
فقدت فلسطين رمزاً من رموز الصمود والتحدي بوفاة ماهر يونس، عميد الأسرى الفلسطينيين، بعد ثلاث سنوات من استنشاقه نسمات الحرية. بين جدران السجن عاش سنوات طويلة لكن روحه لم تُقيد، فارقنا يونس وقد ترك بصمات لا يمحوها الزمن.
فقدت فلسطين، فجر الأحد الخامس من يوليو/تموز 2026، واحدًا من أبرز رموز الحركة الأسيرة، الأسير المحرر ماهر عبد اللطيف يونس، الذي رحل عن 68 عامًا بعدما أمضى أربعة عقود متواصلة في السجون الإسرائيلية، ولم يعش بعد استعادة حريته سوى نحو ثلاثة أعوام ونصف. وبرحيله، أُغلقت صفحة حياة استثنائية امتزج فيها الألم بالصبر، والحرمان بالأمل، والسجن الطويل بالتشبث المتواصل بالهوية والانتماء.
لم يكن خبر وفاة ماهر يونس مجرد نبأ عن رحيل أسير محرر، بل كان استعادة لسيرة جيل فلسطيني كامل اختبر الاعتقال الطويل، ورأى العالم يتغير من خلف القضبان، بينما بقي متمسكًا بحلمه في الحرية. فحياة يونس تختصر معنى الزمن حين يُنتزع من الإنسان، ومعنى الإرادة حين ترفض أن تتحول سنوات السجن إلى هزيمة داخلية.
من عارة إلى الأسر الطويل
وُلد ماهر يونس في السادس من يناير/كانون الثاني 1958 في قرية عارة بمنطقة وادي عارة داخل أراضي عام 1948. تلقى تعليمه في مدارس قريته، ثم تابع دراسته في المدرسة الصناعية بمدينة الخضيرة، قبل أن تتغير حياته بصورة جذرية وهو في الخامسة والعشرين من عمره، حين اعتُقل في 18 يناير/كانون الثاني 1983، في وقت كان يستعد فيه للزواج وبناء حياته الخاصة.
وتختلف اللغة المستخدمة في توصيف قضيته باختلاف الرواية السياسية؛ إذ تقدمه المصادر الفلسطينية بوصفه مناضلًا انتمى إلى حركة «فتح» وشارك في مقاومة الاحتلال، بينما تقول السجلات القضائية الإسرائيلية إنه أُدين، إلى جانب ابن عمه كريم يونس، في قضية قتل جندي إسرائيلي تعود إلى عام 1980. وصدر بحقه في البداية حكم بالإعدام، قبل أن يُستبدل بالسجن المؤبد، ثم حُددت مدة الحكم عام 2012 بأربعين عامًا كاملة.
منذ تلك اللحظة، بدأ يونس رحلة اعتقال تُعد من أطول فترات الأسر المتواصل في تاريخ الحركة الأسيرة الفلسطينية المعاصرة. تنقل بين السجون والزنازين، وعاش تحولات سياسية واجتماعية كبرى من وراء الجدران، في حين كان الزمن خارج السجن يرسم ملامح مجتمع جديد لم يعرفه إلا من خلال الرسائل والزيارات المحدودة والأخبار التي كانت تصل إليه.
أربعون عامًا لا تختصرها الأرقام
لا تستطيع عبارة «أربعون عامًا في الأسر» أن تنقل وحدها حجم التجربة. فهي تعني آلاف الأيام التي مضت بعيدًا عن البيت والأهل، وأعيادًا ومناسبات لم يحضرها، وأطفالًا من عائلته وُلدوا وكبروا وأصبح بعضهم آباء وأمهات قبل أن يلتقي بهم للمرة الأولى.
ومع ذلك، لم يسمح يونس للسجن بأن يلغي حضوره الإنساني أو الفكري. فقد شارك في محطات الحركة الأسيرة ومعاركها المطلبية، وواصل تعليمه من خلف القضبان حتى حصل على درجة البكالوريوس في العلوم السياسية. وبذلك حوّل سنوات الاعتقال، على قسوتها، إلى مساحة للتعلم وبناء المعرفة والحفاظ على الوعي والهوية.
