في سجلِّ التاريخ البشري، ثمة صفحاتٌ عصماءٌ تُكتبُ بمداد النور لتُسجِّل انتصارات الروح على الظلمة، ولحظاتُ إجماعٍ تَتَسَامى فيها الإنسانية على أوجاعها لتُعلِنَ رفضها المطلق لأبشع صور الانحدار. ومن بين تلك الصفحات المضيئة، تقفُ اتفاقيةُ الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، كشاهدٍ خالدٍ على أنَّ كرامةَ الإنسانِ خطٌ أحمرٌ لا يجوزُ تجاوزه، وحصنٌ منيعٌ لا ينبغي اختراقه. إنَّها صرخةُ الضميرِ الجماعيِّ للعالم، المدويّةِ في وجهِ كلِّ مَن تسوّلُ له نفسُه العبثَ بجسدِ الإنسانِ أو روحِه، لتُرسِّخَ مبدأً لا يقبلُ الجدلَ: التعذيبُ جريمةٌ لا تسقطُ بالتقادم، ولا تبرّرُها استثناءاتٌ أو ظروف.
تُشكّلُ هذه الاتفاقيةُ، التي دخلت حيّز النفاذ عام 1987، ركيزةً أساسيةً في منظومة القانون الدولي لحقوق الإنسان، ومرجعاً لا غنى عنه للدول الساعية إلى بناء مجتمعاتٍ تحترمُ الإنسانَ وتصونُ حقوقَه. لكنَّ قيمةَ أيِّ اتفاقيةٍ دوليةٍ لا تكمنُ فقط في نصوصها البليغة، بل في قدرتها على النفاذِ إلى عمقِ الواقعِ، لتحويلِ المبادئِ الساميةِ إلى إجراءاتٍ ملموسةٍ تحمي الضعفاءَ وتُحاسبُ الجناةَ. ومن هنا، يغدو فهمُنا العميقُ للموادِّ الجوهريةِ لهذه الاتفاقيةِ وآلياتها التطبيقيةِ أمراً لا مناصَ منه، لا سيما في عالمٍ لا تزالُ فيه تقاريرُ التعذيبِ تتوالى، وتحدياتُ حقوقِ الإنسانِ تتفاقمُ. ولأنَّ جمعيةَ “أفق الحرية” الفلسطينية، وهي المعنيةُ بحقوقِ الأسرى والمحررين والتوثيقِ الحقوقيِّ والإغاثةِ والتنميةِ والتحليلِ السياسيِّ والإنسانيِّ، تُدركُ حجمَ هذه التحدياتِ في سياقٍ تتّسمُ فيه المنطقةُ بالصراعاتِ والانتهاكاتِ، فإنَّها تُقدّمُ هذا المقالَ المستفيضَ كإسهامٍ في تعزيز الوعي بهذه الأداةِ القانونيةِ الحيويةِ، وتأكيداً على أنَّ النضالَ من أجلِ الكرامةِ ليسَ خياراً، بل قدرٌ ومسؤولية.
اتفاقية مناهضة التعذيب: ميلاد عهد جديد
لم يأتِ حظرُ التعذيبِ وليدَ لحظةٍ عابرةٍ، بل كان نتاجاً لتجاربَ تاريخيةٍ مريرةٍ، وشاهدًا على قدرةِ الإنسانِ على إلحاقِ أشدِّ الآلامِ بأخيه الإنسان. فبعد الفظائع التي شهدها القرن العشرون، وخصوصاً الحربين العالميتين وما رافقهما من انتهاكاتٍ جسيمةٍ للكرامة الإنسانية، أدركَ المجتمع الدولي الحاجةَ الملحّةَ لوضعِ صكوكٍ قانونيةٍ دوليةٍ تُلزمُ الدولَ بحمايةِ حقوقِ الإنسان. كانت المادة الخامسة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948 أولَ لبنةٍ في هذا الصرح، إذ نصّت بوضوحٍ على أنه “لا يجوز إخضاعُ أحدٍ للتعذيبِ ولا للعقوباتِ أو المعاملاتِ القاسيةِ أو اللاإنسانيةِ أو الحاطّةِ بالكرامة”. تبعها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية عام 1966، الذي كرّس في مادته السابعة مبدأً مشابهاً، مؤكداً أنه لا يجوزُ الانتقاصُ من هذا الحق حتى في حالاتِ الطوارئِ القصوى.
