Skip to content Skip to footer

القبض على الأمل خلف القضبان واقع الأسرى في الضفة الغربية ومعركة الكرامة المنسية

أرواح… لا أرقام 
+١٠٠٠٠

فلسطيني اعتُقلوا في الضفة الغربية منذ أكتوبر ٢٠٢٣
+٣٣٠٠

محتجز إداري بموجب أوامر لا تُعرَض فيها التهم
+٢٠٠

طفل بين المعتقلين وفق تقارير منظمات دولية
٢٤+

حالة وفاة في الاحتجاز موثّقة منذ مطلع عام ٢٠٢٤

تُشكّل هذه الأرقام، وإن كانت صاعقةً بحد ذاتها، مجرد الطبقة الأولى من مأساةٍ أعمق بكثير. فخلف كل رقمٍ قضيةٌ بكاملها، وخلف كل قضيةٍ حياةٌ كانت تسير بمسارٍ طبيعي قبل أن تنكسر بقرار توقيفٍ اعتباطي. والهدف من هذا التقرير ليس سرد الأرقام المتراكمة، بل فتح النوافذ على ما خلفها.

وراء الأسلاك الشائكة: ظروف الاحتجاز والانتهاكات القانونية

الاعتقال الإداري: قانونٌ بلا قانون

يظل الاعتقال الإداري الأداةُ الأكثر إشكاليةً في منظومة الاحتجاز الإسرائيلي للفلسطينيين، إذ يُخوّل السلطات العسكرية احتجاز أي شخصٍ لفتراتٍ مفتوحة قابلة للتجديد — عادةً ستة أشهر في كل مرة — دون توجيه اتهاماتٍ رسمية أو تقديم أدلة للمحكمة أو السماح للمحتجز بمعرفة الأدلة المحتجزة ضده. يستند هذا الإجراء إلى أمرٍ عسكري يعود إلى عام ١٩٧٠ يُجيز اعتقال أي شخصٍ يُعدّ “خطراً على الأمن الإقليمي”، وهو تعريفٌ مطاطٌ بالغ الاتساع يغطّي عملياً أي ناشطٍ أو ناشطة حقوقية أو صحفي أو مدرّس أو حتى مزارع اعتُبر وجوده إشكاليّاً.

الإطار القانوني الدولي

تُعدّ ممارسة الاعتقال الإداري بصورتها الحالية انتهاكاً صريحاً للمادة التاسعة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية التي تكفل الحق في محاكمةٍ عادلة وتُحظر الاحتجاز التعسفي. كما تتعارض مع المادة التاسعة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان واتفاقية جنيف الرابعة لعام ١٩٤٩ وبروتوكولها الإضافي الأول المتعلق بحماية المدنيين في زمن الحرب.

الإهمال الطبي: حين يُصبح الجسد ورقة ضغط

رصدت منظماتٌ حقوقية عديدة نمطاً ممنهجاً من الإهمال الطبي داخل مراكز الاحتجاز، يبدأ بالتأخر في تقديم الرعاية الطارئة وينتهي في بعض الحالات بوفاةٍ يمكن وصفها بأنها قابلة للتجنب. يُعاني المعتقلون المزمنون من مرضى السرطان وأمراض القلب والسكري وغيرهم من حرمانٍ متعمَّد من الأدوية أو تأخيرها، وتُمنع عنهم التحويلات إلى مستشفيات خارجية حتى في الحالات الحرجة. وفي سياق الحرب الأخيرة، تضاعف هذا النمط وتصاعدت التقارير الواردة من داخل السجون عن معتقلين يتركون يتألمون دون تدخّل طبي لأيام.

 

شهادة موثّقة: ذوو معتقل من منطقة جنين
“أخبرونا بعد أسبوعَين من اعتقال أخي أنه أُصيب بكسر في يده أثناء الاعتقال. طلبنا معرفة الوضع الطبي ومتابعة العلاج. لم يُجبنا أحد لأسابيع. حين رأيناه في الزيارة الأولى بعد ثلاثة أشهر، كانت يده قد ضمدت وحدها بشكلٍ خاطئ ويتألم عند كل حركة.”

