Skip to content Skip to footer

الضفة الغربية تحت الإغلاق: حين تصبح الطريق إلى الحياة… معركة

في الضفة الغربية، لا يشبه الحصار صورته التقليدية دائمًا. لا توجد أسلاك شائكة تحيط بكل مدينة من الجهات الأربع، ولا إعلان واحد يقول إن ملايين الناس باتوا محاصرين. هنا يُبنى الحصار قطعةً قطعة: بوابة حديدية عند مدخل قرية، حاجز مفاجئ على الطريق، مستوطنة تتمدد فوق تل، تصريح عمل يُسحب، سيارة إسعاف تُوقَف، أرض لا يستطيع صاحبها الوصول إليها، واقتحام يبدأ بعد منتصف الليل ولا يعرف أحد متى ينتهي.

إنه حصار لا يغلق المكان فقط، بل يصادر الزمن أيضًا.

زمن المريض وهو ينزف خلف الحاجز. زمن العامل الذي ينتظر ولا يعرف إن كان سيصل إلى عمله. زمن الطالب الذي يبدأ امتحانه قبل أن يبلغ جامعته. زمن الأم التي تلد في سيارة لأن الطريق إلى المستشفى تحوّلت إلى منطقة عسكرية. وزمن قرية كاملة تبيت وهي تترقب أضواء المركبات القادمة من المستوطنات المحيطة بها.

لهذا لا يمكن فهم الأحداث الأخيرة في نابلس والضفة الغربية بوصفها سلسلةً من الوقائع المنفصلة: اشتباك هنا، واقتحام هناك، ومنزل يُحرق في قرية بعيدة. ما يجري هو تراكبٌ بين قوة الاحتلال العسكرية، وعنف المستوطنين، والإغلاق الجغرافي، والتوسع الاستيطاني؛ بحيث يتحول الضغط على الفلسطيني من حادث طارئ إلى نظام حياة دائم.

تِل: البلدة التي كشفت ما هو أوسع منها

في 24 تموز/يوليو 2026، دخلت مجموعة من الإسرائيليين، كان بين أفرادها مسلحون، إلى أطراف بلدة تِل جنوب غربي نابلس من دون تنسيق مسبق مع الجيش، وفي منطقة يُحظر على الإسرائيليين دخولها وفق التقسيمات الناشئة عن اتفاقيات أوسلو. تقول الرواية الإسرائيلية إن المجموعة كانت في «نزهة»، وإن فلسطينيًا انتزع بندقية أحد أفراد الأمن وأطلق النار. أما الرواية الفلسطينية فتقول إن مستوطنين هاجموا البلدة وممتلكات سكانها، وإن الأهالي خرجوا للدفاع عن بيوتهم.

وسط الفوضى وإطلاق النار، قُتل أربعة فلسطينيين من عائلة رمضان: فاروق عدنان، وإبراهيم يوسف، وجواد مروان، وعمران جهاد رمضان. كما قُتل إسرائيليان، أحدهما جندي والآخر عضو في فرقة أمنية تابعة لمستوطنة قريبة. بقيت تفاصيل إطلاق النار وتسلسله محل نزاع وتحقيق، لكن النتيجة الإنسانية لم تكن موضع خلاف: ستة قتلى، وبلدة صغيرة تحولت خلال دقائق إلى مركز عملية عسكرية واسعة. وقد أقرت تقارير إسرائيلية بأن دخول المجموعة إلى المنطقة لم يكن منسقًا، فيما قال مسؤولون فلسطينيون إن المواجهة بدأت بمحاولة السكان صدّ هجوم على بلدتهم.

لكن المأساة لم تتوقف عند القتلى.

أعلنت الحكومة الإسرائيلية بعد الحادثة عملية عسكرية وصفتها بأنها «واسعة» لمكافحة الإرهاب. أُغلقت مداخل نابلس، ونُصبت حواجز جديدة، واقتحمت القوات بلدات وقرى عدة، واعتُقل أكثر من سبعين فلسطينيًا، وفُتشت أكثر من ثلاثمئة نقطة وموقع. وفي تِل وحدها، قال الجيش إنه استجوب نحو ثمانين شخصًا واعتقل أحد عشر منهم.

