Skip to content Skip to footer

“نماء”: من بناء الأصول إلى أفق الاستدامة.. رحلة التمكين الاقتصادي نحو الحرية والكرامة

في رحاب أرضٍ تئن تحت وطأة الاحتلال وتتوق للحرية، حيث تتشابك خيوط الصمود مع قصص الكفاح المرير، يبرز اسم “أفق الحرية” كمنارة تضيء دروب الأمل لكل من أُنهكوا في غياهب السجون، ولمن تحملوا أعباء غيابهم من الأهل والأحبة. إنها جمعية لا تكتفي بتقديم الدعم اللحظي، بل تتجاوز ذلك لتخطط لمستقبلٍ قوامه الكرامة والتمكين. وفي هذا السياق، يبرز مشروع “نماء” للتمكين الاقتصادي كحجر زاوية في رؤية الجمعية الشاملة، ليس مجرد مبادرة خيرية، بل هو فلسفة حياة، ورؤية عميقة تتجسد في تحويل الأفراد من متلقين للمساعدة إلى بناة لأصولهم ومصادر رزقهم، وصولاً إلى تحقيق الاستدامة الحقيقية.

إن قصة الشعب الفلسطيني هي قصة صمودٍ لا يلين، وتحدٍ لا ينتهي، وتوقٍ أبدي للحرية والعدالة. وفي خضم هذه الملحمة، يواجه الأسرى المحررون وأسرهم تحديات مضاعفة، لا تقتصر على عناء السجن أو مرارة الفقد، بل تتعداها إلى صعوبة الاندماج في المجتمع، وإيجاد فرص عمل كريمة، وتأمين حياة مستقرة. هنا يكمن جوهر التدخل التنموي الذي تتبناه جمعية “أفق الحرية”، والذي يتجسد في مشروع “نماء” كنموذج يُحتذى به في التفكير المستقبلي، حيث لا يقتصر الدعم على الإغاثة الطارئة، بل يمتد لبناء أسس اقتصادية متينة تضمن كرامة الإنسان واستقلاله.

مقدمة: شروق أفق جديد للأمل في زمن التحديات

إن المشهد الفلسطيني بكل تجلياته يفرض تحديات جمة على الصعيدين الفردي والمجتمعي. فالاحتلال ليس مجرد قوة عسكرية تحتل الأرض، بل هو منظومة تهدف إلى تفكيك البنى الاجتماعية والاقتصادية، وعرقلة أي مسعى نحو الاكتفاء الذاتي والاستقلالية. وفي طليعة الفئات التي تعاني من هذه التحديات، يبرز الأسرى المحررون وأسرهم كشريحة تحتاج إلى دعم خاص ومدروس. فعندما يخرج الأسير من زنزانته، لا يجد أمامه بساطاً أحمر، بل يجد واقعاً معقداً تتخلله صعوبات اقتصادية واجتماعية ونفسية عميقة. قد يكون قد قضى زهرة شبابه خلف القضبان، ففاته قطار التعليم والخبرة المهنية، ليعود إلى مجتمع يكافح أصلاً من أجل البقاء. أما الأسر التي بقيت تنتظر، فقد تكون قد استنزفت مواردها، وتراكمت عليها الديون، وربما فقدت المعيل الأساسي لسنوات طويلة.

في هذا السياق المعقد والمؤلم، تُطل جمعية “أفق الحرية” بوجهها المشرق، لتؤكد أن الحرية ليست مجرد خروج من السجن، بل هي القدرة على العيش بكرامة، والتحرر من قيود الفقر والعوز، والمشاركة الفاعلة في بناء المجتمع. ومن هنا، انبثقت فكرة مشروع “نماء” للتمكين الاقتصادي؛ فكرة تلامس جوهر الحاجة، وتستهدف بناء القدرات الذاتية، وتحويل الأفراد من دائرة العوز إلى دائرة العطاء والإنتاج. إنه ليس مشروعاً عادياً، بل هو استثمار في الإنسان، في إرادته، في قدرته على النهوض من تحت الركام، وفي حقه الأصيل في حياة كريمة ومستقرة. إنه تجسيد حي لمفهوم الصمود، ليس فقط بالمقاومة السياسية، بل بالمقاومة الاقتصادية والاجتماعية التي تبني الإنسان وتزرع فيه بذور الأمل والاعتماد على الذات.

