Skip to content Skip to footer

ضرغام جبارين… حين أصبح الأسر اختبارًا مضاعفًا للجسد والإرادة

ليست قسوة السجن مرتبطة بعدد السنوات وحده، فبعض التجارب تختصر في أعوام قليلة حجمًا كبيرًا من الألم والمعاناة، ولا سيما عندما يدخل الأسير الزنزانة وهو يحمل مرضًا مزمنًا أو إعاقة جسدية تحتاج إلى رعاية دائمة. ومن بين هذه التجارب تبرز قصة الأسير المحرر ضرغام توفيق جبارين، ابن مدينة أم الفحم، الذي أمضى أكثر من ثلاثة أعوام في السجون الإسرائيلية، في ظل وضع صحي معقد جعل تفاصيل الحياة اليومية خلف القضبان أكثر صعوبة.

فقد دخل جبارين السجن وهو يعاني منذ طفولته من آثار مرض شلل الأطفال، مع ضعف وشلل شديدين في الجهة اليمنى من جسده. وبين الحاجة إلى العكازات والعلاج الطبيعي والأجهزة الطبية المساعدة، وجد نفسه في بيئة اعتقالية لا تتلاءم مع احتياجاته الصحية والحركية، وفق ما وثقته هيئة شؤون الأسرى والمحررين خلال فترة اعتقاله.

قصة ضرغام جبارين ليست مجرد سجل لتاريخ الاعتقال والحكم والإفراج، وإنما حكاية إنسان واجه السجن بظروف جسدية صعبة، وعائلة انتظرت عودته، وقضية تطرح أسئلة جوهرية حول حقوق الأسرى المرضى وذوي الإعاقة، ومدى توفير الرعاية الطبية والتجهيزات الضرورية لهم داخل المعتقلات.

من أم الفحم إلى الاعتقال

ينحدر ضرغام توفيق جبارين من مدينة أم الفحم في منطقة وادي عارة، وكان أبًا لثلاثة أبناء، وعمل في مجال التجارة والأعمال. وتشير المصادر المنشورة إلى أنه كان يسافر إلى تركيا لإتمام معاملات وصفقات تجارية، قبل أن تتغير حياته بصورة مفاجئة بعد اعتقاله في 21 يناير/كانون الثاني 2018. وكان في أواخر الأربعينيات من عمره عند بداية الاعتقال.

بقي خبر اعتقاله غير معلن لعدة أسابيع، قبل أن يُكشف عنه في فبراير/شباط 2018، بالتزامن مع تقديم النيابة العامة الإسرائيلية لائحة اتهام بحقه إلى المحكمة المركزية في القدس. ومنذ ذلك الوقت، انتقل جبارين من حياة الأسرة والعمل والتنقل إلى عالم السجون والتحقيقات والمحاكم، فيما بدأت عائلته رحلة انتظار امتدت أكثر من ثلاثة أعوام.

ولم يكن الاعتقال بالنسبة إليه انقطاعًا عن الحياة الخارجية فقط، بل انتقالًا إلى بيئة شديدة القسوة بالنسبة إلى شخص يعاني إعاقة حركية دائمة. فالمسافات القصيرة، والحمامات، والوقوف، والانتقال بين الأقسام والعيادات، وهي أمور قد تبدو عادية للآخرين، تحولت في حالته إلى تحديات يومية تستوجب المساعدة والتجهيز الملائم.

بين الوقائع الثابتة ورواية الاتهام

من المهم عند تناول قضية ضرغام جبارين التمييز بين الوقائع المثبتة المتعلقة باعتقاله وحكمه وإطلاق سراحه، وبين التفاصيل التي وردت في لائحة الاتهام الإسرائيلية.

فبحسب النيابة الإسرائيلية، وُجهت إليه اتهامات شملت ما وصفته بـ«التخابر مع عميل أجنبي»، و«تقديم خدمات لمنظمة محظورة»، ونقل أموال إلى حركة حماس وفصائل فلسطينية. وزعمت لائحة الاتهام أنه التقى خلال رحلاته التجارية إلى تركيا بشخصيات مرتبطة بحركة حماس، وأنه شارك في نقل مبالغ مالية إلى الأراضي الفلسطينية. وهذه التفاصيل تستند إلى رواية النيابة وجهاز الأمن العام الإسرائيلي، كما نقلتها وسائل الإعلام التي تابعت القضية.

وفي السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2018، أصدرت المحكمة حكمًا بسجنه ثلاثة أعوام ونصف العام، أي 42 شهرًا. وبقي جبارين في الأسر حتى مايو/أيار 2021، متنقلًا في مراحل اعتقاله بين ظروف السجن ومتطلبات وضعه الصحي الصعب.

