Skip to content Skip to footer

مآذن أم الفحم لا تنسى أبناءها: ملحمة محمد توفيق جبارين في الزمن الموازي

في قرية “مشيرفة” القابعة على تلال أم الفحم، حيث تصدح المآذن بروح التحدي ويشمخ شجر الزيتون ليحكي قصة شعبٍ يأبى الانكسار، ولد محمد توفيق سليمان جبارين (أبو إياد) في الثامن عشر من نوفمبر عام 1952. لم يكن طفلاً عادياً؛ فقد جاء إلى الدنيا بعملية قيصرية كانت نذيراً لحياةٍ لن تُنال إلا بالمشقة والتضحية. كبر محمد في كنف أسرة فلسطينية مجاهدة، تشربت حب الأرض والرباط، ونشأ وهو يرى السجن يبتلع شباب مدينته، فآمن يقيناً أن الكرامة مهرها غالٍ، وأن الحرية لا تُطلب من الجلاد بل تُنتزع انتزاعاً.

محراب النور: حين تغدو العيادة خندقاً للخدمة

قبل أن تُطبق عليه أسوار “جلبوع” و”نفحة”، كان محمد جبارين ملاكاً يمشي على الأرض في أم الفحم. عمل في “مركز النور الطبي” بقسم الاستقبال، ولم تكن وظيفته مجرد تسجيل أسماء المرضى، بل كانت باباً واسعاً لخدمة الناس ومد يد العون للمحتاجين. تميز محمد بوقار المؤمن وهدوء الواثق، كان باراً بوالديه، مقرباً من أشقائه، ومحبوباً في كل زقاق من أزقة مشيرفة. كانت حياته مزيجاً من العمل في النادي الإسلامي، وممارسة كرة القدم، والمشاركة في الأنشطة الكشفية والرسم، وكأنه كان يبني روحه لتصمد في زنزانةٍ لم يكن يعلم أنها بانتظاره. لكنَّ روح الفدائي بداخله كانت تنمو مع كل صرخة وجعٍ تخرج من القدس أو غزة، حتى اختار أن يلتحق بركب “الجهاد الإسلامي”، باحثاً عن الطريق الأقصر نحو الله والوطن.

ليلة المآبير: حين قهرت “أدوات الأرض” رعب المعسكر

في الرابع عشر من فبراير عام 1992، كان القدر على موعدٍ مع “أسطورة المناجل”. انطلق محمد جبارين برفقة رفاق دربه: يحيى وإبراهيم ومحمد إغبارية، نحو معسكر “جلعاد” الصهيوني المقام على أنقاض أراضي “الروحة” العربية. لم يحملوا صواريخ ولا متفجرات معقدة، بل امتشقوا “أدوات الأرض”؛ سكاكين، وفؤوساً، ومناجل (مآبير) زراعية. تسللوا تحت جنح الظلام، تحفهم رعاية الرحمن، إلى قلب المعسكر المحصن أمنياً وعسكرياً. في عملية صدمت منظومة الاحتلال، استطاع الفرسان الأربعة الإجهاز على ثلاثة جنود واغتنام أسلحتهم في دقائق معدودات، قبل أن ينسحبوا كالأشباح في ليل الجليل. ظلت العملية غامضة لأسبوعين، حتى استطاعت المخابرات الوصول لخيادعهم في الثالث من مارس 1992، لتبدأ رحلة القيد التي استنزفت ثلاثة وثلاثين خريفاً من عمر محمد.

حوار خلف الصدأ: “الزمن ليس دقائق بل مواقف”

في زاوية ضيقة بسجن جلبوع، كان محمد جبارين يجلس مع رفيقه يحيى إغبارية، يرقبان بصمتٍ شعاع ضوءٍ يتسلل عبر قضبان النافذة المرتفعة.

يحيى: “أبا إياد، هل تذكر رائحة عطر مشيرفة في مثل هذا الوقت؟” محمد (بابتسامة صابرة): “أذكرها يا رفيقي كأنني خرجت منها بالأمس. السجن يا يحيى يحاول أن يسرق منا المكان والزمان، لكنه يفشل في سرقة الذاكرة. نحن هنا في ‘الزمن الموازي’؛ الدنيا في الخارج تتغير، الأطفال يكبرون، والوالدان يرحلون، ونحن نبقى وحدنا نربي الأمل كل صباح بصلاة الفجر”. يحيى: “لقد حكموا علينا بثلاثة مؤبدات وستة عشر عاماً، يريدون لنا الموت خلف هذه الجدران”. محمد: “المؤبد عند الخالق وليس عند المخلوق يا يحيى. السجان يظن أنه يحكم قبضته علينا، لكننا نحن من نحاصره بصمودنا. هل رأيت كيف يرتجفون حين نقرر خوض إضرابٍ عن الطعام؟ الجوع في سبيل الله هو شبعٌ للكرامة، والقيد الذي يدمي المعصم هو وسامٌ سنلقى به ربنا”.