العزل الانفرادي والحرمان من الزيارات

يُمثّل العزل الانفرادي أحد أشد أشكال العقوبة نفسياً التي يتعرض لها المعتقلون الفلسطينيون. وتُعرّفه لجنة مناهضة التعذيب التابعة للأمم المتحدة بأنه يُرقى إلى مستوى المعاملة القاسية أو اللاإنسانية حين يتجاوز خمسة عشر يوماً متواصلاً، وهو حدٌّ تُشير الشهادات إلى أنه يُتجاوز بصورة اعتيادية داخل مراكز الاحتجاز. فضلاً عن ذلك، كثيراً ما تُحرَم العائلات من زيارة ذويها لأشهر طويلة، ولا يحق للمحامين الاطلاع على ملفات موكليهم كاملة، وهو ما يُعرّضهم لعجزٍ قانوني مُركَّب في إدارة الدفاع.

◈ الاعتقال التعسفي

احتجاز بلا توجيه تهمٍ أو تقديم أدلة، لفتراتٍ قابلة للتمديد إلى ما لا نهاية
◈ الإهمال الطبي 

حرمانٌ متعمَّد من الرعاية الصحية، تحويلاتٌ مؤجَّلة، وأدويةٌ محجوبة
◈ العزل الانفرادي 

فصلٌ كامل عن البيئة الاجتماعية والقانونية لفتراتٍ تتخطى الحدود الدولية
◈ حرمان الزيارات 

منع الأسرة والمحامين من التواصل بحجج أمنية لا تقبل الطعن
◈ التعذيب والإكراه 

ممارساتٌ موثّقة تشمل الحرمان من النوم، والأوضاع المُجهِدة، والتهديد بذوي المعتقل
◈ النقل إلى سجون الداخل 

نقلٌ خارج نطاق الأراضي المحتلة، مما يُعقّد الزيارات ويخرق المادة ٧٦ من اتفاقية جنيف

حين يتحوّل الجسد إلى ورقة ضغطٍ، وحين تُستخدم الصحةُ سلاحاً لانتزاع الاعترافات أو كسر الإرادة،
لا نكون أمام إهمالٍ طبي بالمعنى الاعتيادي 

بل أمام شكلٍ من أشكال التعذيب المنهجي الصامت.


من بقي خارج الأسلاك: معاناة العائلات والجرح الاجتماعي الخفي

انتظار بلا خبر: الأثر النفسي على الأسرة

لمن يختار دراسة آثار الاعتقال لا يكفيه أن يدرس ما يجري خلف الجدران بل يجب أن يُحلّق بعينيه فوق البيت الذي خرج منه المعتقل، ليرى الحالة التي تركها خلفه. الأم التي تنام على صوت خطواتٍ تتخيلها على السلم دون أن تأتي. الزوجة التي تُفسّر كل طرقةٍ على الباب تفسيرين في آنٍ واحد: الأمل والرعب. والأطفال الذين يُواجهون أسئلة من زملائهم في المدرسة: “وين أبوك؟” وليس عندهم جوابٌ يعرفون كيف يُصيغونه.

يُسمي علم النفس الصدمي هذه الحالة بـ”الخسارة الغامضة”: وهي من أصعب أشكال الفقد لأنها لا تمتلك طقوس الحداد ولا تُتيح الإغلاق النفسي. فحين يموت الإنسان، ثمة نهاية مؤلمة لكنها واضحة. أما حين يختفي وراء أبواب مغلقة بلا خبرٍ ولا موعد، يبقى الألم في حالةٍ من التأرجح المستمر بين الأمل والوجع، ينزّ ببطء كجرحٍ لا يُضمَّد.

 

شهادة: أم معتقل من منطقة رام الله

“ابني عمره عشرين سنة. اعتقلوه من السرير الساعة ثلاثة الفجر. ما عرفنا وين راح إلا بعد أسبوع. محامينا اتصل وقال إنه في عوفر. كل يوم أصحى أفكر: هل أكل؟ هل هو بارد؟ هل بكى؟ هل في أحدٍ بجانبه؟ الأسئلة ما بتخلص والأجوبة ما بتيجي.”

غياب الأب ومسار الأسرة الاقتصادي

في مجتمعٍ تمثّل الأسرة فيه الوحدة الاقتصادية الأساسية، يترك اعتقال رجل الأسرة — أو المرأة العاملة — فراغاً مادياً فورياً وعميقاً. كثيرٌ من المعتقلين كانوا يعملون في قطاعات تُدرّ دخلاً يومياً: في البناء، في التجارة الصغيرة، في القطاع الزراعي. توقف هذا الدخل المفاجئ يُلقي بثقله على كل بند في ميزانية العائلة: الإيجار والمدرسة والغذاء والصحة. تُضطر الأسر أحياناً إلى بيع المقتنيات، والاستدانة من الجيران، وسحب الأطفال من المدارس الخاصة، وإيقاف الرعاية الصحية لضيق ذات اليد.