إلا أنَّ الحاجةَ لِصكٍّ مُتخصّصٍ ومُفصّلٍ لم تزل قائمةً، نظراً لانتشارِ ممارسةِ التعذيبِ على نطاقٍ واسعٍ في العديد من الدول، وتَطوّرِ أساليبِهِ، وصعوبةِ ملاحقةِ مرتكبيه. وعليه، كثّف المجتمع الدولي جهوده التي توّجت باعتماد الجمعية العامة للأمم المتحدة “اتفاقيةَ مناهضةِ التعذيبِ وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة” في 10 ديسمبر 1984، لتكونَ أداةً شاملةً ومُلزِمةً للدول الأطراف، وتُقدّمَ تعريفاً دقيقاً للتعذيبِ، وتُنشِئَ آلياتٍ للإشرافِ على تطبيقها. لقد مثّل دخولُ الاتفاقيةِ حيزَ النفاذِ عام 1987 نقطةَ تحوّلٍ في مسارِ حمايةِ حقوقِ الإنسانِ، مُشَرِّعاً عهداً جديداً من المساءلةِ والوقايةِ.
جوهر الاتفاقية: تعريف التعذيب وحظرُه المطلق
المادة الأولى: تعريف دقيق ومحكم
تُعدُّ المادةُ الأولى من الاتفاقيةِ حجرَ الزاويةِ فيها، إذ تُقدّمُ تعريفاً شاملاً ومُفصّلاً للتعذيبِ، يُشكّلُ أساساً قانونياً لا غنى عنه لتصنيفِ الأفعالِ وتجريمها. تنصُّ هذه المادةُ على أنَّ:
“لأغراضِ هذه الاتفاقية، يُقصدُ بمصطلحِ “التعذيب” أيُّ عملٍ يُسبّبُ ألماً أو عذاباً شديداً، جسدياً كان أم عقلياً، يُلحقُ عمداً بشخصٍ ما بقصدِ الحصولِ منه أو من شخصٍ ثالثٍ على معلوماتٍ أو اعترافٍ، أو لمعاقبته على عملٍ ارتكبَه هو أو شخصٌ ثالثٌ أو يُشتبهُ في أنه ارتكبَه، أو لتخويفِه أو إرغامِه هو أو شخصٍ ثالثٍ، أو لأيِّ سببٍ يقومُ على التمييزِ أياً كان نوعُه، عندما يلحقُ موظفٌ عموميٌّ أو أيُّ شخصٍ آخرَ يتصرّفُ بصفةٍ رسميةٍ، مثلَ هذا الألمِ أو العذابِ، أو يحرضُ عليه أو يوافقُ عليه أو يسكتُ عنه. ولا يشملُ هذا المصطلحُ الألمَ أو العذابَ الناشئَ فقط عن عقوباتٍ قانونيةٍ، أو الملازمَ لهذه العقوباتِ، أو الذي يترتبُ عليها عَرَضاً.”
يُبرزُ هذا التعريفُ عناصرَ أساسيةً لا بدَّ من توافرها ليُصنّفَ الفعلُ على أنه تعذيبٌ: أولاً، شدةُ الألمِ أو العذابِ (جسدياً أو عقلياً). ثانياً، أن يكونَ هذا الإلحاقُ “عمداً”. ثالثاً، أن يكونَ له “غرضٌ” محددٌ (الحصول على معلوماتٍ، معاقبة، تخويف، إرغام، تمييز). رابعاً، وأهمُّها، أن يكونَ مرتكبُ الفعلِ “موظفاً عمومياً” أو شخصاً يتصرّفُ “بصفةٍ رسميةٍ”، أو أن يكونَ مُحَرَّضاً عليه أو بموافقةٍ أو سكوتٍ منه. هذا التحديدُ الأخيرُ يُعفي الأفعالَ التي يرتكبها أفرادٌ لا يمثلون الدولةَ من أن تُصنّفَ كتعذيبٍ بموجبِ هذه الاتفاقيةِ، لكنها قد تُعدُّ جرائمَ أخرى بموجبِ القانونِ الجنائيِّ الوطنيِّ أو الدوليِّ.
