Skip to content Skip to footer

فاروق رمضان… الرجل الذي لم يولد في لحظة السلاح

قد تختصر الكاميرا حياة إنسان في ثوانٍ قليلة: رجل أعزل وسط فوضى الرصاص، يشتبك مع مستوطن مسلح، ينتزع بندقيته، ثم يسقط قتيلًا. هكذا عرف كثيرون اسم فاروق عدنان علي رمضان عقب أحداث بلدة تِل، جنوب غربي نابلس، في 24 يوليو/تموز 2026.

لكن فاروق لم يبدأ في تلك اللقطة، ولا يجوز أن تنتهي حكايته عندها.

وراء المشهد الذي جاب العالم رجل في الأربعين من عمره، وأب لخمس بنات، وأخ أكبر لسبعة إخوة، ومحاضر جامعي سابق، ومزارع وتاجر صغير، وابن قرية ظل حاضرًا في شؤون أهله قبل أن يصبح اسمه عنوانًا لواحدة من أكثر حوادث الضفة الغربية دموية وإثارة للأسئلة خلال عام 2026.

إن فهم ما جرى في تِل لا يبدأ من لحظة إطلاق النار وحدها، بل من حياة الرجل، ومن البيت الذي أُحرق قبل أيام، ومن الأرض المحاصرة بالبؤر الاستيطانية، ومن اختلال هائل في القوة يجعل الفلسطيني مطالبًا، في كل مرة، بأن يبرهن أن بيته بيت، وأن أرضه أرض، وأن خوفه من المسلح القادم إلى قريته ليس جريمة.

قبل الصورة: معلّم ومزارع وأب لخمس بنات

وُلد فاروق رمضان في الكويت عام 1985. وبحسب والده عدنان رمضان، كان متفوقًا منذ سنواته الدراسية الأولى، ثم اختار دراسة التربية الرياضية في جامعة النجاح الوطنية، رغم رغبة أسرته في أن يتجه إلى الطب أو الهندسة. أنهى مرحلة البكالوريوس في ثلاث سنوات، ثم حصل على درجة الماجستير من الجامعة الأردنية.

عاد بعدها إلى فلسطين وعمل محاضرًا في جامعة النجاح الوطنية، ثم في جامعة فلسطين التقنية–خضوري بين عامي 2012 و2015. ولاحقًا ترك العمل الأكاديمي، واتجه إلى العمل الحر والاهتمام بالأرض والزراعة، فكان يقطف الزيتون وينتج زيته، قبل أن يفتتح متجرًا صغيرًا في مخيم العين بمدينة نابلس لبيع الزيت والزيتون والأجبان والألبان والمنتجات الريفية.

لم يكن ذلك التحول تراجعًا في حياته، بل عودة إلى الجذور: من قاعة المحاضرة إلى الأرض، ومن المعرفة النظرية إلى تعب اليدين، ومن الوظيفة الرسمية إلى رزق يرتبط مباشرة بالزيتون والتراب والناس.

وتصفه أسرته بأنه كان صارمًا في قناعاته، لكنه بالغ الرقة في علاقته بأهله. كان الأخ الأكبر الذي يؤدي دور الأب الثاني، ويتفقد شقيقاته باستمرار، ويقف إلى جانب المحتاجين من أقاربه وجيرانه. وقد ترك خلفه خمس بنات؛ أكبرهن في الرابعة عشرة، وأصغرهن لم تتجاوز عامها الثاني. تلك التفاصيل ليست هامشًا عاطفيًا في القصة؛ إنها جوهرها، لأنها تعيد فاروق من صورة الرجل الذي يحمل البندقية إلى حقيقته الأولى: أب كان عليه أن يعود مساءً إلى خمس طفلات، لكنه لم يعد.

بيتٌ احترق قبل ستة أيام

لم يأتِ صباح 24 يوليو من فراغ.

قبل الحادثة بستة أيام فقط، هاجم عشرات المستوطنين الملثمين الجهة الغربية من بلدة تِل وأحرقوا منزلًا فلسطينيًا بالكامل، إضافة إلى أراضٍ زراعية مجاورة. وتمكنت الأسرة المكونة من خمسة أفراد من مغادرة المنزل قبل أن تلتهمه النيران.