الجذور: من رحم المعاناة يولد الأمل

لطالما كانت جمعية “أفق الحرية” سبّاقة في رصد الاحتياجات الحقيقية للمجتمع الفلسطيني، وخاصة الفئات الأكثر تضرراً من سياسات الاحتلال. ومن خلال عملها الدؤوب في مجال حقوق الأسرى والمحررين والتوثيق الحقوقي، لمست الجمعية عن كثب التحديات الاقتصادية الهائلة التي تواجه هذه الشريحة. فكثير من المحررين، بعد قضاء سنوات طويلة في السجون، يجدون أنفسهم بلا عمل، بلا مهارات حديثة، وبلا شبكة دعم اقتصادية قوية. وقد يؤدي هذا الوضع إلى تهميشهم، وإعادة إنتاج دائرة الفقر التي تؤثر على استقرار أسرهم والمجتمع ككل. كما أن أسر الأسرى، التي تحملت عبء غياب المعيل، تجد نفسها في كثير من الأحيان أمام صعوبات جمة في توفير الأساسيات، ناهيك عن التفكير في مشاريع تنموية أو استثمارية.

تؤمن “أفق الحرية” بأن الكرامة الإنسانية لا يمكن أن تتحقق بالكامل إلا في ظل الاستقلال الاقتصادي. ومن هنا جاءت فكرة “نماء”، ليس كمشروع إغاثي يهدف إلى سد رمق الجوع مؤقتاً، بل كمشروع تنموي يرمي إلى تغيير جذري في واقع الأفراد والأسر. إنها رؤية تستشرف المستقبل، وتعمل على بناء قدرات ذاتية مستدامة، تحول الأفراد من طالبي مساعدة إلى أصحاب مشاريع ومنتجين وفاعلين في مجتمعهم. إن هذا التحول ليس مادياً بحتاً، بل هو تحول نفسي واجتماعي عميق، يعيد للمحرر وأسرته ثقتهم بأنفسهم، ويمنحهم شعوراً بالانتماء والعطاء، ويقوّي من عزيمتهم على مواجهة التحديات.

“إن الحرية الحقيقية لا تكتمل إلا بالقدرة على صُنع المصير، والتمكين الاقتصادي هو المفتاح الذهبي لفك أغلال العوز والتبعية.”

التحديات الاقتصادية والاجتماعية: واقع مرير يدعو للتدخل

  • **غياب فرص العمل:** يعاني الأسرى المحررون من صعوبة بالغة في الحصول على وظائف مناسبة، نظراً لسنوات الانقطاع الطويلة عن سوق العمل، ونقص الخبرة، وفي بعض الأحيان الوصمة الاجتماعية.
  • **الفقر والعوز:** كثير من الأسرى وأسرهم يعيشون تحت خط الفقر، مع غياب مصدر دخل ثابت أو كافٍ لتلبية الاحتياجات الأساسية.
  • **تدهور البنية التحتية الاقتصادية:** تعاني المناطق الفلسطينية من ضعف عام في البنية التحتية الاقتصادية، وتضييقات الاحتلال، مما يحد من فرص التنمية.
  • **الأثر النفسي والاجتماعي:** يؤثر الفقر والعوز على الحالة النفسية للأفراد، ويزيد من الضغوط الاجتماعية على الأسر، مما قد يعيق عملية الاندماج الطبيعي في المجتمع.

