الأرقام أعلاه ليست مجرد بيانات إحصائية باردة — هي ترجمةٌ كمية لحالة استنزافٍ يومي ومنهجي يستهدف القاعدة المادية للوجود الفلسطيني في الريف. وما تُخفيه هذه الأرقام هو الأثقل: الوجه الإنساني للمزارع الذي يرى جرافةً تقتلع شجرة زيتون زرعها جده، والمرأة التي تتسلق الجبل في الفجر لتصل إلى أرضها قبل أن تصل الحواجز، والعائلة التي تُؤجر من أرضها ما كان ملكاً لها بلا قيد. هذه الحكايات هي الخيط الحيّ الذي يربط الرقم بالإنسان.
استهداف سبل العيش: أسلحة الطرد الصامتة في مناطق ج والأغوار
الأغوار: سلة الخبز تحت الحصار
ملاحظة جغرافية:
تُشكّل منطقة الأغوار الفلسطينية شريطاً خصيباً يمتد على طول الوادي المنخفض بمحاذاة نهر الأردن، وتُعدّ من أكثر مناطق الضفة الغربية خصوبةً بفعل تربتها الغنية ومياهها الجوفية. كانت تُنتج تاريخياً ما يزيد على ٦٠٪ من الصادرات الزراعية الفلسطينية. اليوم، تُصنَّف نحو ٩٠٪ من أراضيها ضمن مناطق ج أو مناطق مغلقة لا يُسمح للفلسطينيين بالوصول إليها أو الزراعة فيها.
يُمثّل قطع المياه الأداة الأكثر فتكاً في ترسانة السياسات التي تستهدف الزراعة الفلسطينية في مناطق ج والأغوار. فبينما تستهلك المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية ما يزيد على سبعة أضعاف ما يستهلكه الفلسطينيون للفرد من المياه الزراعية، يُحرَم المزارعون الفلسطينيون من حق حفر آبار جديدة أو تعميق القديمة أو استخدام المياه من الينابيع القريبة دون ترخيصٍ يصل معدل رفضه إلى ما يقارب تسعة وتسعين بالمئة في مناطق ج. هكذا يجد المزارع نفسه في معادلةٍ معكوسة: الأرض موجودة لكن الماء محظور، والماء موجود تحت الأرض لكن الوصول إليه مجرَّم.
سجل ميداني — منطقة الأغوار / قرية الفارسية
وثّقت منظمات حقوقية هدم السلطات العسكرية لخزانات مياه بلاستيكية في منطقة الأغوار بذريعة انعدام التراخيص. وفي إحدى الحوادث، هُدمت خزانتا مياه تخدمان عائلة من عشرين فرداً وتمدّان حقلاً بمساحة خمسة دونمات — هو المصدر الوحيد لرزق العائلة — دون سابق إنذار، وفي موسم الذروة الزراعية.
مصادرة المعدات واقتلاع الأشجار
ما الذي يعنيه اقتلاع شجرة زيتون عمرها مئة عام؟ ليس فقط خسارة شجرة — إنها خسارة مئة عامٍ من الحياة المتراكمة حولها، ومصدر دخلٍ يُغذّي أجيالاً، وجزءٌ من النظام البيئي الدقيق لمنطقة بأسرها. تُشير تقارير المنظمات الأممية إلى أن الآلاف من أشجار الزيتون تُقتلع أو تُتلف سنوياً في الضفة الغربية، إما مباشرةً من قِبَل الجرافات العسكرية بحجة “تأمين الطرق”، أو بأيدي المستوطنين في هجماتٍ نادراً ما يُعاقَب مرتكبوها.
وإلى جانب الأشجار، تُصادر السلطات الزراعية المعدات كالجرارات وخراطيم الري وأنظمة الضخ بموجب أوامر ضبطٍ عسكرية لا تقبل الطعن في أغلب الأحيان. يجد المزارع نفسه فجأةً بلا آلة حصاد وموسمه على الأبواب، ولا يملك من خيارٍ غير أن يستعير من جارٍ أو يُكمل بيده ما كانت تفعله الآلة. وهذا بالضبط ما يحدث في كثيرٍ من قرى الأغوار.