وامتدت العملية إلى مستشفى نابلس التخصصي، حيث قال مديره إن عشرات الجنود اقتحموا أقسامه، وقيّدوا وحققوا مع أفراد من الطاقم والمرضى، ثم اعتقلوا فلسطينيًا مصابًا بجروح خطرة. وبذلك لم يعد المستشفى فضاءً محميًا يلجأ إليه الجريح، بل دخل هو الآخر في دائرة الاقتحام والاعتقال والخوف.

المغزى الأعمق هنا أن العقوبة اتسعت قبل أن تستقر الحقيقة. من اشتباه يتعلق بأفراد، انتقلت الإجراءات إلى مدينة وقرى ومئات آلاف السكان. أغلقت الطرق، وعُطلت المصالح، واقتُحمت البيوت، وأصبح سكان منطقة بأكملها مطالبين بدفع ثمن واقعة لم تتضح جميع تفاصيلها بعد.

الجنين الذي لم يصل إلى نابلس

أقسى ما يكشفه الحصار ليس عدد البوابات، بل ما يحدث خلفها.

في 27 تموز/يوليو، كانت امرأة فلسطينية في الثامنة والعشرين من عمرها، حاملًا في شهرها السادس، تنزف بصورة خطرة داخل سيارة إسعاف متجهة من قريوت إلى مستشفى رفيديا في نابلس. وبحسب رواية المسعف الذي رافقها، أوقفت القوات الإسرائيلية السيارة عند حاجز عورتا، واحتجزت الطاقم، وأمرت بإطفاء المركبة وما فيها من أجهزة، ولم تسمح لها بالعبور إلا بعد نحو ساعة.

وصلت المرأة إلى المستشفى. نجت بعد عملية جراحية، لكن جنينها وُلد ميتًا.

وفي الأيام نفسها، قالت منظمة «أطباء لحقوق الإنسان–إسرائيل» إن امرأتين اضطرتا إلى الولادة خلال الطريق بسبب إغلاق مداخل نابلس، وإن امرأة أخرى وضعت مولودها في عيادة قروية بعد تعذر نقلها إلى المستشفى. كما تلقت المنظمة بلاغات عن مرضى غسيل كلى علقوا عند الحواجز وعن سيارات إسعاف أُجبرت على العودة.

هذه الوقائع ليست تفصيلًا جانبيًا في قصة «أمنية». إنها الاختبار الأخلاقي والقانوني لأي إجراء يُبرَّر بالأمن: ماذا يفعل بالمريض؟ ماذا يفعل بالأم التي تنزف؟ هل يميّز بين شخص مطلوب ومجتمع كامل؟ وهل تبقى حماية الحياة أولوية عندما يتحول الطريق إلى المستشفى إلى متاهة من البنادق والبوابات؟

حين يُغلَق مدخل مدينة، لا تُغلَق السيارات وحدها. تتعطل غرف العمليات، ومواعيد العلاج الكيميائي، وجلسات غسيل الكلى، وولادات النساء، وتدفق الأدوية والدم والطواقم الطبية. وفي تلك اللحظة لا يعود الحاجز جسمًا من الحديد والإسمنت؛ يصبح قرارًا يحدد من يصل في الوقت المناسب، ومن يصل بعد فوات الأوان.

نابلس: مدينة تُحاصَر من أطرافها

عرفت نابلس الاقتحامات والحواجز منذ عقود، لكن ما يتغير هو كثافة الإغلاق واتساع أثره وسرعة تحوله إلى حالة طبيعية. فالمدينة ليست مركزًا سكانيًا معزولًا؛ إنها المستشفى والجامعة والسوق ومكان العمل لعشرات القرى والبلدات المحيطة بها. وإغلاق مداخلها لا يحاصر سكانها وحدهم، بل يقطع شبكة الحياة التي تربط شمال الضفة ووسطها.