في مواجهة هذه التحديات، جاء “نماء” ليكون جسراً يعبر به الأفراد نحو مستقبل أفضل، مستلهماً قيم الصمود والعطاء التي طالما تميز بها الشعب الفلسطيني. لقد أدركت “أفق الحرية” أن التنمية الحقيقية تبدأ من تمكين الفرد، وتزويده بالأدوات والمعرفة التي تمكنه من شق طريقه بنفسه، لا أن يبقى معتمداً على المساعدة الخارجية.

رؤية “نماء” الشاملة: بناء الإنسان والأرض

يتميز مشروع “نماء” برؤية شاملة ومتكاملة تتجاوز مجرد تقديم المساعدات المالية أو العينية. إنه يتبنى مقاربة تنموية تستهدف بناء القدرات الذاتية للأفراد والأسر، مع التركيز على الاستدامة. هذه الرؤية تقوم على مراحل متسلسلة ومتكاملة، تبدأ من تحديد الاحتياجات والفرص، مروراً ببناء الأصول والتدريب، وصولاً إلى المتابعة وتأمين الاستمرارية.

المرحلة الأولى: بناء الأصول وتمكين الذات

تُعد هذه المرحلة هي اللبنة الأساسية في مشروع “نماء”، حيث يتم التركيز على تزويد المستفيدين بالأدوات والمعرفة اللازمة لبدء مشاريعهم الصغيرة أو تطوير مهاراتهم المهنية. وهي عملية لا تقتصر على الجانب المادي، بل تمتد لتشمل الجانب النفسي والاجتماعي، بهدف إعادة بناء ثقة الفرد بنفسه وقدرته على العطاء.

أ. تحديد الاحتياجات والفرص:

تبدأ العملية بدراسة معمقة للاحتياجات الفردية للأسرى المحررين وأسرهم، وتحليل دقيق للفرص المتاحة في السوق المحلية. هذا يشمل:

  • **التقييم الفردي:** إجراء مقابلات فردية لتقييم المهارات الموجودة، والخبرات السابقة، والطموحات الشخصية للمستفيد.
  • **مسح السوق:** تحليل احتياجات السوق المحلي لتحديد المشاريع والمهن التي تتمتع بفرص نجاح أكبر واستدامة أطول.
  • **التوفيق:** العمل على التوفيق بين مهارات ورغبات المستفيدين والفرص الاقتصادية المتاحة، لضمان أقصى درجات النجاح.

ب. التدريب والتأهيل المهني:

إدراكاً من “أفق الحرية” لأهمية المهارة في سوق العمل، يوفر مشروع “نماء” برامج تدريب وتأهيل مهني متخصصة. هذه البرامج مصممة لتزويد المستفيدين بالمهارات العملية التي تمكنهم من ممارسة مهنة أو إدارة مشروع صغير. قد تشمل هذه الدورات:

  • **المهارات الحرفية:** مثل النجارة، الحدادة، الخياطة، تصنيع المنتجات الغذائية، الحرف اليدوية.
  • **المهارات الزراعية:** التدريب على الزراعة الحديثة، تربية المواشي، زراعة البيوت البلاستيكية، التسويق الزراعي.
  • **مهارات ريادة الأعمال:** دورات في إدارة المشاريع الصغيرة، التسويق، المحاسبة الأساسية، خدمة العملاء.
  • **المهارات الرقمية:** لمواكبة التطورات التكنولوجية، يمكن أن تشمل دورات في استخدام الحاسوب والإنترنت لخدمة المشاريع.

ج. توفير رأس المال الأساسي وبناء الأصول:

بعد التدريب، يأتي الدور الأهم وهو توفير الدعم المادي اللازم لبدء المشاريع. هذا لا يعني مجرد منح الأموال، بل هو استثمار في بناء أصول إنتاجية. يمكن أن يشمل ذلك:

  • **المعدات والأدوات:** توفير الآلات اللازمة للمشاريع الحرفية، أو الأدوات الزراعية للمشاريع الزراعية.
  • **رأس المال العامل:** دعم مبدئي لشراء المواد الخام الأولية أو لتغطية تكاليف التشغيل الأساسية.
  • **البنية التحتية للمشروع:** المساعدة في تجهيز مكان العمل أو توفير البذور والشتلات للمشاريع الزراعية.

