الأسير وصلف المحتل:

المحطة الأولى: الاعتقال الأول (1979 – 1981)

بعد إصابته، حُكم عليه بالسجن لمدة خمس سنوات، خُفضت لاحقاً إلى سنتين بعد استئناف عائلته. في هذه الفترة، كان يعاني من وجود شظايا في عينيه ورأسه، وتعرض لإهمال طبي متعمد ساهم في فقدانه الدائم للنظر. بعد الإفراج عنه، سافر إلى الأردن ولبنان لإزالة الشظايا، لكنه أصر على العودة إلى القدس لمواصلة المقاومة رغم إصابته.

المحطة الثانية: الاعتقال الثاني وصفقة “النورس” (1981 – 1985)

أعيد اعتقاله في نهاية عام 1981 بتهمة تشكيل خلية فدائية. في هذه المرحلة، استشهد رفيقه خليل صندوقة تحت التعذيب أمام عينيه “البصيرتين” بالحق. حُكم على علاء بالسجن 20 عاماً، لكنه تحرر بعد أربع سنوات في صفقة تبادل الأسرى التي قادتها الجبهة الشعبية – القيادة عامة عام 1985.

المحطة الثالثة: المؤبد والوفاء (1986 – 2011)

لم يطق علاء البقاء بعيداً عن العمل النضالي، فشكّل خلية قتلت مستوطنة صهيونية (زهافا بن عوفاديا) كانت تدير مكتباً لتسهيل العمالة. اعتُقل في نيسان 1986 وحُكم عليه بالسجن المؤبد. في هذه السنوات الطويلة، واجه فقدان والديه وشقيقه، وظل صامداً حتى تحرر في صفقة “وفاء الأحرار” عام 2011.

المحطة الرابعة: خديعة 2014 والتحرر الأخير (2014 – 2025)

في حزيران 2014، وعقب اختفاء ثلاثة مستوطنين في الخليل، أعاد الاحتلال اعتقال 55 محرراً من صفقة شاليط، كان علاء من بينهم. أُعيد له حكم المؤبد بناءً على “ملف سري”، وظل أسيراً حتى تحرر في فبراير 2025 وأُبعد إلى مصر.

بصر القلب: كيف عاش الضرير خلف القضبان؟

داخل زنازين الاحتلال، لم يكن علاء البازيان عبئاً على رفاقه، بل كان منارة لهم. يصفه الأسرى بأنه صاحب “ذاكرة خارقة” وثقافة موسوعية. كان يعتمد على رفاقه في قراءة الكتب له، وكان يحلل الأخبار السياسية بدقة تذهل المحيطين به.

تقول زوجته نسرين: “مروءة علاء جعلتني أنسى أنه كفيف؛ فهو يخدم نفسه بنفسه، ويتابع التلفاز بالسمع، ويمتلك عزيمة أقوى من كل المبصرين”. كان علاء يتحدى عتمة السجن وعتمة البصر بالتعلم؛ فحصل على الثانوية العامة، وكان يحفظ تفاصيل أزقة القدس في عقله، ويصفها لرفاقه وكأنه يراها اللحظة.

تحليل الحالة الصحية والمعاناة الطبية للأسير

المرض / الإصابةالتأثير الصحي الحاليالموقف الطبي للاحتلال
فقدان البصر التامعتمة كاملة ناتجة عن انفجار 1979إهمال طبي في البدايات أدى لاستحالة العلاج
شظايا في الرأس والوجهالتهابات حادة في الجيوب الأنفية وضغط على الدماغرفض إجراء عملية جراحية لخطورتها على حياته
استئصال جزء من الكبدمشاكل هضمية وضعف عام في المناعةمتابعة طبية شكلية وغير كافية
مرض السكري والضغطحاجة دائمة للأدوية والمراقبةتعرض لنقص الدواء في فترات التوتر
الأمراض الجلدية (السكابيوس)جروح وحكة شديدة بعد أحداث 7 أكتوبرتعمد الحرمان من مواد التنظيف والاستحمام

الأبوة المخطوفة: حكاية “منار” و”انتصار”

بين تحرره عام 2011 وإعادة اعتقاله عام 2014، عاش علاء أجمل ثلاث سنوات في حياته. تزوج من السيدة نسرين، ورزق بطفلتين: منار وانتصار. كانت منار تنظر إلى والدها وكأنه بطل خارق، لم تفهم طفولتها كيف يمكن لرجل لا يرى أن يمنحها كل هذا الحنان.

حين أعيد اعتقاله، تركت الطفلتان في مواجهة غياب مر. تروي منار بكلمات تدمي القلب: “أمي، أرى الدمع في عينيك كل يوم.. هل سنرى أبي من جديد؟”. كانت هذه الكلمات تعبر عن مأساة جيل كامل من أطفال المقدسيين الذين سُرقت طفولتهم بين جدران السجون وقاعات المحاكم.

معركة الأمعاء والكرامة: السجن بعد السابع من أكتوبر

بعد السابع من أكتوبر 2023، تحولت السجون الإسرائيلية، وخاصة سجن “النقب” حيث كان يقبع علاء، إلى ساحة للتنكيل الممنهج. وصف علاء تلك الفترة بعد تحرره بأنها “جحيم حقيقي”.