الحصار هنا يعمل مثل تضييق الشرايين: قد تبقى المدينة قائمة، وتبقى المحال مفتوحة جزئيًا، لكن حركة الناس والبضائع والخدمات تتباطأ حتى يصبح كل نشاط يومي عملية تفاوض مع المجهول.

العامل لا يعرف إن كان الحاجز سيُفتح قبل انتهاء دوامه. التاجر لا يعرف متى تصل البضاعة وكم ستتكلف الرحلة الطويلة البديلة. المزارع لا يستطيع ضمان بلوغ أرضه في موعد القطاف. الطالب يخرج قبل ساعات من محاضرته. والعائلة تؤجل زيارة قريبها لأنها لا تستطيع توقع طريق العودة.

هذا النوع من الحصار لا ينتج مشهدًا دراميًا واحدًا تلتقطه الكاميرات؛ إنه ينتج استنزافًا يوميًا صامتًا. والضرر الذي يصنعه لا يُقاس بعدد ساعات الإغلاق وحدها، بل بالخوف وعدم اليقين وانهيار القدرة على التخطيط للمستقبل.

925 عائقًا: هندسة لتقطيع المكان

وفق مسح نشره مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في نيسان/أبريل 2026، كان في الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، 925 حاجزًا وعائقًا للحركة حتى نهاية 2025، تقيد بصورة دائمة أو متقطعة حركة نحو 3.4 ملايين فلسطيني. ويمثل هذا الرقم ارتفاعًا بنسبة 43 في المئة عن المتوسط السنوي خلال العشرين عامًا السابقة.

تشمل هذه المنظومة 89 حاجزًا مأهولًا على مدار الساعة، و218 حاجزًا جزئيًا، و232 بوابة طريق، إضافة إلى السواتر الترابية والمكعبات الإسمنتية والخنادق والإغلاقات الخطية. ويعوق 459 من هذه الحواجز الاتصال بين المدن والقرى الفلسطينية والطرق الرئيسية، فيما يقطع 121 منها الوصول إلى شارع 60، الشريان الرئيسي الممتد من شمال الضفة إلى جنوبها.

هذه ليست خريطة طرق فحسب؛ إنها خريطة قوة.

فالطرف الذي يملك مفتاح البوابة يملك القدرة على إعادة ترتيب يوم مجتمع كامل. يستطيع أن يجعل المسافة القصيرة رحلة طويلة، وأن يحول الوصول إلى الأرض أو المدرسة أو المستشفى من حق طبيعي إلى استثناء يحتاج إلى إذن.

وتقول إسرائيل إن هذه القيود ضرورية لمواجهة تهديدات أمنية ومنع الهجمات. وحماية المدنيين، فلسطينيين كانوا أم إسرائيليين، حق لا جدال فيه. لكن القانون الدولي لا يمنح الحق في الأمن معنى مفتوحًا يسمح بفرض عقوبات غير محددة على جماعات سكانية بأكملها؛ فالقيود يجب أن تكون مرتبطة بضرورة أمنية محددة، ومتناسبة، وألا تحرم السكان الواقعين تحت الاحتلال من الرعاية الصحية والتعليم والعمل والحياة العائلية.

المشكلة ليست في وجود نقطة تفتيش واحدة مرتبطة بخطر آني، بل في تحول الاستثناء إلى بنية دائمة: بوابات تتكاثر، وحواجز تُفتح وتُغلق بلا مواعيد معلومة، وطرق منفصلة، وتصاريح متغيرة، وجغرافيا فلسطينية تُجزأ إلى جزر لا يضمن سكانها حرية الانتقال بينها.

تِل لم تبدأ في 24 تموز

إذا نُظر إلى حادثة تِل بمعزل عن تاريخ البلدة القريب، فقد تبدو انفجارًا مفاجئًا. لكن العودة عدة أشهر إلى الوراء تكشف تراكمًا متواصلًا.

في شباط/فبراير 2026، أُضرمت النار في مسجد أبي بكر الصديق في تِل، وكُتبت على جدرانه عبارات عنصرية وانتقامية. وأظهرت تسجيلات كاميرات المراقبة، وفق تقرير لوكالة أسوشيتد برس، شخصين يحملان الوقود ومواد الطلاء.