وكان من أقسى ما واجهه خلال اعتقاله وفاة والده عام 2008، من دون أن يتمكن من وداعه أو المشاركة في جنازته. وكان والده هو الآخر أسيرًا سابقًا أمضى سنوات في السجون الإسرائيلية. لذلك، لم يكن غريبًا أن تكون زيارة قبر والده من أولى خطوات ماهر يونس بعد خروجه إلى الحرية؛ فقد أراد أن يبدأ حياته الجديدة من المكان الذي بقي حاضرًا في ذاكرته ووجدانه طوال سنوات الغياب.
الحرية التي جاءت متأخرة
في صباح 19 يناير/كانون الثاني 2023، خرج ماهر يونس من السجن بعد أن أنهى كامل مدة حكمه البالغة أربعين عامًا. كان خروجه حدثًا وطنيًا وإنسانيًا لافتًا، ليس فقط بسبب طول مدة اعتقاله، وإنما لأن المشهد جمع في لحظة واحدة بين رجل غادر بيته شابًا وعاد إليه وقد تجاوز الخامسة والستين، وبين عائلة انتظرته طوال أربعة عقود.
لكن فرحة الإفراج لم تكن خالية من القيود. فقد نشرت الشرطة الإسرائيلية قوات كبيرة في محيط بلدته، وأعلنت استعدادها لمنع مظاهر الاحتفال ورفع العلم الفلسطيني. وعلى الرغم من هذه الإجراءات، استقبله أفراد عائلته وأهالي بلدته، وعانق والدته وأقاربه، والتقى أناسًا لم يرهم من قبل، لأنهم لم يكونوا قد وُلدوا يوم اعتقاله.
وعندما سُئل عن إحساسه في الأيام الأولى للحرية، قال في مقابلة صحفية: «يعجز القاموس عن إيجاد الكلمات التي تعبر عن شعور الإنسان عندما ينال حريته». كانت كلماته تعكس فرحًا عميقًا، لكنه ظل ممزوجًا بغصة رفاقه الذين تركهم خلفه في السجون.
لم تكن العودة إلى الحياة الطبيعية أمرًا يسيرًا بعد غياب استمر أربعين عامًا. فقد خرج يونس إلى مجتمع مختلف جذريًا عن ذلك الذي تركه عام 1983؛ تغيرت المدن، وتبدلت وسائل الاتصال، ورحل أفراد من عائلته، وكبر آخرون، وظهرت أجيال كاملة لم يعرفها إلا من الصور والأخبار.
وروى بعد الإفراج عنه أنه قابل أقارب لم يعش طفولتهم، وأن كثيرين كانوا يسألونه: «هل تعرف من أنا؟». كان بعضهم في أواخر الثلاثينيات من العمر، بينما لم يكونوا قد وُلدوا أصلًا عندما دخل السجن. وقد حاول تجاوز هذه الفجوة بروح اجتماعية مرحة، مستعيدًا صلاته العائلية والإنسانية خطوة خطوة.
وخلال سنوات حريته القصيرة، حرص على زيارة الأقارب والأصدقاء والمشاركة في المناسبات الاجتماعية، وكأنه كان يسابق الزمن لتعويض ما فاته. ووفق شهادة شقيقته، كان محبًا للحياة، حاضرًا بين الناس، حريصًا على إسعاد عائلته واستعادة التفاصيل الصغيرة التي حُرم منها عقودًا طويلة.
ومع ذلك، لم تكن ثلاثة أعوام ونصف كافية لترميم آثار أربعين عامًا من الغياب. فالحرية لا تعيد الأعمار التي مضت، ولا تستحضر الراحلين، ولا تمحو بسهولة العادات والآثار النفسية التي يتركها السجن الطويل. لكنها منحته، ولو لفترة محدودة، فرصة المشي في بلدته بلا قيود، والجلوس مع عائلته، وزيارة قبر والده، والتعرف إلى أجيال كانت تنتظر سماع تجربته.