وثّق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية هذا الهجوم، وأشار إلى أن منفذيه يُعتقد أنهم قدموا من محيط بؤرة «حفات جلعاد» الاستيطانية. وفي الليلة السابقة لاستشهاد فاروق، اجتمعت عائلته للتشاور في كيفية مساندة قريبهم الذي أُحرق منزله. كانت سهرة عائلية هدفها ترميم ما خلّفه الاعتداء السابق، لكنها تحولت، من حيث لم يعلم أفرادها، إلى وداع أخير لأربعة من أبنائها.

هذه الواقعة السابقة ضرورية لفهم خوف السكان حين شاهدوا المستوطنين يقتربون مجددًا. فالذاكرة لم تكن تستعيد خطرًا نظريًا أو شائعة بعيدة؛ كانت تستعيد منزلًا احترق قبل أقل من أسبوع، وأسرة خرجت منه في اللحظات الأخيرة.

النداء الأخير

وفق شهادة شقيقته حنان، بدأت التحركات في ساعات الصباح الأولى قرب المنطقة التي يقع فيها منزلها. اتصلت بإخوتها، فوصل فاروق للاطمئنان عليها. وحين حاولت منعه من البقاء خشية تصاعد الخطر، طلب منها دخول المنزل وإغلاق الباب، وقال لها: «نحن معك ولن نتركك».

اصطحبها بعد ذلك إلى منزل العائلة، وأعطاها طعام الإفطار الذي كان قد اشتراه، ثم خرج لاستطلاع ما يحدث في الجهة الأخرى من البلدة. لم يأكل من ذلك الفطور لقمة واحدة. وبعد أقل من نصف ساعة، كان قد قُتل.

قد يبدو هذا التفصيل صغيرًا أمام الدم والرصاص، لكنه أكثر ما يختصر إنسانية الحكاية: رجل يشتري فطوره في صباح عادي، ثم يتركه لشقيقته ويخرج معتقدًا أنه سيعود بعد قليل.

ماذا حدث في تِل؟

تتفق المصادر الأساسية على أن مجموعة من الإسرائيليين دخلت أراضي البلدة، وأن عددًا منهم كان مسلحًا، وأن جنودًا إسرائيليين كانوا موجودين في المكان. واعترف الجيش الإسرائيلي بأن المدنيين الإسرائيليين دخلوا منطقة خاضعة للإدارة الفلسطينية من دون تنسيق أو تصريح، بعدما وصف تحركهم في البداية بأنه «نزهة».

وتُظهر المقاطع المصورة مواجهة متوترة بين سكان البلدة والمجموعة الإسرائيلية. يظهر مسلحون إسرائيليون يدفعون فلسطينيين ويضربون بعضهم بأعقاب البنادق، ثم يبدأ اشتباك جسدي على أحد الأسلحة. وخلال الفوضى، تمكن فاروق رمضان من انتزاع بندقية أحد المستوطنين وأطلق النار منها.

أسفرت المواجهة عن مقتل الإسرائيلي بنياهو ميليت، وهو عضو في فرقة الحماية التابعة لبؤرة «حفات جلعاد»، والرائد في الجيش الإسرائيلي يوفال عزرا، إضافة إلى استشهاد أربعة فلسطينيين من عائلة رمضان: فاروق عدنان علي رمضان، وإبراهيم حسين علي رمضان، وجواد حسين علي رمضان، وعمران أحمد علي رمضان. كما أصيب فلسطينيون آخرون بجروح خطرة.

وصفت إسرائيل ما جرى بأنه «هجوم إرهابي»، بينما قال رئيس مجلس بلدة تِل وسكانها إن المستوطنين دخلوا بهدف الاعتداء على المنازل، وإن الأهالي خرجوا لحماية البلدة. أما مقاطع الفيديو، فقد أثبتت أن الحادثة لم تبدأ بهجوم فلسطيني مخطط له مسبقًا، بل بمواجهة ميدانية اندلعت بعد دخول مجموعة إسرائيلية مسلحة إلى أراضي القرية.

