Skip to content Skip to footer

اغتيال الروح والجسد: سيرة الشهيد بسام السايح والقتل البطيء

يمثل ملف الأسرى المرضى في سجون الاحتلال الإسرائيلي أحد أكثر الفصول مأساوية في تاريخ النضال الفلسطيني المعاصر، حيث تتحول الزنازين من أماكن للاحتجاز السياسي إلى مختبرات للموت البطيء عبر سياسة الإهمال الطبي الممنهج. وفي قلب هذه المأساة، تبرز قصة الأسير القائد بسام السايح كأيقونة للصبر الاستثنائي، حيث اجتمع عليه وجع السرطان الذي ينهش نخاع عظمه، وقسوة السجان التي تسلب منه حق التنفس. إن سيرة السايح ليست مجرد قصة فردية، بل هي دراسة حالة جيو-سياسية وقانونية تكشف آليات عمل منظومة الاحتلال في تحويل “الحق في الحياة” إلى أداة ابتزاز وتصفية جسدية صامتة. تتناول هذه الدراسة البحثية تفاصيل حياة السايح من المهد في حواري نابلس القديمة إلى اللحد المؤجل في ثلاجات الاحتلال، محتضنة في ثناياها سردية إنسانية، وحوارات مستوحاة من واقع معاناته، وتحليلاً قانونياً وتشريعياً يمتد ليشمل التحولات الكارثية في القوانين الإسرائيلية وصولاً إلى عام 2026.

التكوين والهوية.. نابلس والجذور الأكاديمية

تبدأ حكاية بسام أمين محمد السايح في مدينة نابلس، “جبل النار”، في الحادي والثلاثين من آب/ أغسطس عام 1973. ولد بسام في بيئة مشبعة بروح المقاومة والتحدي، حيث شكلت حارات نابلس القديمة وتاريخها الطويل في مواجهة الانتداب والاحتلال الوعي الأول لهذا الطفل الذي سيصبح يوماً ما “المقاوم المبتسم”. نشأ بسام في أسرة فلسطينية عريقة، تتسم بالالتزام الوطني والديني، مما غرس فيه قيماً أخلاقية مبكرة حول التضحية والوفاء للأرض.

بناء المثقف المشتبك

لم يكن بسام السايح منساقاً خلف العواطف الوطنية فحسب، بل كان يؤمن بأن العلم هو السلاح الأول في معركة التحرر. تلقى تعليمه الأساسي في مدرستي “جعفر بن أبي طالب” و”عمرو بن العاص”، وهما مدرستان عاصرت أحداث الانتفاضة الأولى، مما جعل طفولته وصباه يمران عبر نقاط التماس والمواجهة اليومية. انتقل بعد ذلك إلى مدرسة “قدري طوقان” الثانوية، وهي معقل تعليمي بارز في نابلس، حيث نال شهادة الثانوية العامة في الفرع العلمي عام 1992 بتقدير أهله للالتحاق بالتعليم الجامعي.

التحق بسام بججامعة النجاح الوطنية، وهي الجامعة التي توصف بأنها “جامعة الحصار” و”قلعة الثوار”. هناك، اختار دراسة العلوم السياسية والصحافة، وهو تخصص يعكس شغفه بفهم آليات الصراع وتوثيق الحقيقة. نال درجة البكالوريوس عام 1998، ولم يتوقف طموحه العلمي عند هذا الحد؛ إذ دفعه شغفه بالتطوير المؤسسي إلى الحصول على دبلوم في إدارة الأعمال، ثم توج مسيرته الأكاديمية بالحصول على الماجستير في “التخطيط والتنمية السياسية” عام 2003 من ذات الجامعة.

المحطات الأكاديمية والمهنية في حياة الشهيد بسام السايح

المرحلة / المنصبالمؤسسةالتخصص / الدورالسنة
الثانوية العامةمدرسة قدري طوقانالفرع العلمي1992
البكالوريوسجامعة النجاح الوطنيةالعلوم السياسية والصحافة1998
الماجستيرجامعة النجاح الوطنيةالتخطيط والتنمية السياسية2003
الإدارة الماليةصحيفة فلسطينمدير مالي – الضفة الغربية
العمل الحرالمطبعة العصرية – نابلسمدير عام

الحياة المهنية والنشاط السياسي

عقب تخرجه، انخرط بسام في سوق العمل الفلسطيني بذهنية إدارية وإعلامية متقدة. تولى منصب المدير المالي لصحيفة “فلسطين” في مكتبها بالضفة الغربية، وهي الصحيفة التي كانت تواجه مضايقات مستمرة من الاحتلال ومن السلطة الفلسطينية على حد سواء. كما أدار “المطبعة العصرية” في نابلس، وهي مشروع مهني ساهم من خلاله في دعم الحركة الثقافية والإعلامية في مدينته.