المادة الثانية: الحظر المطلق في كل الظروف
تُؤكّدُ المادةُ الثانيةُ على الطابعِ المطلقِ للحظرِ، فهي لا تسمحُ بأيِّ استثناءاتٍ أو تبريراتٍ للتعذيب. تنصُّ المادةُ على أنَّ:
“تتّخذُ كلُّ دولةٍ طرفٍ إجراءاتٍ تشريعيةً أو إداريةً أو قضائيةً أو غيرها من الإجراءاتِ الفعّالةِ لمنعِ أعمالِ التعذيبِ في أيِّ إقليمٍ يخضعُ لولايتها القضائية. ولا يجوزُ التذرُّعُ بأيِّ ظروفٍ استثنائيةٍ أياً كانت، سواءٌ كانت حالةَ حربٍ أو تهديداً بالحربِ أو عدمَ استقرارٍ سياسيٍّ داخليٍّ أو أيةَ حالةٍ طوارئَ عامةٍ أخرى، لتبريرِ التعذيب. ولا يجوزُ التذرُّعُ بالأوامرِ الصادرةِ عن موظفٍ أعلى أو عن سلطةٍ عامةٍ لتبريرِ التعذيب.”
يُبرزُ هذا النصُّ مبدأً جوهرياً في القانون الدولي لحقوق الإنسان، وهو أنَّ حظرَ التعذيبِ هو قاعدةٌ آمرةٌ (Jus Cogens)، لا يجوزُ الانتقاصُ منها بحالٍ من الأحوال. لا حربٌ، ولا إرهابٌ، ولا أمنٌ قوميٌ، ولا أوامرُ من رؤساءَ يمكن أن تُبرّرَ ارتكابَ التعذيب. هذا الحظرُ المطلقُ يُعدُّ جوهرَ الاتفاقيةِ ويُمثّلُ درعَ حمايةٍ لا يمكنُ اختراقُه للكرامةِ الإنسانيةِ.
المادة الثالثة: مبدأ عدم الإعادة القسرية “Non-Refoulement”
تُعدُّ المادةُ الثالثةُ من الاتفاقيةِ من أهمِّ الضماناتِ التي تُقدّمها لحمايةِ الأفرادِ المعرّضين لخطرِ التعذيبِ. فهي تُرسّخُ مبدأَ عدمِ الإعادةِ القسريةِ (Non-Refoulement)، حيث تنصُّ على أنَّ:
“لا تُرحّلُ أيُّ دولةٍ طرفٍ، ولا تُطردُ ولا تُسلمُ شخصاً إلى دولةٍ أخرى، متى توفّرت لديها أسبابٌ حقيقيةٌ تدعو إلى الاعتقادِ بأنه سيكونُ في خطرِ التعرُّضِ للتعذيبِ.”
يفرضُ هذا المبدأُ على الدولِ الأطرافِ واجباً دقيقاً بتقييمِ المخاطرِ التي قد يواجهها الشخصُ في الدولةِ التي سيُرحّلُ إليها. يتطلبُ ذلك من الدولِ إجراءَ تحقيقاتٍ شاملةٍ ومُفصّلةٍ بشأنِ ادعاءاتِ الأفرادِ بالتعرّضِ لخطرِ التعذيبِ، مع الأخذِ في الاعتبارِ جميعِ الظروفِ ذاتِ الصلةِ، بما في ذلك وجودُ نمطٍ ثابتٍ من الانتهاكاتِ الجسيمةِ الصارخةِ لحقوقِ الإنسانِ في الدولةِ المعنيةِ. تُشكّلُ هذه المادةُ ضمانةً حيويةً لطالبي اللجوءِ والأشخاصِ الذين يُواجهون خطرَ الترحيلِ إلى بلدانٍ تُمارسُ فيها التعذيبَ على نطاقٍ واسعٍ، وتُعدُّ محوريةً في عملِ منظماتِ حقوقِ الإنسانِ مثلَ “أفق الحرية” التي تُتابعُ قضايا اللاجئين والفلسطينيين في الشتات، ممن قد يُواجهون خطرَ الإعادةِ القسريةِ إلى مناطقَ لا يُمكنُ ضمانُ سلامتهم فيها.