وبعيدًا عن الجدل القانوني والسياسي المحيط بالقضية، ظل الجانب الإنساني حاضرًا بقوة؛ إذ كان جبارين أبًا لثلاثة أبناء، وكان اعتقاله يعني غيابه عن أسرته وحرمانه من تفاصيل حياتهم اليومية، إلى جانب تحمله أعباء المرض والإعاقة داخل السجن.

معركة يومية مع المرض

عانى ضرغام جبارين منذ طفولته من مرض البوليو، المعروف بشلل الأطفال. وبحسب تقرير صادر عن هيئة شؤون الأسرى والمحررين في مارس/آذار 2021، تسبب المرض له بشلل قُدرت نسبته بنحو 70% في الجهة اليمنى من جسده، ما جعله بحاجة إلى رعاية خاصة، وجلسات علاج طبيعي بصورة دورية، وأجهزة تساعده على الحركة والتنقل.

وكان جبارين يعتمد على العكازات في حركته، إلا أن طبيعة السجن لم تكن مهيأة بصورة كافية لاحتياجاته. فبالنسبة إلى أسير يعاني إعاقة حركية، يمكن لأرضية زلقة أو ممر ضيق أو حمام غير مجهز أن يتحول إلى خطر حقيقي، كما يمكن لغياب الحذاء الطبي أو الجهاز المساعد أن يضاعف الألم ويزيد احتمال السقوط والإصابة.

وذكرت هيئة شؤون الأسرى أن جبارين انتظر أكثر من عام من أجل الحصول على حذاء طبي يساعده على التنقل، من دون أن يُزوّد به خلال الفترة التي تناولها التقرير. كما كان بحاجة إلى جهاز طبي خاص لدعم حركته، وإلى جلسات علاج طبيعي منتظمة، إلا أن الهيئة قالت إن تحويله إلى العلاج كان يتعرض للمماطلة.

لا تمثل هذه الاحتياجات رفاهية إضافية، وإنما وسائل أساسية تمكّن الشخص الذي يعاني إعاقة من القيام بأبسط أمور حياته بقدر من الأمان والاستقلال. وعندما يحرم الأسير من هذه الوسائل، تصبح الإعاقة أكثر قسوة، ويتحول السجن من تقييد للحرية إلى عبء يومي على الجسد والصحة والكرامة.

سقوط داخل حمام السجن

بلغت المخاطر الصحية التي واجهها جبارين مرحلة أكثر خطورة عندما سقط داخل حمام المعتقل مطلع عام 2021، وأصيب في ساقه. ونُقل بعد الحادث إلى أحد المستشفيات الإسرائيلية، حيث وُضعت جبيرة على موضع الإصابة، لكنه ظل ينتظر تحويله مرة أخرى لإجراء صورة طبية والاطمئنان إلى حال ساقه.

ويكشف هذا الحادث مقدار هشاشة حياة الأسير ذي الإعاقة داخل بيئة غير مهيأة. فالسقوط الذي قد يؤدي لدى شخص آخر إلى إصابة محدودة، يمكن أن يترك آثارًا مضاعفة لدى من يعاني أصلًا ضعفًا شديدًا في أحد جانبي جسده، ويعتمد على العكازات للمشي.

كما أن تأخر الفحوص أو العلاج الطبيعي قد يؤدي إلى تفاقم الإصابة، وإلى تراجع إضافي في القدرة على الحركة. ولهذا لم تكن مطالب جبارين الصحية مرتبطة بتخفيف الألم فقط، بل بالحفاظ على ما تبقى له من قدرة على التنقل والاستقلال الجسدي.

كان عليه أن يواجه في الوقت نفسه ألم الإصابة، وصعوبة الحركة، والانتظار الطويل للعلاج، والبعد عن أسرته. وقد جعل ذلك تجربة اعتقاله مختلفة عن تجربة الأسير السليم جسديًا؛ إذ عاش أسرًا مضاعفًا، أسر الزنزانة وأسر الجسد الذي لم يحصل، وفق التقارير الحقوقية الفلسطينية، على كل ما يحتاجه من رعاية وتجهيزات.

حقوق الأسرى ذوي الإعاقة

تضع قصة ضرغام جبارين قضية الأسرى ذوي الإعاقة في صميم النقاش حول الحق في الصحة والكرامة داخل السجون. فالإعاقة لا تلغي حقوق الإنسان، كما أن السجن لا يسقط حق المحتجز في الرعاية الطبية أو في توفير الترتيبات التي تحميه من السقوط والإصابة وتساعده على الحركة.