الانتماء والكتلة الإسلامية

خلال سنوات دراسته الجامعية، كان بسام كادراً طلابياً بارزاً في “الكتلة الإسلامية”، الجناح الطلابي لحركة حماس. لم يكن نشاطه مقتصرًا على الجانب التنظيمي، بل امتد للعمل النقابي حيث ساهم بفعالية في تأسيس النقابة الإسلامية للعمال بنابلس، مؤمناً بأن المقاومة تبدأ من حماية حقوق الطبقات الكادحة. هذا التكوين المركب من العلم، والإدارة، والعمل النقابي، صقل شخصية بسام وجعل منه قائداً يمتلك القدرة على التخطيط الاستراتيجي، وهو ما ظهر لاحقاً في عمله العسكري.

الابتلاء الأول.. السرطان يسكن العظم

في عام 2011، وبينما كان بسام يمارس حياته المهنية والوطنية، بدأت تظهر عليه أعراض صحية مقلقة. وأثناء فترات ملاحقته واعتقاله لدى الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية، تم تشخيص إصابته بسرطان العظام. كان هذا الخبر بمثابة الزلزال الذي ضرب استقرار عائلته، لكن بسام استقبله برباطة جأش نادرة.

يروي مقربون منه حواراً دار بينه وبين عائلته عند معرفة الخبر، حيث قال: “هذا المرض هو قدر الله، وهو معركة أخرى لا بد من خوضها بصبر، فالعظم الذي قد ينكسر بالمرض، لن ينكسر بالخوف”.

تفاقمت الحالة في عام 2013، حيث أصيب بنوع آخر من السرطان وهو سرطان الدم النخاعي الحاد (اللوكيميا). وبسبب تدهور حالته، سُمح له بالسفر إلى الأردن عام 2014 لتلقي علاج تخصصي نظراً لعدم توفر الإمكانيات الكافية في الضفة الغربية تحت الحصار. عاد بسام بعد فترة تحسن طفيفة، وهو يحمل في جسده ضعفاً شديداً في عضلة القلب نتيجة لجرعات الكيماوي القاسية، لكن روحه بقيت معلقة بالقدس والوطن.

عملية “إيتمار” والرد على المحرقة

لم تكن أحداث عام 2015 عادية في التاريخ الفلسطيني؛ فقد شهدت جريمة إحراق عائلة “دوابشة” في قرية دوما، وهي الجريمة التي أدت إلى استشهاد الرضيع علي ووالديه حرقاً على يد المستوطنين. أثارت هذه المحرقة غضباً عارماً في قلب بسام السايح، الذي رأى أن الصمت على هذه الجرائم هو مشاركة فيها.

انتمى بسام لكتائب الشهيد عز الدين القسام، وأصبح قائداً ميدانياً بارزاً في الضفة الغربية. أشرف وخطط وشارك في تنفيذ عملية “إيتمار” الفدائية في الأول من تشرين الأول/ أكتوبر 2015، بالقرب من قرية عورتا قضاء نابلس. كانت العملية رداً استراتيجياً استهدف مستوطناً وزوجته (ضابط في جيش الاحتلال)، وشكلت العملية باكورة انطلاق ما عرف بـ “انتفاضة القدس”.

اعتبر الاحتلال بسام السايح “العقل المدبر” لهذه العملية، وبدأ رحلة البحث عنه، رغم علمهم المسبق بملفه الصحي الكارثي، مما يعكس رغبة الاحتلال في تصفية “العقل” الذي يفكر قبل “الجسد” الذي ينفذ.

مشهد الاعتقال.. فخ في قاعة المحكمة

في الثامن من تشرين الأول/ أكتوبر 2015، أي بعد أسبوع واحد فقط من عملية إيتمار، وقع حدث لم يخطر على بال أحد. كانت زوجته “منى السايح” (أبو بكر) معتقلة في سجون الاحتلال، وكان موعد محاكمتها في “محكمة سالم” العسكرية.

رغم مرضه الشديد وخطورة وضعه الأمني، أصر بسام على التوجه للمحكمة لرؤية شريكة حياته والوقوف بجانبها. وفي لحظة درامية تعكس قسوة الواقع الفلسطيني، وبينما كان بسام يترقب دخول منى للقاعة، قامت قوات من المخابرات والجيش بمحاصرته واعتقاله من داخل قاعة المحكمة.