تفعيل الحماية: التجريم، الولاية القضائية، والمساءلة
المادة الرابعة: تجريم التعذيب في القوانين الوطنية
لتفعيلِ الحظرِ المطلقِ، تُطالبُ المادةُ الرابعةُ الدولَ الأطرافَ باتخاذِ الإجراءاتِ اللازمةِ لتجريمِ أعمالِ التعذيبِ في قوانينها الجنائيةِ الوطنيةِ. تنصُّ المادةُ على أنَّ:
“تتّخذُ كلُّ دولةٍ طرفٍ التدابيرَ اللازمةَ لجعلِ جميعِ أعمالِ التعذيبِ جرائمَ بموجبِ قانونها الجنائي. وينطبقُ الشيءُ ذاتُه على محاولةِ ارتكابِ التعذيبِ، وعلى أيِّ عملٍ من أعمالِ أيِّ شخصٍ يُشكّلُ تواطؤاً أو اشتراكاً في التعذيبِ.”
لا يقتصرُ الأمرُ على تجريمِ الفعلِ الأصليِّ، بل يشملُ أيضاً محاولةَ التعذيبِ والتحريضَ عليه والاشتراكَ فيه. كما تُشدّدُ المادةُ على ضرورةِ أن تكونَ العقوباتُ المُقرّرةُ لهذه الجرائمِ “مناسبةً لخطورتها”، بما يضمنُ تحقيقَ الردعِ العامِ والخاصِ، وعدمَ الإفلاتِ من العقاب.
المادة الخامسة: توسيع نطاق الولاية القضائية
تُعالجُ المادةُ الخامسةُ مسألةَ الولايةِ القضائيةِ، بهدفِ ضمانِ عدمِ إفلاتِ مرتكبي التعذيبِ من العقابِ أينما وُجدوا. تُوجبُ هذه المادةُ على الدولِ الأطرافِ أن تُنشِئَ ولايتها القضائيةَ في حالاتٍ متعددةٍ، منها:
- عندما تُرتكبُ أعمالُ التعذيبِ في أيِّ إقليمٍ يخضعُ لولايتها القضائيةِ.
- عندما يكونُ الجاني المزعومُ من رعايا تلك الدولةِ.
- عندما يكونُ الضحيةُ من رعايا تلك الدولةِ (إذا رأت الدولةُ ذلك مناسباً).
- وعلى نحوٍ بالغِ الأهميةِ، عندما يكونُ الجاني المزعومُ موجوداً في أيِّ إقليمٍ يخضعُ لولايتها القضائيةِ ولا تُسلِّمُه إلى دولةٍ أخرى. يُعرفُ هذا بالمبدأِ “إما المحاكمةُ أو التسليمُ” (Aut Dedere Aut Judicare).
يُساهمُ هذا التوسيعُ في الولايةِ القضائيةِ في تضييقِ الخناقِ على مرتكبي التعذيبِ، ويُعزّزُ مبدأَ عالميةِ العدالةِ.
المواد من السادسة إلى الثامنة: الاحتجاز، المحاكمة أو التسليم
تُشكّلُ الموادُ من السادسةِ إلى الثامنةِ سياقاً متكاملاً لضمانِ المساءلةِ. تُوجبُ المادةُ السادسةُ على الدولةِ التي يوجدُ في إقليمها شخصٌ يُشتبه في ارتكابه للتعذيبِ، أن تُخضِعَه للاحتجازِ أو تتخذَ إجراءاتٍ أخرى لضمانِ وجوده، بعد إجراءِ تحقيقٍ أوليٍّ. وتُلزمُ المادةُ السابعةُ الدولةَ المعنيةَ، بعد الاحتجازِ، إما بمحاكمةِ الجاني المزعومِ، أو تسليمِه إلى دولةٍ أخرى تطلبُ تسليمَه وتتمتعُ بالولايةِ القضائيةِ لمحاكمته. وتُؤكّدُ المادةُ الثامنةُ على أنَّ جرائمَ التعذيبِ تُعدُّ جرائمَ قابلةً للتسليمِ (extraditable offenses) بين الدولِ الأطرافِ في الاتفاقيةِ.
هذه الموادُ تُرسِّخُ مبدأَ عدمِ الإفلاتِ من العقابِ، وتُجبرُ الدولَ على اتخاذِ إجراءاتٍ فعّالةٍ ضدَّ مرتكبي التعذيبِ، أينما كانوا.