وتُعد «قواعد نيلسون مانديلا» التي اعتمدتها الأمم المتحدة مرجعًا دوليًا للحد الأدنى من معاملة السجناء. وتوضح الأمم المتحدة أن مبدأ عدم التمييز يشمل حماية السجناء ذوي الاحتياجات الخاصة، وملاءمة نظام السجن مع احتياجاتهم بدل معاملتهم بطريقة تؤدي عمليًا إلى زيادة معاناتهم.

كذلك تؤكد اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة أن جميع الأشخاص ذوي الإعاقة يتمتعون بحقوق الإنسان والحريات الأساسية على قدم المساواة مع الآخرين، وأن احترام كرامتهم وتوفير البيئة الملائمة لهم جزء من الحماية الحقوقية، لا من باب المساعدة الاختيارية أو الإحسان.

ومن هذا المنظور، فإن توفير حذاء طبي أو جهاز للحركة، وإجراء الفحوص اللازمة، وتأمين العلاج الطبيعي، وتجهيز المرافق بما يتناسب مع الإعاقة، ليست مطالب ثانوية. إنها عناصر أساسية لحماية سلامة الأسير ومنع تعرضه لألم أو إصابات كان من الممكن تفاديها.

العائلة… سنوات من الانتظار والقلق

خلف كل أسير عائلة تخوض بدورها تجربة اعتقال من نوع آخر. وقد كان لغياب ضرغام جبارين أثر مباشر في أسرته وأبنائه الثلاثة، الذين عاشوا أكثر من ثلاثة أعوام بعيدًا عن والدهم، وهم يتابعون أخباره الصحية ويترقبون مواعيد المحاكم والزيارات والإفراج.

ولا يقتصر ألم عائلات الأسرى المرضى على الغياب؛ إذ يرافقه قلق مستمر بشأن الحالة الصحية للأسير، وما إذا كان يحصل على دوائه أو علاجه، وما إذا كانت ظروف السجن تسمح له بالنوم والحركة والاستحمام بأمان. وفي حالة جبارين، كان هذا القلق مضاعفًا بسبب إصابته بشلل الأطفال واعتماده على العكازات.

كما أن الزيارة، مهما طالت، لا تتيح للأسرة الاطمئنان بصورة كاملة. فهناك تفاصيل كثيرة تبقى خلف الجدران: الألم في الليل، وصعوبة الوصول إلى الحمام، وانتظار الطبيب، والحاجة إلى المساعدة في التنقل. لذلك تتحول الأسرة إلى شريك دائم في معركة الأسير الصحية، حتى وهي بعيدة عنه.

ومع مرور الأشهر، أصبح موعد الإفراج بالنسبة إلى عائلة جبارين أكثر من مجرد نهاية لحكم قضائي؛ كان موعدًا لاستعادة الأب، والاطمئنان إلى صحته، وبدء مرحلة جديدة من العلاج ولمّ شمل الأسرة.

الحرية بعد ثلاثة أعوام وأربعة أشهر

في الخامس والعشرين من مايو/أيار 2021، أُفرج عن ضرغام جبارين من سجن جلبوع، بعد أن أمضى نحو ثلاثة أعوام وأربعة أشهر خلف القضبان. وكان في استقباله عدد من أفراد عائلته وأهالي مدينته أم الفحم، لتنتهي بذلك مرحلة الاعتقال ويبدأ فصل جديد من حياته بصفته أسيرًا محررًا.

كانت لحظة خروجه تحمل مشاعر متداخلة: فرحة استعادة الحرية، وألم السنوات التي مضت بعيدًا عن الأسرة، والحاجة إلى معالجة الآثار الجسدية والنفسية التي تركها السجن. فالتحرر يفتح باب العودة إلى الحياة، لكنه لا يمحو في لحظة واحدة ما خلفه الاعتقال من ألم أو تراجع صحي أو شعور بالفقد.

كما أن العودة بالنسبة إلى أسير ذي إعاقة تحتاج إلى مسار خاص من التأهيل والدعم. فالجسد الذي عانى نقص الحركة والعلاج داخل السجن يحتاج إلى وقت لاستعادة قدرته، والأسرة التي عاشت سنوات من القلق تحتاج هي الأخرى إلى إعادة بناء حياتها اليومية معه.

ومع ذلك، ظلت لحظة الإفراج انتصارًا إنسانيًا بالنسبة إلى جبارين وعائلته؛ إذ عاد إلى مدينته وأبنائه، وخرج من المكان الذي فرض عليه قيودًا إضافية فوق القيود التي عاشها منذ طفولته بسبب المرض.