فواجع الغياب: وداع الأهل من وراء الحجب

لم يكن وجع القيد هو الأقسى على قلب محمد جبارين، بل كان وجع الفقد الذي تكرر دون أن يملك حق العناق الأخير. في عام 2013، وفي اليوم نفسه الذي صادف الذكرى الثلاثين لاعتقاله، رحل والده عن الدنيا. تلاه رحيل والدته، التي قضت عقوداً وهي تنتظر “العريس العائد”، ورفض الاحتلال السماح له بإلقاء نظرة الوداع عليها، في تنكيلٍ نفسيٍ لا تصفه الكلمات. لكن الطعنة الأشد كانت في رحيل ابنه محمد وهو لا يزال أسيراً؛ فذلك الطفل الذي تركه وهو ابن ثلاثة أعوام، صار شاباً واستشهد عند البنك العربي في الطيرة بدمٍ بارد من رصاص الاحتلال.

تروي شقيقته بلوعةٍ تفتت الصخر:

“دخلتُ المستشفى فوجدتُ محمداً جثةً هامدة، أحسستُ أنَّ الأرض اهتزت تحت قدمي. كان محمد أخي يحب محمداً ابنه بشكلٍ خاص، كان يقول لي دائماً في المكالمات: ‘يا أختي، سامحيني، وصوني محمداً والأولاد’. اليوم محمد شهيد، وأبوه ‘أيقونة الأسرى’ ينتظر لقاءه في الجنة”.

أرقامٌ من لحمٍ ودم: واقع السجون في مرآة 2026

وجه المعاناةالمعطى الرقميالسياق الحقوقي والسياسي
سنوات الأسر المتواصلة34 عاماً (دخل السجن عمره 39، والآن 73)من قدامى الأسرى الذين استُثنوا من 18 صفقة
العائلة المفقودةفقد الوالدين وابناً (محمد) أثناء الأسرانتهاك للحق في التواصل العائلي والوداع
الحصاد العائليجدٌ لـ 27 حفيد وحفيدة لم يلمسهم سرقة ثلاثة أجيال من عمر المناضل
واقع السجون 20269500 أسير فلسطيني ظروف تجويع وعزل غير مسبوقة بعد أكتوبر 2023
الفئة القانونيةأسرى ما قبل أوسلو (الداخل 48)خرق للمادة 13 من اتفاقية جنيف الثالثة

ميزان الحق: محمد جبارين ووصمة عار “قوانين الاستثناء”

تؤكد جمعية أفق الحرية أن حالة الأسير محمد توفيق جبارين تمثل “المخالفة الجسيمة” الكاملة للقانون الدولي الإنساني. إن استمرار احتجازه لأكثر من ثلاثة عقود، وحرمانه من وداع والديه وابنه، وتعميد “سياسة الاستثناء” ضده كونه من فلسطينيي الداخل، هو شكلٌ من أشكال “الأبارتهايد القضائي” الموصوف. إن الاحتلال يستخدم محمد ورفاقه كرهائن سياسيين، ضارباً عرض الحائط باتفاقيات جنيف التي تفرض معاملة إنسانية لأسرى الحرب والحركات الوطنية. إن صموده وهو في السبعين من عمره، بقلبٍ يملؤه اليقين وجسدٍ أنهكه الوجع، هو صرخة في وجه الضمير العالمي الذي ترك “أيقونات الأسرى” يواجهون القتل البطيء.

يا دامي العينين والكفين.. إن الليل زائل سيبقى محمد جبارين، الملقب بـ “الشيخ سعيد”، منارةً للثبات في سجن جلبوع. هو الذي علمنا أنَّ “الوحدة الوطنية هي قانون الانتصار”، وأنَّ سنوات العمر ليست إلا قرباناً لفلسطين الكاملة. رحلت أمه “رحمة” ورحل ابنه “محمد”، وبقي هو مرابطاً في زنزانته، يحمل في صدره هواء أم الفحم ويقين الأنبياء بأنَّ باب السجن لا بدَّ أن يُفتح، وأنَّ العناق القادم سيكون على ترابِ وطنٍ تحرر بصبرِ أمثاله.

Leave a comment

مرحبًا، كيف يمكننا مساعدتك اليوم؟