والكتابة الأمينة لا تحتاج إلى إخفاء أن فاروق استخدم السلاح بعد انتزاعه، ولا إلى إنكار سقوط قتيلين إسرائيليين. لكنها ملزمة أيضًا بألّا تبدأ القصة من الطلقة التي أطلقها، متجاهلة المسلح الذي دخل بلدته، والسلاح الذي ضُرب به الأهالي، والمنزل الذي أُحرق قبل أيام، والقوة العسكرية التي كانت حاضرة إلى جانب المقتحمين.

السؤال الحقيقي ليس فقط: من أطلق النار؟ بل أيضًا: من دخل مسلحًا إلى البلدة؟ ومن صنع المواجهة؟ ومن كان قادرًا على الانسحاب، ومن كان يدافع عن المكان الذي يعيش فيه؟

كيف قُتل فاروق؟ رواية جديدة تفتح الأسئلة

في 28 يوليو، نشرت مجلة إسرائيلية، بالتعاون مع «محادثة محلية»، تحليلًا متزامنًا لأربعة مقاطع مصورة من زوايا مختلفة. وخلص التحليل إلى أن فاروق كان قد فقد البندقية وأصبح أعزل في اللحظات التي سبقت مقتله.

تُظهر المقاطع، وفق التحقيق، فاروق يمشي ببطء نحو موقع الجنود من دون سلاح ظاهر في أي من يديه، ثم ينخفض إلى الأرض على مسافة عدة أمتار منهم. وبعد صيحات متكررة من مستوطنين يطالبون بإطلاق النار، يظهر مسلح إسرائيلي بملابس مدنية وهو يطلق النار في اتجاهه. ولم يحسم التحقيق بصورة قاطعة هوية من أطلق الرصاصات القاتلة، لكنه قال إن الأدلة المصورة تناقض الادعاء بأنه قُتل فورًا وهو ينفذ إطلاق النار.

الجيش الإسرائيلي لم يقدم إجابات تفصيلية عن تلك المشاهد، وقال إن ملابسات الحادثة لا تزال قيد التحقيق. كما أفادت تقارير نقلًا عن هيئة البث الإسرائيلية «كان» بأن التحقيق العسكري يرجّح احتمال مقتل الرائد يوفال عزرا بنيران إسرائيلية، لا برصاص فلسطيني. 

هذه المعطيات لا تمثل بعد نتيجة قضائية نهائية، لكنها تفرض سؤالًا بالغ الخطورة: كيف تحولت رواية غير مكتملة، وفيها احتمال جدي لإطلاق نار إسرائيلي على إسرائيليين، إلى أساس لعقوبات واسعة على عائلة وبلدة ومدن بأكملها قبل اكتمال التحقيق؟

أربعة رجال من عائلة واحدة

خسرت عائلة رمضان أربعة من أبنائها في صباح واحد. لم يكن إبراهيم وجواد وعمران أسماء ثانوية في قصة فاروق، بل كانوا جزءًا من النسيج العائلي نفسه؛ أبناء عمومة نشأوا قريبين من بعضهم، وظل فاروق، بوصفه الأكبر، مرجعًا لهم في شؤونهم وقراراتهم.

وفي اللحظة التي انتشرت فيها صورة فاروق، كانت العائلة تواجه خسارتها دفعة واحدة: أربعة قتلى، ومصابون، واعتقالات طالت أفرادًا آخرين. اقتحمت القوات الإسرائيلية مستشفى نابلس التخصصي، واعتقلت مصابًا وأحد مرافقيه، فيما تعرض طاقم المستشفى والمرضى للاستجواب والتقييد لساعات، وفق إدارة المستشفى.

حتى الوداع لم يُترك للعائلة كما تريده. شُيعت جثامين الشهداء الأربعة قرابة الواحدة فجر 25 يوليو، في مراسم محدودة العدد بسبب الحصار والقيود العسكرية، فلم تستطع البلدة أن تودع أبناءها في جنازة شعبية تليق بحجم فاجعتها. 

في ذلك الفجر، لم تكن العائلة تدفن أربعة رجال فقط؛ كانت تدفن جزءًا من بنيتها الداخلية: أخًا أكبر، وأبًا، وأبناء عمومة، وأصحاب بيوت وأطفال وأعمال وأحلام لم تحصل على فرصة الوداع.