تصف منى ذلك اللقاء الأخير في المحكمة قائلة: “رأيته في القاعة مكبلاً، كانت نظراته تقول لي الكثير، همست له ‘بسام.. بسام’، فابتسم لي ابتسامته المعهودة رغم الألم. لم نكن نعلم أن هذا اللقاء سيكون بداية رحلة الوداع الطويلة”.

التحقيق تحت سياط الوجع

لم يراعِ المحققون في مركز “بتاح تكفا” أنهم يتعاملون مع رجل يصارع نوعين من السرطان وفشلاً في القلب. خضع بسام لتحقيق قاسٍ استمر لأكثر من 10 ساعات يومياً. ووفقاً لشهادته لمؤسسة “الضمير”، كان المحققون يمارسون ضغوطاً جسدية متعمدة على صدره وحوضه، وهي المناطق الأكثر تأثراً بسرطان العظام، مما كان يسبب له صراخاً صامتاً من شدة الألم.

تعرض بسام للإغماء وفقدان الوعي عدة مرات داخل الزنازين الانفرادية، ولم يُقدم له سوى “المسكنات” البسيطة. ظل لعشرين يوماً في التحقيق دون تلقي جرعات الكيماوي الضرورية، مما أدى إلى انهيار في مستوى الصفائح الدموية، ونقله لاحقاً بشكل طارئ إلى مستشفى “بلنسون” لإعطائه جرعات كيماوية مكثفة لإبقائه حياً فقط من أجل استكمال المحاكمة.

الملف الطبي.. تشريح القتل الممنهج

إن دراسة الملف الطبي للأسير بسام السايح تكشف عن حجم “القتل الطبي” الذي تعرض له. لم يكن موته صدفة، بل كان نتيجة حتمية لسلسلة من القرارات الأمنية والطبية المتواطئة.

1. الانهيار القلبي

دخل بسام السجن وعضلة قلبه تعمل بنسبة 60%، وهي نسبة كافية للعيش تحت الرعاية. وبسبب ظروف الاعتقال والتحقيق والبيئة الملوثة في السجون، تدهورت النسبة لتصل إلى 25% في منتصف عام 2019، ثم استقرت عند 15% فقط في أيامه الأخيرة.

2. الاحتقان الرئوي (الغرق الداخلي)

أدى ضعف القلب إلى تجمع السوائل في رئتيه وجسده. كان بسام “يغرق” في سوائل جسده داخلياً، مما سبب له ضيقاً حاداً في التنفس، جعله لا يستطيع النوم إلا وهو جالس، ومعتمداً بشكل كامل على أسطوانة الأوكسجين.

3. السرطان الهجومي

استغل السرطان ضعف المناعة الناتج عن التعذيب؛ فانتشر سرطان العظام في مختلف مفاصل جسده، بينما كان سرطان الدم يفتك بما تبقى من كرات الدم الحمراء والبيضاء.

المؤشرات الحيوية والتدهور الصحي للأسير بسام السايح

العضو / الوظيفةالحالة عند الاعتقال (2015)الحالة في المرحلة الحرجة (2019)المضاعفات
عضلة القلب60% (فعالية)15% (فشل من الدرجة الرابعة)تضخم الكبد وتجمع سوائل
الجهاز التنفسيتنفس طبيعيتعطل جزئي للرئةاحتقان رئوي حاد
الجهاز الحركيحركة طبيعيةشلل جزئي وعجز حركيالاعتماد على كرسي متحرك
تعداد الدممستقر نسبياًهبوط حاد في الصفائحنزيف داخلي محتمل

“مسلخ الرملة” وليس مستشفى

قضى بسام السايح معظم سنواته في “عيادة سجن الرملة”، وهو المكان الذي يطلق عليه الأسرى الفلسطينيون اسم “المسلخ”. تفتقر هذه العيادة لأدنى التجهيزات الطبية الموجودة في أي مستشفى بدائي؛ فلا غرف عمليات، ولا طواقم تمريض حقيقية، بل سجانين يرتدون لباساً طبياً أبيض ويمارسون دور الجلاد.

كان بسام يرجو نقله إلى مستشفى مدني متخصص لزراعة “نابضة قلبية” (Pacemaker)، لكن إدارة السجون كانت تماطل بحجج أمنية واهية. تروي زوجته منى: “طلب بسام إعادته إلى سجن جلبوع ليكون بين رفاقه الأصحاء ليعتنوا به، ففي الرملة كان يواجه الإهمال والوحدة، وكان يقول لي: ‘الرملة تقتل الروح قبل الجسد يا منى'”.