ضمانات المنع والإنصاف: حقوق الضحايا وواجبات الدول
المواد العاشرة والحادية عشرة: التدريب والرقابة الوقائية
لا يقتصرُ دورُ الاتفاقيةِ على المعاقبةِ، بل يتعداه إلى المنعِ. تُلزمُ المادةُ العاشرةُ الدولَ الأطرافَ بضمانِ تضمينِ التعليمِ والمعلوماتِ المتعلقةِ بحظرِ التعذيبِ في برامجِ تدريبِ الموظفينَ المكلفينَ بإنفاذِ القانونِ، والأفرادِ العسكريينَ، والعاملينَ في المجالِ الطبيِّ، وغيرهم ممن قد يُشاركونَ في احتجازِ الأشخاصِ أو استجوابهم أو معاملتهم. وتُكمّلُها المادةُ الحاديةَ عشرةَ التي تُطالبُ الدولَ بإجراءِ استعراضٍ منهجيٍّ لقواعدِ وإجراءاتِ الاستجوابِ، وطرقِ الممارسةِ، وترتيباتِ الاحتجازِ، بهدفِ منعِ وقوعِ التعذيبِ.
المواد الثانية عشرة والثالثة عشرة: التحقيق والشكوى
تُؤكّدُ المادةُ الثانيةَ عشرةَ على ضرورةِ أن تُجري الدولُ الأطرافُ “تحقيقاً سريعاً ونزيهاً” كلما وُجدت أسبابٌ معقولةٌ للاعتقادِ بأنَّ عملاً من أعمالِ التعذيبِ قد ارتكبَ في أيِّ إقليمٍ يخضعُ لولايتها القضائية. وهذا واجبٌ لا يتوقفُ على تقديمِ شكوى. أما المادةُ الثالثةَ عشرةَ، فتُعطي الحقَّ لأيِّ شخصٍ يدّعي أنه ضحيةُ تعذيبٍ في تقديمِ شكوى إلى السلطاتِ المختصةِ، وتُلزمُ الدولَ بضمانِ قيامِ تلك السلطاتِ بإجراءِ تحقيقٍ فوريٍّ ونزيهٍ في شكواه. كما تُشدّدُ هذه المادةُ على ضرورةِ حمايةِ المُشتكينَ والشهودِ من أيِّ سوءِ معاملةٍ أو تخويفٍ بسببِ شكواهم.
المادة الرابعة عشرة: جبر الضرر وإعادة التأهيل
تُعدُّ المادةُ الرابعةَ عشرةَ من أهمِّ الموادِّ التي تُركّزُ على حقوقِ الضحايا، إذ تُوجبُ على الدولِ الأطرافِ أن تضمنَ للضحايا الحقَّ في “الجبرِ والتعويضِ العادلِ والكافي”، بما في ذلك وسائلُ إعادةِ التأهيلِ الشاملةِ. وهذا يشملُ التعويضَ الماليَّ، والرعايةَ الطبيةَ والنفسيةَ، والضماناتِ بعدمِ التكرارِ، وغيرها من أشكالِ الجبرِ التي تُساعدُ الضحايا على استعادةِ حياتهم وكرامتهم. إنَّ دورَ منظماتِ المجتمعِ المدنيِّ، ومنها جمعيةُ “أفق الحرية” التي تُقدمُ الدعمَ للأسرى والمحررين، يُصبحُ حاسماً في تيسيرِ وصولِ الضحايا إلى حقوقهم في الجبرِ وإعادةِ التأهيلِ، وتقديمِ الدعمِ القانونيِّ والنفسيِّ اللازمِ لهم.
المادة الخامسة عشرة: عدم الأخذ بالأدلة المنتزعة بالتعذيب
تُقدّمُ المادةُ الخامسةَ عشرةَ ضمانةً إجرائيةً بالغةَ الأهميةِ لعدالةِ المحاكماتِ، فتنصُّ على أنَّ:
“لا يجوزُ الاستشهادُ بأيِّ أقوالٍ يثبتُ أنها انتزعت بالتعذيبِ كدليلٍ في أيةِ إجراءاتٍ، إلا إذا استخدمت كدليلٍ ضدَّ شخصٍ متهمٍ بالتعذيبِ كإثباتٍ للإدلاءِ بهذه الأقوالِ.”
هذا يعني أنَّ الاعترافاتِ أو المعلوماتِ التي تُنتزعُ تحتَ التعذيبِ تُعدُّ باطلةً وغيرَ مقبولةٍ كدليلٍ في المحاكمِ، باستثناءِ استخدامها كدليلٍ على أنَّ التعذيبَ قد وقعَ بالفعلِ على المتهمِ به. هذا المبدأُ يُعزّزُ نزاهةَ العمليةِ القضائيةِ ويُقلّلُ من الحوافزِ على استخدامِ التعذيبِ لانتزاعِ الاعترافاتِ.