يقول علاء في شهادته: “كنا نُحرم من أبسط الحقوق. لم نستحم لمدة 13 يوماً متواصلة، وانتشر مرض الجرب (السكابيوس) بيننا بشكل مفزع”. بالنسبة لأسير كفيف ومصاب، كانت المعاناة مضاعفة؛ فالحركة داخل الغرفة المكتظة أصبحت خطرة، والوصول إلى الطعام القليل والرديء كان يتطلب جهداً شاقاً. ومع ذلك، ظل علاء صامداً، يواسي رفاقه الأصغر سناً بكلماته التي تستمد قوتها من عقود الصبر.

الخديعة القانونية: الأمر العسكري 1651 والملف السري

تعتبر قضية إعادة اعتقال علاء البازيان وزملائه محرري صفقة شاليط من أكبر الفضائح القانونية في تاريخ القضاء الإسرائيلي. استند الاحتلال إلى “الأمر العسكري رقم 1651″، الذي يسمح بإعادة الأحكام السابقة للأسرى المحررين بناءً على “معلومات سرية”.

هذا الملف السري لا يُسمح للأسير أو محاميه بالاطلاع عليه، مما يجعل الدفاع مستحيلاً. ويرى القانونيون أن هذا الإجراء هو “اختطاف سياسي” هدفه الضغط على المقاومة واستخدام الأسرى كرهائن في أي مفاوضات مستقبلية. بالنسبة لعلاء، كان هذا يعني العودة للمؤبد دون ارتكاب أي مخالفة، فقط لأنه يحمل تاريخاً نضالياً يخشاه المحتل.

فجر 2025: تحرر في مهب النفي

في 27 فبراير 2025، انكسر القيد مجدداً. ضمن اتفاق لوقف إطلاق النار وصفقة تبادل أسرى واسعة، أُطلق سراح علاء البازيان. لكن الفرحة لم تكن مكتملة؛ فقد فُرض عليه الإبعاد إلى مصر، بعيداً عن حارة السعدية وأزقة القدس التي أحبها.

عند وصوله إلى الأراضي المصرية، سجد علاء شكراً لله، وقال بلسان حاله إن هواء الحرية في المنفى أهون من ظلم السجان في الوطن، لكن القلب سيظل معلقاً بأسوار القدس.

محطات التحرر والاعتقال في حياة البازيان

الحدثالتاريخالسبب / السياقالنتيجة
الاعتقال الأول1979انفجار عبوة ناسفةالسجن لمدة سنتين وفقدان البصر
التحرر الأول1985صفقة تبادل “النورس”حرية قصيرة تلاها نشاط مقاوم
الاعتقال الثالث1986عملية قتل مستوطنةحكم بالمؤبد قضى منه 25 عاماً
التحرر الثاني2011صفقة “وفاء الأحرار”زواج وإنجاب ابنتين في القدس
إعادة الاعتقال2014رد فعل سياسي على عملية الخليلإعادة حكم المؤبد بناءً على ملف سري
التحرر الثالث2025اتفاق وقف إطلاق النارتحرر مشروط بالإبعاد إلى مصر

“يا قدس، إني أراكِ”

في جلسة بين علاء وأحد رفاقه في سجن النقب قبيل تحرره بأيام:

الرفيق: “أبا كمال، مضى علينا وقت طويل في هذه العتمة.. هل لا تزال تذكر وجه باب العامود؟”

علاء: “يا بني، أنا لا أذكر وجه باب العامود فقط، أنا أسمع صوت الباعة، وأشم رائحة الكعك المقدسي، وأشعر بملمس حجارة السور تحت أصابعي. السجن لم يسرق مني القدس، بل جعلها تسكن في عينيّ اللتين لا تبصران”.

الرفيق: “لكنهم أعادوا اعتقالك وأنت بين طفلتيك.. ألا تشعر بالظلم؟”

علاء: “الظلم هو أن نعتاد القيد. أنا تزوجت وأنجبت لأسلم الراية لمنار وانتصار. إذا خرجتُ، فسأخرج مرفوع الرأس، وإن بقيتُ، فإني باقٍ في خندق الدفاع الأول. المهم يا صاحبي ألا تنطفئ البصيرة، فالعين قد تخذل صاحبها، لكن القلب الصادق لا يضل الطريق أبداً”.

مآلات السيرة ودروس الصمود الإنساني

إن سيرة علاء البازيان تتجاوز كونها قصة أسير؛ إنها وثيقة إدانة للاحتلال الذي يلاحق الضرير في عتمته، وشهادة فخر للحركة الأسيرة الفلسطينية. أثبت علاء أن الإعاقة الجسدية ليست عائقاً أمام الفعل المقاوم أو العطاء الثقافي.

بينما يستقر علاء اليوم في منفاه الاضطراري بمصر، تظل قصته محفورة في سجلات النضال العالمي، كواحد من أقدم الأسرى الذين عرفهم التاريخ المعاصر، ورجلاً طوع الحديد بصبره، وهزم السجان ببصيرته التي لم تغب عنها شمس القدس يوماً.

تضعنا هذه الملحمة أمام مسؤولية كبرى: ألا يتحول الأسرى إلى أرقام في صفقات التبادل، بل أن تُروى قصصهم كدروس في الكرامة الإنسانية. علاء البازيان، الذي فقد بصره ليمنحنا رؤية أوضح للوطن، يستحق أن يكون ذكره خالداً في كل قلب حر، وأن تظل قضية المبعدين ومحرري الصفقات المعاد اعتقالهم على رأس الأولويات الوطنية والحقوقية.

Leave a comment

مرحبًا، كيف يمكننا مساعدتك اليوم؟