شهادة — مزارع من منطقة طوباس / الأغوار الشمالية
“عندي ثلاثة دونمات. كل ما نبدأ نزرع بيجوا ويقولوا ‘منطقة مغلقة’. كل ما نحفر بيرا بيجوا ويردموها. سنة بعد سنة. لكن كل سنة بنرجع. لأنه إذا ما رجعنا مرة، رح يقولوا التربة صارت متروكة. والأرض المتروكة ‘عبّرها’ واحد ثاني.”
اعتداءات المستوطنين: الوجه الغير رسمي للمصادرة
تُشكّل اعتداءات المستوطنين على المزارعين الفلسطينيين ظاهرةً موثّقة بعناية من قِبَل منظمات حقوقية إسرائيلية وفلسطينية وأممية على حدٍّ سواء. وفي أغلب الأحيان، لا تأتي هذه الاعتداءات لوحدها — بل ترافقها حمايةٌ ضمنية أو صريحة من القوات العسكرية التي تقف متفرجةً أو تمنع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم تحت ذرائع الأمن أثناء وقوع الاعتداء ذاته. تشمل هذه الاعتداءات إشعال النار في مزارع الزيتون والقمح، وقطع خطوط الري، وتلويث آبار المياه، وترهيب العائلات المزارعة بالعنف الجسدي المباشر. ويبقى معدل الملاحقة القضائية في هذه الحوادث ضئيلاً لدرجة تُشكّل عملياً تشجيعاً ضمنياً على التكرار.
حين يصبح الترخيص ورقة حكم لا تُمنح، وحين تُهدم الآبار وتُصادر الجرارات وتُقتلع الأشجار،
تتحول الزراعة من حقٍّ طبيعي إلى فعل مقاومة.
السيادة الزراعية كفعل مقاومة: حين تصبح الفلاحة موقفاً وجودياً
مفهوم السيادة الغذائية في السياق الفلسطيني
تطوّر مفهوم السيادة الغذائية — الذي صاغه تحالف الفلاحين الدوليين لأول مرة في التسعينيات — ليصبح في السياق الفلسطيني أكثر من بُعدٍ اقتصادي: إنه بُعدٌ سياسي ووجودي في آنٍ واحد. إذ لا يعني فقط حق الشعوب في الغذاء، بل حقها في إنتاج غذائها بطريقتها ومن أرضها وبذورها وتقاليدها الزراعية المتوارثة. وفي الحالة الفلسطينية، يُضاف إلى هذا التعريف بُعدٌ ثالث: إن الزراعة في الأرض المحتلة هي إعلانٌ يومي بالحضور، وإثباتٌ متجدد بأن العلاقة بين الإنسان وأرضه لم تُقطع رغم كل ما يُوظَّف لقطعها.
وهذا ما يجعل فعل الزراعة في أرضٍ مهددة فعلاً يتجاوز مجرد إنتاج المحاصيل. المزارع الذي يخرج في فجر موسم الحصاد ليقطف زيتونه تحت ضوء القمر خشية الاعتداء في النهار، لا يُنتج زيتاً فقط، يُنتج حضوراً. والمرأة التي تزرع خضاراتها في كل موسمٍ رغم أن الموسم السابق نُهب، لا تُنتج طعاماً فقط، تُنتج إرادة.
المحاصيل التقليدية: ذاكرةٌ تقاوم بالبذور
ثمة وجهٌ بالغ الأهمية من وجوه مقاومة السيادة الزراعية لا يلفت الانتباه كثيراً: التمسك بالمحاصيل التقليدية والبذور الأصيلة. إذ تُشكّل البذور الموروثة في الزراعة الفلسطينية كنزاً بيئياً وثقافياً متداخلاً — فيها أصناف من القمح البلدي والعدس والحمص والثوم البلدي تعود إلى قرونٍ من الزراعة المحلية التي تكيّفت مع التربة والمناخ والموارد المتاحة. والتمسك بهذه البذور ليس نوستالجيا — هو ذكاءٌ بيئي واستراتيجي. البذور الأصيلة لا تحتاج لبُذور مستوردة كل موسم، ولا لمبيدات حشرية مرتفعة التكلفة، ولا لكيمياء غير متاحة في سياق المحاصرة.