تهدف هذه الخطوة إلى تحويل الأفراد من حالة “لا يملكون شيئاً” إلى “يملكون أصولاً منتجة” تمكنهم من الاعتماد على أنفسهم وتحقيق دخل مستدام.

المرحلة الثانية: رعاية النمو وتعزيز الاستدامة

لا يكتفي مشروع “نماء” بتأسيس المشاريع، بل يحرص على متابعة نموها وضمان استدامتها على المدى الطويل. فالتحدي الأكبر لا يكمن في البدء، بل في الاستمرارية والتطور في وجه التقلبات الاقتصادية والظروف الصعبة.

أ. المتابعة والإرشاد والتوجيه:

تقدم جمعية “أفق الحرية” للمستفيدين خدمات المتابعة والإرشاد المنتظم، بما في ذلك:

  • **الزيارات الميدانية:** تقييم سير العمل في المشاريع، وتحديد التحديات التي تواجهها.
  • **الاستشارات المتخصصة:** توفير خبراء في مجالات الإدارة والتسويق لمساعدة المستفيدين على تحسين أدائهم.
  • **جلسات التوجيه:** دعم نفسي ومعنوي لتعزيز الثقة بالنفس، ومساعدتهم على تجاوز العقبات.

ب. تطوير القدرات التسويقية والتشبيك:

يعد التسويق الفعال من أهم عوامل نجاح أي مشروع. لذا، يركز “نماء” على:

  • **التدريب على التسويق:** تعليم المستفيدين أساليب التسويق الحديثة، بما في ذلك التسويق الرقمي.
  • **ربط المشاريع بالأسواق:** مساعدة المستفيدين على الوصول إلى أسواق جديدة، وربطهم بالموردين والعملاء المحتملين.
  • **الفعاليات والمعارض:** تنظيم أو المشاركة في المعارض والأسواق المحلية لعرض منتجات المستفيدين وزيادة مبيعاتهم.
  • **التعاون والشراكات:** تشجيع التعاون بين المستفيدين أنفسهم، وبينهم وبين المؤسسات الأخرى لتبادل الخبرات وتوسيع الفرص.

ج. بناء القدرة على الصمود والمرونة:

في بيئة مضطربة كالبيئة الفلسطينية، من الضروري أن تكون المشاريع قادرة على الصمود في وجه الأزمات. لذلك، يسعى “نماء” إلى:

  • **التخطيط للطوارئ:** مساعدة المستفيدين على وضع خطط بديلة للتعامل مع التحديات غير المتوقعة.
  • **التنويع:** تشجيع المستفيدين على تنويع مصادر دخلهم أو منتجاتهم لتقليل المخاطر.
  • **الوعي المالي:** تعزيز ثقافة الادخار وإدارة المخاطر المالية.

ما وراء الفرد: الأثر المجتمعي والوطني

إن الأثر الإيجابي لمشروع “نماء” يتجاوز بكثير نطاق الفرد والأسرة المستفيدة ليلامس نسيج المجتمع ككل، ويسهم في تعزيز الصمود الوطني في وجه التحديات. فكل مشروع صغير ناجح، وكل أسرة تنعم بالاستقرار الاقتصادي، هي لبنة تضاف إلى بناء مجتمع قوي ومترابط، وقادرة على مواجهة الضغوط الخارجية.

عندما يتمكن الأسرى المحررون من إيجاد فرص عمل كريمة أو إنشاء مشاريعهم الخاصة، فإنهم يتحولون من فئة قد تكون عبئاً على المجتمع إلى فئة منتجة ومساهمة. هذا يعزز شعورهم بالانتماء والقيمة الذاتية، ويقلل من نسب البطالة والفقر في المجتمع، ويحد من المشاكل الاجتماعية المرتبطة بالبطالة واليأس. كما أن وجود مشاريع اقتصادية صغيرة ومتوسطة متنوعة يسهم في تنشيط الاقتصاد المحلي، وخلق فرص عمل جديدة للشباب، وتداول رؤوس الأموال داخل المجتمع، مما يعزز الاكتفاء الذاتي ويقلل من الاعتماد على الخارج.