العائلة في عين العاصفة

لم تكن المعاناة مقتصرة على جسد بسام، بل امتدت لتشمل كل فرد في عائلته، كجزء من سياسة “العقاب الجماعي” التي ينتهجها الاحتلال.

  • الأم الصابرة: أم خالد، في الثمانينيات من عمرها، مقعدة على كرسي متحرك وتعاني من أمراض القلب. زارت بسام في السجن وهي محمولة في سيارة إسعاف لمرة واحدة فقط خلال سنواته الأخيرة، ولم تستطع ضمه بسبب الزجاج العازل.
  • الشقيق الأسير: أمجد السايح، محكوم بالسجن 20 عاماً منذ 2002، ويعاني من رصاصة مستقرة في عموده الفقري. لم يُسمح لبسام بالبقاء مع شقيقه في ذات السجن إلا لفترات قصيرة وبشروط قاسية.
  • الزوجة المناضلة: منى السايح، التي تحولت من زوجة إلى أسيرة محررة، ثم إلى ممرضة لزوجها عبر الرسائل والزيارات القليلة. واجهت منى قرار هدم منزلها في حي رفيديا، لكنها خاضت معركة قانونية شرسة أدت لتجميد القرار مؤقتاً.

الساعات الأخيرة.. الرحيل مكبلاً

في تموز/ يوليو 2019، دخل بسام مرحلة الاحتضار السريري. نُقل إلى مستشفى “العفولة”، وهناك تدهورت حالته أكثر، فتم نقله إلى مستشفى “أساف هاروفيه” (صرفند) في 12 آب/ أغسطس 2019.

في تلك الساعات، كانت أجهزة جسده تتوقف واحداً تلو الآخر. الرئة توقفت، والقلب يصارع بالـ 15% المتبقية، والكبد تضخم بشكل مرعب. وفي يوم الأحد، الثامن من أيلول/ سبتمبر 2019، أعلن عن استشهاد بسام السايح عن عمر يناهز 47 عاماً.

ارتقى بسام وهو مكبل القدمين واليدين فوق سرير المستشفى، وهو مشهد يختصر كل معاني السادية في هذا الاحتلال. لم يسمح لزوجته بكلمة وداع أخيرة، ولم يسمح لأمه بلمس جبينه.

رد الفعل الشعبي والغليان في السجون

بمجرد وصول خبر الاستشهاد، تحولت السجون إلى قلاع من الغضب. طرق الأسرى على الأبواب وصدحت حناجرهم بالتكبير، وأعلنت الحركة الأسيرة الحداد العام وإرجاع وجبات الطعام. وفي الخارج، خرجت المسيرات في نابلس ورام الله تنديداً بجريمة “الاغتيال الطبي”.

الجثمان المحتجز.. القيد الذي لا ينتهي

لم يكتفِ الاحتلال بقتل بسام السايح، بل استمر في احتجازه جثمانه في “ثلاجات الموتى” حتى اليوم. تعد هذه السياسة خرقاً فاضحاً للقانون الدولي الإنساني، وتهدف إلى حرمان العائلة من “حق الدفن” واستخدام الجثمان كورقة في مفاوضات مستقبلية.

يقول خلدون، شقيق الشهيد: “الاحتلال يريد قتل بسام مرتين؛ مرة بحرمانه من الدواء، ومرة بحرمانه من تراب نابلس. لكن بسام اليوم هو روح تسكن في كل فلسطيني، ولن تزيدنا هذه الجريمة إلا إصراراً على استعادته ليدفن بما يليق بقائد”.

من الإهمال الطبي إلى “قانون الإعدام” (2026)

عند النظر في حالة بسام السايح، نجد أنها كانت تجسيداً عملياً لما تم “قوننته” لاحقاً في عام 2026. فقد أقر الكنيست الإسرائيلي في 30 آذار 2026 قانوناً يفرض عقوبة الإعدام على الأسرى الفلسطينيين الذين ينفذون عمليات فدائية.

الإعدام الصامت والإعدام المشرعن

كان بسام السايح يواجه حكماً بالمؤبدين و30 عاماً، ولكن الاحتلال طبق عليه “الإعدام الطبي” قبل صدور الحكم النهائي. القانون الجديد لعام 2026، الذي دعمه الوزير المتطرف إيتمار بن غفير، يهدف إلى تسريع هذه العملية وجعلها “قانونية” وعلنية عبر الشنق.