وتزداد هذه المعادلة تعقيداً حين يكون المعتقل معيلاً وحيداً لعائلةٍ كبيرة أو لأبوَين مُسنَّين، أو حين تُمتد فترة الاحتجاز لتتجاوز السنة، وهو أمرٌ ليس استثناءً في منظومة الاعتقال الإداري بل صار قاعدةً متكررة. في بعض الحالات، لجأت الأسر إلى إعادة توزيع الأطفال بين الأقارب لأن الأم وحدها لا تستطيع توفير متطلبات الأطفال كلهم في آنٍ واحد.

الأطفال في دوامة الغياب

في كل حالة اعتقالٍ تنطوي على أطفال، ثمة جرحٌ نمائي صامت يُضاف إلى الجرح الاجتماعي. فالطفل الذي يرى والده يُقتاد في الليل يحمل صورةً عنيفة تترسّخ في ذاكرته البصرية قبل أن يملك الأدوات المعرفية لمعالجتها. وهو إلى جانب ذلك يفقد في سن الحساسية بالغ الأثر دور الأب كمرجعٍ للأمان والسلطة والحماية، ما ينعكس على ثقته بالعالم من حوله وعلى نموه النفسي بصورةٍ يُؤكد عليها الباحثون في علم نفس الطفل على وجه الخصوص.

 

شهادة: طفل في التاسعة، رواها مُربٍّ حقوقي متطوع

“يقول الطفل إنه كل ليلة قبل ما ينام يرسم صورة لأبوه على ورقة. كل يوم يرسم صورة جديدة. عنده ٩٣ صورة حتى الآن. يقول: ‘هيك بفتكر كيف بشوفه.’ محامية الأسرة أعادت الرواية كما سمعتها، وقالت إنها لم تستطع الحديث لدقائق بعدها.”

سلاح الشهادة: دور التوثيق الحقوقي في مواجهة الإفلات من العقاب

لماذا يُهمّ التوثيق؟

في الفضاء بين الانتهاك الذي يقع والمحاسبة التي تُطالب بها القوانين الدولية، تقع هوّةٌ واسعة يُحاول التوثيق الحقوقي أن يجسرها. فالانتهاك الذي لا يُوثَّق إنما يُولَد ويموت في الظلام، ويمنح مرتكبيه حصانةً غير معلنة مبنية على غياب الأثر. أما حين يُسجَّل الانتهاك — باسم الضحية وتاريخه وملابساته والأدلة المتاحة عليه — فإنه يُصبح موادةً في ملف لا يُقفَل، يستطيع المحامون الدوليون والمقررون الخاصون للأمم المتحدة ومحكمة الجنايات الدولية الاستناد إليه في بناء قضاياهم القانونية.

ليس التوثيق مجرد كتابة بل هو فعلٌ قانوني وسياسي ونفسي في آنٍ واحد. فهو يُعيد للضحية اعترافاً بأن ما جرى لها حقيقيٌّ ومُعترَفٌ به، يُرسّخ الذاكرة الجماعية ضد محاولات التعتيم والإنكار، ويُبني طبقةً طبقةً ملف اتهامٍ يمكن أن يُوظَّف يوماً ما في مسارات المحاسبة الدولية.

المنهجية الحقوقية في رصد الشهادات

تتبنّى المؤسسات الحقوقية الجادة — ومنها “أفق الحرية” — منهجيةً دقيقة في التوثيق تقوم على مبادئ راسخة: أولاً، التثليث المصدري، أي التأكد من صحة كل شهادةٍ عبر أكثر من مصدرٍ مستقل قبل التعويل عليها. ثانياً، الحفاظ على سلامة الشهود، وهو مبدأ حيوي في ظل وجود مخاطر حقيقية تواجه من يُدلون بشهاداتهم أمام المحاكم الدولية. ثالثاً، التوثيق الزمني الدقيق بربط كل حادثة بتاريخها وموقعها وسياقها بما يجعل منها دليلاً مقبولاً قانونياً. رابعاً، الجمع بين المستوى الإجمالي والقصصي — أي ربط البيانات الإحصائية بالشهادات الفردية التي تُنسنتها وتمنحها وجهاً إنسانياً.