بالإضافة إلى ذلك، فإن مشروع “نماء” يُعد نموذجاً للمقاومة الاقتصادية. ففي ظل سياسات الاحتلال التي تهدف إلى إضعاف الاقتصاد الفلسطيني والسيطرة عليه، يأتي هذا المشروع ليؤكد على إرادة الشعب الفلسطيني في بناء اقتصاده الخاص، وتثبيت وجوده على أرضه. إنه رسالة واضحة بأن الشعب الفلسطيني لن يرضخ لسياسات التجويع والتفقير، بل سيبني ويُعمر ويُنتج، متسلحاً بالعزيمة والإصرار. إن كل مزرعة صغيرة، وكل ورشة حرفية، وكل مشروع منزلي، هو بمثابة خندق صمود جديد يحمي الأرض والإنسان، ويُعزز من إمكانية تحقيق التحرر الشامل.

“إن البناء الاقتصادي هو وجه آخر من أوجه النضال، وسلاح فعال في معركة الصمود، يثبت الأفراد على أرضهم ويعمق جذورهم في وطنهم.”

تعمل جمعية “أفق الحرية” على توثيق هذه النجاحات كجزء من عملها الحقوقي والإنساني، ليس فقط لإظهار الأثر الإيجابي لمثل هذه المشاريع، بل أيضاً لتسليط الضوء على قدرة الشعب الفلسطيني على تحويل التحديات إلى فرص، وعلى بناء مستقبل أفضل بأيديه، مهما كانت الظروف قاسية. هذه القصص الملهمة تُعد دروساً في الإرادة والصبر، وتُلهم الأجيال القادمة لمواصلة مسيرة البناء والعطاء.

قصص التحوّل: أصداء الأمل والكرامة

خلف كل رقم وإحصائية في مشروع “نماء”، تكمن حكاية إنسانية، قصة صمود، رحلة تحوّل من الألم إلى الأمل، ومن اليأس إلى العطاء. هذه القصص ليست مجرد شهادات عابرة، بل هي جوهر المشروع، وهي التي تمنحه روحه وقيمته الحقيقية. فما قيمة مشروع تنموي إن لم يغير حياة إنسان إلى الأفضل؟

لنتخيل معاً “أبو أحمد”، أسير محرر قضى أكثر من عقدين من عمره خلف القضبان. عاد إلى بيته، ليجد نفسه غريباً في عالمه، مع أطفال كبروا لم يعرفوه إلا بالصور، وواقع اقتصادي صعب. كان اليأس يتسلل إلى قلبه، لولا تدخل “أفق الحرية” التي قدمت له الدعم من خلال مشروع “نماء”. بعد تحديد مهاراته القديمة في الزراعة، تلقى “أبو أحمد” تدريباً متخصصاً في الزراعة العضوية الحديثة، وتم تزويده بالبذور والأدوات اللازمة لإقامة حديقة منزلية صغيرة تنتج الخضروات والفواكه. ومع مرور الوقت، توسع مشروعه ليصبح مزرعة صغيرة توفر له ولأسرته دخلاً كريماً. لم يعد “أبو أحمد” يشعر بالضياع، بل أصبح معيلاً فخوراً لأسرته، ومثالاً يحتذى به في مجتمعه، يُقدم منتجات صحية لجيرانه، ويُعلِّم أبناءه قيمة العمل والأرض.