العقاب بدأ قبل اكتمال التحقيق

بعد الحادثة، فُرض طوق عسكري على تِل ومداخل نابلس. وفي اليوم التالي، قال الجيش الإسرائيلي إنه استجوب ثمانين شخصًا من منطقة البلدة واعتقل أحد عشر منهم، بينما تحدث رئيس المجلس المحلي عن احتجاز عشرات السكان داخل منزل حُوّل إلى مركز تحقيق ميداني.

داهمت القوات المنازل، وقيّدت حركة السكان، ثم دخلت منزل فاروق وأخذت قياساته تمهيدًا لهدمه. وهكذا انتقلت العقوبة من الرجل الذي قُتل إلى زوجته وبناته الخمس؛ فبعد أن فقدن الأب، وُضع البيت نفسه في دائرة الاستهداف.

وعلى المستوى السياسي، أمر بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس بتعزيز القوات والحواجز، ومصادرة أسلحة، وسحب تصاريح عمل، وهدم منزل فاروق، وتوسيع العمليات العسكرية. والأخطر أن الحكومة أعلنت تسريع «شرعنة» بؤر استيطانية وإقامة بؤر جديدة ردًا على الحادثة.

تكشف هذه القرارات عن مفارقة قاسية: دخل مستوطنون مسلحون إلى بلدة فلسطينية من دون تصريح، فانتهت الحادثة بإعلان إجراءات عقابية ضد البلدة، وبمكافأة المشروع الاستيطاني نفسه من خلال التعهد بتوسيع البؤر.

أي إن القرية لم تعاقَب فقط بالحصار والاعتقالات وهدم البيت؛ بل هُددت أيضًا بمزيد من الاستيطان حولها.

«حفات جلعاد» ليست مجرد خلفية جغرافية

لا يمكن قراءة أحداث تِل من دون فهم موقع بؤرة «حفات جلعاد» في المشهد.

أُقيمت البؤرة عام 2002 على أراضٍ فلسطينية خاصة، وتعرضت في سنواتها الأولى لعمليات إخلاء، لكنها تحولت تدريجيًا إلى أمر واقع تقيم فيه عشرات العائلات. وعلى الرغم من محاولات الحكومة الإسرائيلية تنظيم وضعها، فإنها لم تكن، حتى ما قبل الأحداث، مشروعة بالكامل وفق القانون الإسرائيلي نفسه، فضلًا عن عدم قانونية المستوطنات في الأراضي المحتلة وفق القانون الدولي.

وفي سبتمبر/أيلول 2025، أعلنت الإدارة المدنية الإسرائيلية نحو 455.6 دونمًا من أراضي تِل وجيت وفرعتا «أراضي دولة» بذريعة تنظيم وضع البؤرة. لكن حركة «السلام الآن» الإسرائيلية أوضحت أن معظم الأراضي المعلنة تقع بعيدًا عن مباني البؤرة القائمة، ورأت في الخطوة تمهيدًا لإنشاء مستوطنة إضافية، لا مجرد تسوية قانونية للبناء الموجود. 

من هنا، لا تبدو أحداث 24 يوليو انفجارًا منفصلًا، بل لحظة مكثفة في صراع طويل على الأرض: بؤرة تتوسع، وأراضٍ يعاد تصنيفها، ومستوطنون يدخلون الحقول والقرى، وسكان يشعرون بأن حدود بيوتهم تنكمش كل يوم.

لقد عاش فاروق من زيت الأرض ومنتجاتها. وحين خرج في صباحه الأخير، لم يكن يدافع عن فكرة مجردة؛ كان يقف في المكان نفسه الذي كوّن رزقه وهويته وعلاقته بأسرته.

تِل ليست استثناءً

قبل أربعة أيام فقط من الحادثة، أفاد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية بأن عدد الفلسطينيين الذين قُتلوا في أحداث مرتبطة بهجمات المستوطنين خلال 2026 تجاوز حصيلة عام 2025 كله.

وحتى 20 يوليو، وثّق المكتب أكثر من 1,330 هجومًا لمستوطنين أدى إلى إصابات أو أضرار في الممتلكات، وطالت الاعتداءات نحو 250 تجمعًا فلسطينيًا، بمعدل يزيد على ستة اعتداءات يوميًا. كما أصيب نحو 880 فلسطينيًا في سياق تلك الهجمات منذ مطلع العام.