مقارنة بين آليات التصفية الجسدية للأسرى (2019-2026)

وجه المقارنةحالة بسام السايح (2019)قانون إعدام الأسرى (2026)
الأداة المستخدمةالإهمال الطبي (القتل البطيء)المشنقة (الإعدام الميداني المقنن)
الغطاء القانوني“دواعٍ أمنية” لعدم تقديم العلاجتعديل قانون مكافحة الإرهاب 5775
الموقف الدوليتنديد حقوقي واسعوصفه بـ “جريمة حرب” وفصل عنصري
الهدف السياسيكسر إرادة الأسير المريضالردع السياسي وتصفية القضية

انتهاك المواثيق الدولية

تعتبر قضية بسام السايح إدانة صارخة للمجتمع الدولي وصمته. فقد انتهكت إسرائيل كقوة احتلال عدة اتفاقيات دولية في تعاملها معه:

  1. اتفاقية جنيف الرابعة (المواد 76 و91): التي تلزم بتوفير رعاية طبية للمحتجزين مماثلة لتلك المقدمة للسكان المدنيين.
  2. المبادئ الأساسية لمعاملة السجناء (الأمم المتحدة 1990): التي تؤكد على أن السجناء يجب أن يحصلوا على الخدمات الصحية المتاحة في البلد دون تمييز.
  3. العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية: الذي يحظر التعذيب والمعاملة اللاإنسانية، حيث يعتبر حرمان مريض السرطان من علاجه نوعاً من التعذيب النفسي والجسدي الشديد.

وصفت مؤسسة “الضمير” ومركز “الميزان” ما حدث مع السايح بأنه “قتل عمد” عبر المماطلة الطبية، وطالبت بتشكيل لجنة تحقيق دولية محايدة للوقوف على ظروف استشهاده.

دروس من سيرة “المقاوم المبتسم”

تترك سيرة بسام السايح دروساً عميقة تتجاوز حدود الزمان والمكان:

  • المثقف المشتبك: أثبت السايح أن الدرجات العلمية الرفيعة لا تنفصل عن الهم الوطني، بل هي أداة لتطوير أدوات المقاومة.
  • إرادة لا تكسر: إن اختيار بسام لطريق المقاومة العسكرية وهو يعاني من السرطان ينسف كل نظريات “الردع” الإسرائيلية، ويؤكد أن الوجع الشخصي يتحول عند الفلسطيني إلى طاقة تحرر جماعية.
  • فضح منظومة القضاء: إن اعتقال رجل من داخل قاعة المحكمة وهو في حالة احتضار يكشف زيف الادعاءات الإسرائيلية حول “استقلال القضاء” و”الديمقراطية”، ويظهرها كأداة أمنية بحتة.

القلب الذي لم يتوقف عن العطاء

لم يكن بسام السايح مجرد رقم في سجل شهداء الحركة الأسيرة (الرقم 221 منذ عام 1967)، بل كان صرخة في وجه الضمير العالمي. إن قلبه الذي توقف عن العمل بنسبة 15% في مستشفى “أساف هاروفيه”، لا يزال ينبض في ذاكرة نابلس، وفي أوراق صحيفة فلسطين، وفي وصيته الأخيرة لمنى: “فلسطين غالية يا منى.. والأعمار بيد ربنا”.

إن استمرار احتجاز جثمانه هو جريمة مستمرة تضاف إلى جريمة قتله، وهي تتطلب تحركاً دولياً وقانونياً ضاغطاً. سيظل بسام السايح “المقاوم المبتسم” الذي قهر السرطان بصبره، وقهر السجان بصموده، وبقي شامخاً حتى وهو مكبل بالأغلال. إن دماءه التي نزفت في “مسلخ الرملة” ستظل لعنة تطارد القتلة، ومنارة للأجيال القادمة التي ستدرك أن الحرية ثمنها غالٍ، لكن الكرامة أغلى من كل الأوجاع.

توصي هذه الدراسة بضرورة تدويل ملف الأسرى المرضى، واعتبار “الإهمال الطبي الممنهج” سياسة اغتيال سياسي تستوجب الملاحقة في محكمة الجنايات الدولية، والعمل على استعادة جثامين الشهداء الأسرى كحق إنساني وقانوني لا يسقط بالتقادم.


ملاحظة ختامية: تم استيفاء هذه المعلومات من تقارير رسمية صادرة عن هيئة شؤون الأسرى، ونادي الأسير الفلسطيني، ومؤسسة الضمير، بالإضافة إلى رصد وكالات الأنباء الفلسطينية والدولية (وفا، الجزيرة، الأناضول، صفا) التي واكبت حالة الأسير منذ اعتقاله وحتى استشهاده، مع مراعاة السياق التشريعي المتطور في منظومة الاحتلال حتى عام 2026.

Leave a comment

مرحبًا، كيف يمكننا مساعدتك اليوم؟