وهناك “أم يوسف”، زوجة أسير قضى سنوات طويلة في السجن. كانت تعيش على المساعدات، تكافح لتوفير لقمة العيش لأطفالها. من خلال “نماء”، تم تدريبها على فنون الخياطة والتطريز الفلسطيني التقليدي، وتزويدها بماكينة خياطة حديثة والمواد الخام. بدأت “أم يوسف” مشروعها الصغير من المنزل، تنتج قطعاً فنية وملابس مطرزة تعكس التراث الفلسطيني العريق. بفضل جودة منتجاتها ودعم “أفق الحرية” في تسويقها، أصبحت “أم يوسف” قادرة على توفير دخل مستقر لأسرتها، وحتى المساهمة في تعليم أبنائها الجامعي. لم تعد “أم يوسف” مجرد زوجة أسير تنتظر المساعدة، بل أصبحت رائدة أعمال، وحافظة للتراث، ومعلمة لأبنائها بأن الكرامة تُصنع بالعمل والعطاء.

ولا ننسى الشباب، مثل “كريم”، الذي خرج من السجن عازماً على إكمال تعليمه، ولكنه كان يواجه صعوبة في تحمل التكاليف. من خلال “نماء”، تم دعمه في تعلم مهنة صيانة الأجهزة الإلكترونية، وهي مهنة مطلوبة في سوق العمل. بعد التدريب المكثف وتوفير الأدوات الأساسية، افتتح “كريم” ورشته الصغيرة، وبدأ يكسب رزقه، بل ويساهم في مصروفات أسرته. لقد تحول “كريم” من شاب كان يخشى المستقبل إلى مهني واعد، لديه خطط للتوسع وتوظيف شباب آخرين. هذه القصص، وإن كانت بأسماء مستعارة، تعكس واقع المئات من المستفيدين الذين تغيرت حياتهم بفضل مشروع “نماء”، وأصبحوا نماذج حية للصمود والإصرار والقدرة على بناء الذات والمجتمع.

درب الاستدامة: تحديات وآفاق

إن تحقيق الاستدامة في مشروع مثل “نماء” ليس مجرد هدف، بل هو رهان كبير في ظل الظروف المعقدة التي يواجهها الشعب الفلسطيني. فالتحديات لا تتوقف عند حدود التمويل أو الظروف الاقتصادية المتقلبة، بل تمتد لتشمل الحصار، والإغلاقات المتكررة، والقيود على حركة الأفراد والبضائع، وندرة الموارد الطبيعية. كل هذه العوامل يمكن أن تعيق تقدم المشاريع وتجعل استمراريتها أمراً صعباً.

التحديات الرئيسية:

  • **التقلبات الاقتصادية:** الاقتصاد الفلسطيني هش ويتأثر بشدة بالظروف السياسية، مما يجعل التخطيط طويل الأمد أمراً معقداً.
  • **قيود الاحتلال:** الحصار والإغلاقات وتصاريح العمل هي عوائق دائمة أمام التنمية الاقتصادية.
  • **الموارد المائية والأرضية:** محدودية الموارد، وخاصة المياه والأراضي الزراعية، تؤثر على المشاريع الزراعية.
  • **الوصول إلى الأسواق:** صعوبة الوصول إلى الأسواق المحلية والخارجية بسبب القيود المفروضة.
  • **التمويل المستمر:** الاعتماد على التمويل الخارجي قد يهدد استمرارية المشاريع والبرامج على المدى الطويل.

الاستراتيجيات المتبعة لتعزيز الاستدامة:

في مواجهة هذه التحديات، تعمل جمعية “أفق الحرية” جاهدة على تبني استراتيجيات مبتكرة لضمان استمرارية مشروع “نماء” وفاعليته على المدى البعيد:

  • **تنويع مصادر الدخل:** تشجيع المستفيدين على عدم الاعتماد على مصدر دخل واحد، وتطوير منتجات وخدمات متنوعة تلبي احتياجات سوق مختلفة.
  • **بناء الشراكات:** إقامة شراكات مع القطاع الخاص والمؤسسات المحلية والدولية لتبادل الخبرات، وتوسيع الشبكات التسويقية، وتأمين التمويل المستدام.
  • **التدريب المستمر:** توفير برامج تدريب وتطوير مستمرة للمستفيدين لمواكبة التطورات في مجالاتهم المهنية، ورفع مستوى جودة منتجاتهم وخدماتهم.
  • **التركيز على القيمة المضافة:** توجيه المشاريع نحو إنتاج سلع وخدمات ذات قيمة مضافة عالية، مما يزيد من تنافسيتها وربحيتها.
  • **التسويق الرقمي:** استغلال الإمكانيات الهائلة للتسويق الرقمي للوصول إلى أسواق أوسع، وتجاوز بعض قيود الحركة الجغرافية.
  • **تعزيز الإدارة الذاتية:** تمكين المستفيدين من إدارة مشاريعهم بكفاءة عالية، ووضع خطط عمل واضحة، وفهم آليات السوق بشكل جيد.
  • **صناديق الدعم الدوارة:** دراسة إمكانية إنشاء صناديق دعم دورية تساهم في إعادة استثمار الأرباح في مشاريع جديدة أو توسيع المشاريع القائمة، لضمان استمرارية الدعم الذاتي.

تؤمن “أفق الحرية” بأن الاستدامة هي مفتاح التنمية الحقيقية، وأن الاستثمار في قدرات الإنسان هو الاستثمار الأكثر ربحاً على المدى الطويل. إن المشروع يسعى إلى بناء نموذج يمكن تكراره وتوسيعه، ليصبح جزءاً لا يتجزأ من النسيج الاقتصادي الفلسطيني، مساهماً في بناء دولة قوية ومستقلة، يعيش فيها أفرادها بكرامة وحرية.

الخاتمة: نحو أفق من الحرية والرخاء

في الختام، يظل مشروع “نماء” للتمكين الاقتصادي شاهداً حياً على إرادة الصمود الفلسطيني، ورؤية جمعية “أفق الحرية” الثاقبة في بناء مستقبل أفضل. إنه ليس مجرد مشروع يهدف إلى توفير لقمة العيش، بل هو مسعى نبيل يرمي إلى استعادة الكرامة، وإعادة بناء الثقة بالذات، وتثبيت أقدام الأسرى المحررين وأسرهم على أرضهم، ليصبحوا قوى فاعلة ومنتجة في مجتمعهم.

لقد أثبتت التجربة أن التمكين الاقتصادي هو أحد أقوى أشكال المقاومة، وأنجع الطرق لتحقيق الصمود والاستمرارية في وجه التحديات الجسام. فعندما يتمكن الإنسان من الاعتماد على نفسه، وتوفير احتياجات أسرته، فإنه يتحرر من قيود التبعية، ويصبح قادراً على المشاركة بفعالية أكبر في بناء وطنه وتحقيق تطلعاته المشروعة نحو الحرية والاستقلال. إن كل بذرة تُزرع في مشروع “نماء”، وكل مهارة تُكتسب، وكل مشروع صغير يرى النور، هو خطوة نحو أفق أرحب من الحرية والرخاء، وهو انتصار لإرادة الحياة على قوى اليأس والقهر.

إن جمعية “أفق الحرية” تدعو جميع الأيادي الخيرة، والشركاء التنمويين، وكل من يؤمن بقضية العدالة والكرامة الإنسانية، إلى دعم هذا المشروع الحيوي، لكي نُوسع دائرته، ونُمكن المزيد من الأسرى المحررين وأسرهم من شق طريقهم نحو مستقبل أفضل. فدعم “نماء” هو دعم لفلسطين، ودعم لصمودها، ودعم لمسيرة شعب لا يزال يحلم بالحرية الشاملة، ويُعلي قيم الكرامة والعطاء. معاً، نحو أفقٍ تزدهر فيه الحياة، وتُرفرف رايات الحرية والكرامة عالياً في سماء فلسطين الأبية.

Leave a comment

0.0/5

مرحبًا، كيف يمكننا مساعدتك اليوم؟