كانت هذه الأرقام سابقة لمقتل أبناء عائلة رمضان الأربعة.

لذلك فإن مأساة تِل لم تكن خروجًا مفاجئًا عن حالة مستقرة؛ كانت ذروة مرئية لمسار يتصاعد منذ شهور. الفارق أن الكاميرات كانت حاضرة هذه المرة، وأن رجلًا فلسطينيًا تمكن لثوانٍ من انتزاع الأداة التي استُخدمت لترهيبه، فانقلبت صورة القوة أمام العدسة.

لماذا أصبح فاروق رمزًا؟

لم يصبح فاروق حاضرًا في الذاكرة الفلسطينية لأنه كان يبحث عن بطولة. ما جعله رمزًا هو أن سيرته قبل الحادثة كانت سيرة رجل عادي بمعناها النبيل: درس، ودرّس، وزرع، وباع زيت بلاده، وربّى بناته، واعتنى بأخواته، ووقف إلى جانب المحتاجين.

وعندما وصل الخطر إلى محيط أسرته، تصرف وفق ما رآه واجبًا مباشرًا تجاه أهله. لم يخرج من منزله بسلاح، ولم تُظهر الوقائع المتاحة أنه خطط لعملية مسبقة. السلاح الذي ظهر في يديه لم يحمله معه؛ انتزعه في لحظة اشتباك من مسلح دخل إلى أرض بلدته.

لهذا تجاوزت صورته حدود تِل. لقد اختصرت شعورًا فلسطينيًا متراكمًا: أن الإنسان قد يظل أعزل سنوات طويلة أمام قوة تتقدم إلى أرضه، ثم يُدان حين يحاول، في لحظة فاصلة، أن يوقفها.

ومع ذلك، فإن أعمق ما في قصته ليس البندقية. البندقية ظهرت في يده دقائق، أما أثره الحقيقي فصنعه خلال أربعين عامًا: في الجامعة، وفي الأرض، وفي متجر المنتجات الريفية، وفي البيوت التي دخلها حاملًا ما يستطيع تقديمه للمحتاجين، وفي المكالمات الصباحية التي اعتادت شقيقاته انتظارها، وفي حياة خمس بنات سيكبرن واسم والدهن يسبق قدرتهن على استيعاب غيابه.

ما بقي بعد الصباح

بقي متجر صغير لن يفتحه صاحبه.

بقيت أرض زيتون تعرف وقع قدميه، لكنها لن تراه في موسم القطاف المقبل.

بقي منزل مهدد بالهدم، كأن انتزاع الأب من أسرته لم يكن كافيًا، وكأن على بناته أن يخسرن الجدران بعد أن خسرن السند.

وبقي فطور لم يأكله، تركه لشقيقته قبل أن يخرج للمرة الأخيرة.

لا يحتاج فاروق رمضان إلى أن يتحول إلى أسطورة كي تكون قصته عظيمة ومؤلمة. تكفي حقيقته الإنسانية: رجل خرج لأن شقيقته كانت خائفة، ولأن أقرباءه كانوا في الخطر، ولأن مسلحين دخلوا البلدة التي ولد فيها انتماؤه وإن لم يولد فيها جسده.

لقد استشهد فاروق وإلى جانبه إبراهيم وجواد وعمران، لكن السؤال الذي تركوه لم يُدفن معهم: ماذا يُنتظر من الإنسان حين يرى الخطر يدخل إلى بيته مسلحًا؟ وهل يصبح الدفاع عن العائلة والأرض جريمة لمجرد أن صاحب البيت هو الطرف الأضعف؟

في تِل، لم تكن الحكاية حكاية بندقية انتُزعت فحسب؛ كانت حكاية حق انتُزع طويلًا، وأمان تآكل، وأرض ضاقت بأصحابها، ورجل وجد نفسه في لحظة لم يخترها، لكنه اختار فيها ألّا يترك أهله وحدهم.

رحل فاروق رمضان، وبقيت كلماته الأخيرة لشقيقته تختصر الرجل كله:

لا تخافي… نحن معك ولن نتركك.

Leave a comment

0.0/5

مرحبًا، كيف يمكننا مساعدتك اليوم؟