- زيتون رومي
- قمح بلدي
- عنب خليلي
- زعتر برّي
- عدس جبلي
- عباد شمس
الزراعة العضوية: تحوّل في مواجهة القيود
شهدت السنوات الأخيرة اتجاهاً لافتاً نحو الزراعة العضوية في مجتمعاتٍ ريفية فلسطينية، ليس فقط استجابةً لمتطلبات السوق العالمية، بل كثيراً ما كانت الدافع لهذا التحوّل هو قطع المدخلات الكيميائية بسبب الحصار وارتفاع الأسعار وصعوبة الاستيراد. وهكذا تحوّل ما كان قيداً إلى فرصة: مزارعون اكتشفوا أن الكمبوست المصنوع من مخلفات الزراعة والسماد الحيواني يُنتج تربةً أخصب على المدى البعيد من السماد الكيميائي، وأن الزراعة العضوية تفتح أسواقاً ترفع الهامش التجاري وتمنح الإنتاج الفلسطيني ميزةً تنافسية في الأسواق الأوروبية والخليجية.
شهادة: مزارعة من منطقة سلفيت، تنتج زيت زيتون عضوياً
“بدأنا بالعضوي لأنه ما قدرنا نجيب السماد. الآن صار زيتنا يوصل لأوروبا ويعطينا سعراً أحسن بكثير. قلت لبناتي: الحصار علّمنا شيئاً ما كنا لنتعلمه لو ما صار ما صار. الضغط صنع منا مزارعين أفضل.”
الابتكار وسط الحصار: كيف تُعيد الضرورة اختراع الممكن
الماء ذهبٌ أبيض: تقنيات الري في ظل الشح
حين يُحظر حفر الآبار وتُحجب الحصة المائية وتُصادر خزانات التخزين، يتحوّل المزارع الفلسطيني إلى مهندسٍ ماءٍ بالضرورة. وقد شهدت مناطق شمال الضفة والأغوار تبنياً واسعاً لأنظمة الري بالتنقيط على المستوى الأسري والمجتمعي الصغير، حيث باتت شبكات خراطيم التنقيط الرفيعة تُغطي مساحاتٍ لم يكن الري التقليدي بالغمر قادراً على خدمتها بالكميات المحدودة المتاحة. وقد أتاحت هذه التقنية تقليص استهلاك المياه بنسبٍ تصل إلى أربعين أو خمسين بالمئة مقارنةً بالري التقليدي مع الحفاظ على الإنتاجية.
وفي ظل منع الآبار، لجأ بعض المزارعين إلى جمع مياه الأمطار في خزاناتٍ أرضية مستندةً إلى أنظمة تصريفٍ بسيطة مستخلَصة من تقنيات موروثة تعود إلى الزراعة النبطية القديمة — تلك التي كانت تُبني لتجميع كل قطرة مطرٍ تسقط على مساحاتٍ شاسعة وتوجيهها نحو نقطةٍ واحدة. الابتكار هنا ليس اختراعاً جديداً — هو إحياءٌ لحكمةٍ قديمة في مواجهة قيدٍ جديد.
- أنظمة الري بالتنقيط الأسرية: شبكات تنقيط بسيطة من خراطيم مُعاد توظيفها تُخفض استهلاك المياه ٤٥٪ وتُوسّع نطاق الأرض المزروعة في سياق الشح الشديد
-
جمع مياه الأمطار والجداول الموسمية: خزاناتٌ أرضية تستعيد أسلوب الزراعة النبطية القديمة لجمع المياه الموسمية وتخزينها خلال فصل المطر لاستخدامها في موسم الجفاف
-
الزراعة المائية في البيوت المحمية: تجاربٌ محدودة لكن واعدة في الزراعة المائية تستخدم محاليل مغذية في بيئات مغلقة لإنتاج الخضروات بمعزل عن التربة وبكميات مياه أقل بكثير
-
الطاقة الشمسية للري والتبريد الزراعي: ألواحٌ شمسية بسيطة تُشغّل مضخات الماء وتُبرد مخازن الإنتاج الزراعي الصغيرة، تتجاوز الانقطاع المستمر في التيار الكهربائي
-
مبادرات الاستصلاح التشاركية: حملاتٌ تطوعية لاستصلاح أراضٍ مهجورة أو متعدّى عليها، بمشاركة شباب من المدن الذين يُعيدون من خلالها الاتصال بالأرض الريفية
-
بنوك البذور المجتمعية: مبادراتٌ لحفظ البذور الموروثة وتبادلها بين المزارعين، تُشكّل ضمانةً ضد احتكار البذور التجارية وتصون التنوع الوراثي المحلي
شباب المدن يعودون إلى التربة
ربما كان من أكثر المشاهد إيلاماً قبل عقدٍ أو عقدين هو تدفق الشباب الريفي الفلسطيني نحو المدن بحثاً عن عمل، بعد أن ضيّقت القيود على أراضي آبائهم على مستقبلهم الزراعي. غير أن ما شهدته السنوات الأخيرة ينطوي على قدرٍ لافت من العكس: شبابٌ من رام الله ونابلس والقدس يُقرّر قضاء مواسم الحصاد في القرى، ليس فقط لمساعدة الأقارب، بل كفعلٍ واعٍ ومُسمَّى: “موسم التضامن”، “حصاد الزيتون مقاومة”.