رحيل مفاجئ بعد انتظار طويل
جاء رحيل ماهر يونس في الخامس من يوليو/تموز 2026 صادمًا لعائلته ومحبيه، بعد فترة قصيرة بالقياس إلى سنوات اعتقاله. فالرجل الذي انتظر الحرية أربعة عقود لم يُمنح إلا سنوات قليلة ليعيشها، الأمر الذي أضفى على وفاته ألمًا مضاعفًا: ألم الفقد، وألم العمر الذي مضى معظمه خلف القضبان.
ونعته مؤسسات الأسرى الفلسطينية، مؤكدة أن رحيله لا يمثل نهاية سيرة فردية فحسب، بل وداعًا لأحد أبرز وجوه جيل كامل من الأسرى القدامى. كما نعته حركة «فتح» وأقاربه ورفاقه، وكان من أكثر كلمات الوداع تأثيرًا ما كتبه ابن عمه ورفيق سنوات الأسر كريم يونس: «رحلت جسدًا، وبقيت سيرتك رمزًا لن ينطفئ».
آفاق الحرية: ومسؤولية حفظ الذاكرة
إن الكتابة عن ماهر يونس لا ينبغي أن تتوقف عند الرثاء أو استعادة عدد سنوات اعتقاله، بل يجب أن تتحول سيرته إلى مادة موثقة تحفظها الأجيال. ومن هنا تبرز مسؤولية المؤسسات الحقوقية والإعلامية، ومنها «آفاق الحرية»، في جمع شهادات الأسرى والمحررين، وتوثيق تجاربهم، وأرشفة رسائلهم وصورهم ومقابلاتهم، وتقديم قصصهم بلغة إنسانية دقيقة بعيدًا عن المبالغات والاقتباسات غير الموثقة.
فالذاكرة ليست مجرد استحضار للماضي، وإنما وسيلة لحماية الحقيقة من النسيان. ويمكن لسيرة يونس أن تكون مدخلًا لإنتاج ملفات توثيقية ودراسات وبرامج تثقيفية تتناول آثار الاعتقال الطويل، وصعوبة اندماج الأسرى المحررين في مجتمع تغير خلال غيابهم، وحاجتهم إلى الرعاية الصحية والنفسية والاجتماعية بعد الإفراج عنهم.
والوفاء الحقيقي لسيرته يكون أيضًا بإبقاء قضية الأسرى حاضرة في الوعي العام، وتسليط الضوء على أوضاعهم وحقوقهم، والإنصات إلى عائلاتهم التي تخوض بدورها تجربة انتظار طويلة ومؤلمة.
قال ماهر يونس في أحد لقاءاته بعد الإفراج عنه: “لم تكن أيامي في السجن هباءً، بل كانت فرصة للتعلم والنمو، ولصقل الروح والعزيمة”.
إرث يتجاوز السيرة الفردية
ترك ماهر يونس إرثًا يتجاوز حدود تجربته الشخصية. فسيرته تطرح أسئلة عميقة عن معنى الزمن والحرية والانتماء: كيف يعود الإنسان إلى الحياة بعد غياب دام أربعة عقود؟ وكيف يتصالح مع عالم تغيرت ملامحه وأشخاصه ولغته اليومية؟ وكيف يستطيع أن يحتفظ بالأمل عندما يصبح السجن هو المكان الذي قضى فيه الجزء الأكبر من عمره؟
لقد خرج ماهر يونس من الأسر وقد تغير كل شيء تقريبًا، لكنه بقي متمسكًا بذاكرته وبأهله وبقضية رفاقه. لم تكن حريته كاملة ما دام آخرون خلف القضبان، ولم تكن فرحته منفصلة عن آلامهم. ولهذا ظل اسمه مرتبطًا بالحركة الأسيرة وبفكرة الصمود التي لا تقاس فقط بالقدرة على احتمال السجن، بل بالقدرة على الخروج منه من دون فقدان الإيمان بالحياة.
رحل ماهر يونس بعد سنوات قليلة من استعادة حريته، إلا أن سيرته ستبقى شاهدًا على أربعة عقود من الصبر والحرمان والإرادة. وقد غاب جسده، لكن حكايته ستظل حاضرة في ذاكرة عائلته وشعبه، وفي كل حديث عن الأسر الطويل، وعن الإنسان الذي قد تحاصره الجدران، لكنها لا تستطيع بالضرورة أن تهزم روحه.