المادة السادسة عشرة: منع ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة الأخرى
تُوسّعُ المادةُ السادسةَ عشرةَ نطاقَ حمايةِ الاتفاقيةِ لتشملَ الأفعالَ التي لا ترقى إلى مستوى “التعذيبِ” كما هو مُعرّفٌ في المادةِ الأولى، ولكنها تُشكلُ “ضروباً أخرى من المعاملةِ أو العقوبةِ القاسيةِ أو اللاإنسانيةِ أو المهينةِ”. تُوجبُ هذه المادةُ على الدولِ الأطرافِ منعَ هذه الأفعالِ في أيِّ إقليمٍ يخضعُ لولايتها القضائيةِ، عندما تُرتكبُ من قبلِ موظفٍ عموميٍّ أو أيِّ شخصٍ آخرَ يتصرّفُ بصفةٍ رسميةٍ، أو بتحريضٍ منه أو بموافقته أو سكوته. تُؤكّدُ هذه المادةُ على أنَّ الاتفاقيةَ لا تهدفُ فقط إلى محاربةِ التعذيبِ بأشكالهِ الأكثرِ وحشيةً، بل تسعى أيضاً إلى القضاءِ على أيِّ شكلٍ من أشكالِ سوءِ المعاملةِ التي تُهينُ الكرامةَ الإنسانيةَ.
آليات التطبيق الدولية: لجان اليقظة وحراس الكرامة
لضمانِ فعاليةِ الاتفاقيةِ، نصّت على آليتينِ دوليتينِ رئيسيتينِ لمراقبةِ تنفيذها وتعزيزِ الامتثالِ لها:
لجنة مناهضة التعذيب (CAT Committee)
تُعدُّ لجنةُ مناهضةِ التعذيبِ هيئةَ خبراءَ مستقلينَ تُشرفُ على تنفيذِ الاتفاقيةِ من قبلِ الدولِ الأطرافِ. تتكونُ اللجنةُ من عشرةِ خبراءَ ذوي كفاءةٍ عاليةٍ في مجالِ حقوقِ الإنسانِ، يعملونَ بصفتهم الشخصيةِ. تتمثلُ وظائفُ اللجنةِ الرئيسيةِ في:
- تقارير الدول الأطراف (المادة 19): تُقدمُ الدولُ الأطرافُ تقاريرَ دوريةً إلى اللجنةِ حولَ الإجراءاتِ التي اتخذتها لتنفيذِ الاتفاقيةِ. تُراجعُ اللجنةُ هذه التقاريرَ وتُصدرُ ملاحظاتٍ ختاميةً وتوصياتٍ للدولِ لتحسينِ امتثالها.
- شكاوى الأفراد (المادة 22): إذا قبلت دولةٌ طرفٌ اختصاصَ اللجنةِ بموجبِ المادةِ 22، فيمكنُ للأفرادِ الذين يدّعون أنهم ضحايا انتهاكٍ من قبلِ تلك الدولةِ أن يُقدموا شكاوى فرديةً إلى اللجنةِ. تقومُ اللجنةُ بالنظرِ في هذه الشكاوى وتُصدرُ آراءها، التي وإن لم تكنْ ملزمةً قانونياً، فإنها تحملُ وزناً معنوياً كبيراً وتُشكّلُ ضغطاً على الدولِ.
- شكاوى الدول (المادة 21): إذا قبلت دولتانِ طرفانِ اختصاصَ اللجنةِ بموجبِ المادةِ 21، فيمكنُ لدولةٍ أن تُقدمَ شكوى ضدَّ دولةٍ أخرى بخصوصِ انتهاكاتٍ مزعومةٍ للاتفاقيةِ. هذه الآليةُ نادراً ما تُستخدمُ في الممارسةِ العمليةِ.
- إجراء التحقيق (المادة 20): تُخوّلُ المادةُ 20 اللجنةَ صلاحيةَ إجراءِ تحقيقاتٍ سريةٍ إذا تلقت معلوماتٍ موثوقةً تُشيرُ إلى أنَّ التعذيبَ يُمارسُ على نحوٍ منهجيٍّ في إقليمِ دولةٍ طرفٍ. هذا الإجراءُ