هذه العودة ليست رومانسيةً فارغة نحو الريف، إنها إدراكٌ ناضج بأن الزراعة لم تعد حكراً على من وُلد مزارعاً، بل أصبحت واجباً مشتركاً لكل من يُؤمن بأن الأرض التي لا يُفلحها أحدٌ هي أرضٌ مفتوحة لمصادرة قادمة. وفي هذا السياق، تتحوّل موسم الحصاد من شأنٍ إنتاجي زراعي إلى حدثٍ اجتماعي وسياسي يُعيد رسم الخريطة بين الأجيال.
في كل حبة زيتون تُقطَف من شجرةٍ عمرها مئة عام، ثمة إعلانٌ لا يحتاج إلى كلمات: الجذور أعمق من الجرافات، والموسم يعود حين يبقى من يُكمله.
⁕ ⁕ ⁕
مستقبل الريف الفلسطيني: السيادة على الأرض لا تنتظر الإذن
إن النظر إلى مستقبل الزراعة الفلسطينية وصمود الريف يستدعي التخلص من صيغة التشاؤم التحليلي الباردة التي ترى في الأرقام نهايةً حتمية، ومن صيغة التفاؤل الساذج التي تتجاهل ثقل الوقائع. ما تقوله التجربة الميدانية — بكل ما فيها من ألمٍ وشُح وابتكار وعناد — هو شيءٌ أكثر تعقيداً ووضوحاً في آنٍ واحد: أن المزارع الفلسطيني لا يزال هنا، ولا يزال يزرع، وهذا وحده حقيقةٌ ذات ثقلٍ استراتيجي لا يُستهان به.
بيد أن الصمود وحده — مهما بلغت روعته وعمق دلالاته — لا يُشكّل سياسةً كاملة. إذ يستوجب الحفاظ على الريف الفلسطيني ودعم السيادة الزراعية جملةً من المسارات المتكاملة: دعمٌ قانوني دولي يُضغط باتجاه التطبيق الفعلي للقانون الإنساني الدولي فيما يخص حماية الأراضي الزراعية، وتمويلٌ تنموي يُوجَّه نحو تقنيات الري والطاقة الشمسية ومبادرات بنوك البذور، ودعمٌ للتسويق والتصدير يُتيح للمنتج الفلسطيني الوصول إلى أسواقٍ تُعوضّه عن السوق المحلية المُقيَّدة، فضلاً عن ترسيخ ثقافةٍ في المجتمع المدني الفلسطيني تعيد ربط الجيل الجديد بالأرض والزراعة والموسم.
وما يبقى ثابتاً وسط كل هذا التحليل هو شيءٌ لا تستطيع اللوائح الإدارية ولا الأوامر العسكرية ولا قرارات التخصيص تغييره: أن الإنسان الذي ولد من تربةٍ ما، ونما بين أشجارٍ ما، وحفظ أسماء الريح كما تمرّ على وادٍ بعينه — هذا الإنسان يحمل في داخله خريطةً لا يمكن مصادرتها. وتلك هي السيادة الحقيقية التي لا تنتظر إذناً من أحد.
“الزراعة ليست مهنة بين المهن،
في الحالة الفلسطينية هي العقد الأصيل بين الإنسان والأرض،
وكل موسمٍ يمرّ وفيه مزارعٌ يعود إلى حقله
هو تجديدٌ لذلك العقد بختمٍ لا يُزوَّر.”
الزراعة والأرض والسيادة · تقرير استقصائي وتنموي
© أفق الحرية — نشر هذا التقرير لأغراض التوثيق الحقوقي والتوعية البيئية والتنموية