مؤسسات حقوقية تُغطّي ملف الأسرى الفلسطينيين:
  • أفق الحرية
  • هيئة شؤون الأسرى والمحررين
  • نادي الأسير الفلسطيني
  • منظمة الضمير لرعاية الأسير
  • منظمة Human Rights Watch
  • منظمة العفو الدولية
  • المقررون الخاصون للأمم المتحدة
  • المقرر الخاص المعني بالتعذيب

المسار القانوني الدولي وفرص المحاسبة

يُشكّل توسّع ولاية محكمة الجنايات الدولية في ما يتعلق بالوضع الفلسطيني منذ عام ٢٠٢١، ثم إصدارها مذكرتَي التوقيف في عام ٢٠٢٤، انعطافةً دلاليةً بالغة الأهمية في السياق الحقوقي الدولي. فلأول مرة باتت آلية مُقنَّنة دولياً يمكن أن تلتقي فيها ملفات التوثيق الدقيقة التي جمعتها المنظمات الحقوقية على مدى سنوات، لتصبح ركيزةً في ادعاءاتٍ قانونية تحمل ثقلاً قانونياً حقيقياً. وقد حثّ المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بأوضاع الأراضي المحتلة المنظماتِ الحقوقية على مواصلة جهود التوثيق الدقيقة ورفعها، مُشيراً إلى قيمتها في بناء الحالات القانونية الدولية.

لكن التوثيق ليس مجرد أداةٍ في يد القانونيين، إنه أيضاً شكلٌ من أشكال المقاومة الرمزية. فإعلان الاسم والقضية وتفاصيل الانتهاك في الفضاء العام يُفكّك آليات التعتيم والإنكار التي تعتمدها السلطات للحيلولة دون ظهور صورةٍ متكاملة عما يجري. كل شهادةٍ تُسجَّل هي ثقبٌ في الجدار الذي يُراد تشييده حول الحقيقة.

التوثيق ليس عملاً مكتبياً هادئاً — هو فعلٌ مقاومة، وسلاحٌ موقوت يُفعَّل حين تحين لحظة المحاسبة التي لا تُؤجَّل إلى الأبد.

◆ ◆ ◆

الأسير ليس نهاية القضية.. بل أحد أعمق تجلياتها

ثمة مفارقةٌ مُريبة في طبيعة الاعتقال السياسي: أن السلطة التي تعتقل شخصاً لإسكاته كثيراً ما تُنتج بعملية الاعتقال ذاتها ما هو عكس هدفها. فالأسير الذي يُقاد خلف القضبان لا يتوقف عن الوجود كرمزٍ ومرجع وصوت بل يُصبح في كثيرٍ من الأحيان أكثر حضوراً وأعمق أثراً من حين كان حراً. وقد عرفت الحركة الأسيرة الفلسطينية عبر تاريخها طويلاً هذه المعادلة، وعملت بموجبها: من داخل زنازين الاعتقال خرجت فكرٌ وأدبٌ وأغانٍ ووثائق سياسية شكّلت عصب الهوية الوطنية في أصعب مراحلها.

اليوم، حين تشتدّ وطأة الاعتقال الجماعي على الضفة الغربية، يُصبح دور المؤسسات الحقوقية في توثيق هذا الواقع أكثر إلحاحاً من أي وقتٍ مضى. ليس لأن التوثيق يُوقف الاعتقال في اللحظة ذاتها — وهو أمرٌ خارج قدرة التقارير الحقوقية — بل لأن بناء السجل التاريخي الموثَّق هو ما يُضمن أن ما يجري لن يُنسى، ولن تُطمر حقيقته تحت طبقات التعتيم والإنكار.

لكل أمٍّ تنتظر، ولكل طفلٍ يرسم صورة أبيه كل ليلة، ولكل أسيرٍ يُواجه وحده ليل زنزانته ثمة اعترافٌ لا يمكن انتزاعه: أن حضورهم حقيقيٌّ، وأن شهاداتهم مُسجَّلة، وأن ما يتعرضون له موثَّقٌ في ملفاتٍ لا تتقادم. وأن العدالة، حتى حين تتأخر، لا تعني أنها غابت للأبد.

“لم تُنجَب الحركة الأسيرة الفلسطينية بين جدران السجون لتبقى فيها 
بل كانت السجون دائماً محطةً في مسارٍ أطول وأعمق وأثبت.
وكل اسمٍ يُدوَّن، وكل شهادةٍ تُسجَّل، وكل حقٍّ يُطالَب به
هو حجرٌ واحد في البناء الذي لا يكتمل إلا بالمحاسبة والعدالة.”

أفق الحرية

منبر حقوقي وإنساني مستقل · ملف الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين

نُشر هذا التقرير لأغراض التوثيق الحقوقي والتوعية الإنسانية. الأرقام الواردة مستقاة من تقارير منظمات حقوقية دولية وفلسطينية معتمدة.

Leave a comment

0.0/5

مرحبًا، كيف يمكننا مساعدتك اليوم؟