تجربة لا تقاس بطول الحكم

لم يكن حكم ضرغام جبارين من أطول الأحكام الصادرة بحق الأسرى الفلسطينيين، لكن أهمية تجربته لا تقاس بعدد السنوات وحده. فثلاثة أعوام وأربعة أشهر بالنسبة إلى شخص يعاني شللًا شديدًا ويستخدم العكازات قد تحمل أعباء تفوق ما توحي به الأرقام.

لقد أصبح كل انتقال داخل السجن امتحانًا، وكل تأخر في العلاج مصدر خوف، وكل يوم من دون جهاز طبي أو حذاء مناسب عبئًا إضافيًا. ولذلك تكتسب قصته قيمتها من قدرتها على كشف جوانب لا تحظى دائمًا بما يكفي من الاهتمام عند الحديث عن الأسرى: الإعاقة، وإمكانية الوصول، والعلاج الطبيعي، وتجهيز المرافق، وحماية الأسير من السقوط والإصابة.

كما تذكّرنا تجربته بأن الأسير ليس رقمًا في قائمة، بل إنسان له جسد قد يمرض، وأسرة تنتظره، وأبناء يحتاجون إليه، واحتياجات ينبغي ألا تُهمَل بسبب وضعه القانوني أو السياسي.

دور آفاق الحرية في حفظ القصة

في سياق رسالة «آفاق الحرية» واهتمامها بقضايا الأسرى، تمثل تجربة ضرغام جبارين نموذجًا مهمًا للقصص التي تستحق التوثيق والمتابعة، لأنها تجمع بين قضية الاعتقال وقضية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة.

ولا يقتصر التوثيق على ذكر تاريخ الاعتقال والإفراج، بل ينبغي أن يشمل الحالة الصحية للأسير قبل الاعتقال، والعلاج الذي كان يحتاجه، والمطالب التي تقدم بها، والفترات التي انتظر خلالها الأجهزة أو الفحوص، والإصابات التي تعرض لها، وتأثير ذلك كله في حياته وعائلته.

ومن شأن توثيق هذه التفاصيل أن يساعد على نقل قضية الأسرى من الأرقام العامة إلى التجارب الإنسانية الفردية. فعندما يعرف القارئ أن أسيرًا يستخدم العكازات انتظر أكثر من عام للحصول على حذاء طبي، أو أنه سقط داخل حمام السجن وظل ينتظر فحصًا إضافيًا، يصبح أكثر قدرة على فهم المعنى الحقيقي للمعاناة اليومية.

كما يمكن لقصة جبارين أن تكون مدخلًا لحملات أوسع تهدف إلى المطالبة بحماية الأسرى ذوي الإعاقة، وتوفير المرافق والأجهزة الطبية الملائمة لهم، وضمان خضوعهم لفحوص دورية وحصولهم على العلاج الطبيعي والأدوية من دون تأخير.

إرث من الصبر والتمسك بالحياة

تكمن قوة تجربة ضرغام جبارين في أنه واجه ظروف الاعتقال وهو يحمل منذ طفولته تحديًا جسديًا كبيرًا. لم تكن الزنزانة وحدها هي القيد، بل كانت هناك أيضًا صعوبة الحركة، والحاجة إلى الآخرين، والخوف من السقوط، وانتظار العلاج، والقلق على المستقبل الصحي.

ومع ذلك، عبر هذه المرحلة حتى وصل إلى يوم الحرية. عاد إلى أم الفحم وإلى أسرته بعد أكثر من ثلاثة أعوام، حاملًا معه تجربة تكشف مقدار ما يستطيع الإنسان تحمله عندما يتمسك بالأمل وبفكرة العودة.

إن الوفاء لتجربته لا يكون بالمبالغة في سردها أو بإضافة أقوال وأحداث غير موثقة، بل بحفظ تفاصيلها كما وقعت، وإبراز الجانب الإنساني منها، وتحويلها إلى دعوة دائمة لحماية الأسرى المرضى وذوي الإعاقة.

يبقى ضرغام جبارين شاهدًا على أن قسوة الأسر لا تقاس بالزمن فقط، وإنما بما يفرضه كل يوم على الجسد والروح. وقد خرج من سجنه، لكن قصته بقيت تذكّر بأن الحرية الحقيقية تبدأ أيضًا من صون الكرامة، وضمان العلاج، وعدم ترك الإنسان وحيدًا في مواجهة المرض والقيد.

Leave a comment

مرحبًا، كيف يمكننا مساعدتك اليوم؟