وفي 18 تموز/يوليو، أي قبل ستة أيام من المواجهة الدامية، وثّقت الأمم المتحدة هجوم نحو أربعين مستوطنًا ملثمًا، يُعتقد أنهم قدموا من مستوطنة «حفات جلعاد»، على الجهة الغربية من البلدة. أُحرق منزل بالكامل، ولم تنجُ الأسرة المكونة من خمسة أفراد إلا لأنها غادرته قبل دقائق من انتشار النيران. كما أُحرقت أراضٍ زراعية مجاورة.

وفي خلفية ذلك كله صراع على الأرض. فقد وثقت حركة «السلام الآن» الإسرائيلية إعلان الإدارة المدنية في أيلول/سبتمبر 2025 نحو 455 دونمًا من أراضي تِل وجيت وفرعتا «أراضي دولة»، ضمن خطوة قالت الحركة إنها تهدف إلى شرعنة «حفات جلعاد» وتوسيع السيطرة الاستيطانية في المنطقة.

لذلك لم يكن 24 تموز بداية القصة. كان اللحظة التي خرج فيها تراكم طويل من الخوف والاعتداءات وحرق الممتلكات والزحف على الأرض إلى مواجهة دموية مفتوحة.

من يحمي القرية عندما يأتي الخطر؟

في كثير من القرى الفلسطينية، لا يتمثل السؤال الأكبر في وقوع هجوم للمستوطنين فقط، بل في طبيعة رد القوة العسكرية التي تسيطر على المكان.

بالنسبة إلى سكان القرية، قد يبدأ المشهد بمستوطنين مسلحين يدخلون الأرض أو يهاجمون منزلًا، ثم يصل الجيش فيجد الفلسطيني نفسه بين جهتين مسلحتين. وعندما تنتهي المواجهة، كثيرًا ما تبدأ المداهمات والاعتقالات والتحقيقات الميدانية داخل المجتمع الفلسطيني نفسه.

هذا التداخل هو ما يجعل التمييز النظري بين «عنف المستوطنين» و«إجراءات الجيش» أقل وضوحًا في التجربة اليومية للسكان. فالمستوطن قد يهاجم، والجيش قد يغلق الطريق، ثم تأتي الجرافة أو أوامر الهدم أو مصادرة الأرض، بينما يبقى الفلسطيني مطالبًا بإثبات أنه كان يدافع عن منزله لا يهاجم غيره.

وفي 29 تموز/يوليو، قال مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان إن المستوطنين والقوات الإسرائيلية «غالبًا ما يعملون معًا» في مهاجمة التجمعات المحلية، والاعتداء على العائلات، وإتلاف الممتلكات ومصادرتها وحرق المساجد. كما حذر من اتساع ضم الأراضي الفلسطينية ومن الدعوات العلنية إلى الانتقام والعقاب الجماعي.

لا يعني ذلك أن كل مستوطن جندي أو أن المسؤوليات القانونية متطابقة، لكنه يعني أن الفلسطيني الذي يتعرض للهجوم يعيش أثر الحلقات مجتمعة: مستوطن مسلح، ثم حاجز عسكري، ثم اعتقال، ثم احتمال خسارة الأرض.

منازل ومساجد وأشجار في دائرة الانتقام

بعد أحداث تِل، لم يقتصر العنف على البلدة. امتدت هجمات المستوطنين إلى قرى أخرى، وأُحرقت منازل ومركبات وأراضٍ زراعية وأشجار زيتون. وفي 26 تموز/يوليو، أُحرقت أجزاء من مسجد قيد الإنشاء في قصرة جنوب نابلس، ومسجد آخر في قرية كور جنوب طولكرم، وكُتبت عبارات انتقامية وعنصرية على الجدران. كما أُبلغ عن إحراق منزل في بيت فوريك ومعدات في منشأة فلسطينية شرقي رام الله.

وتكشف لغة الأهداف طبيعة الرسالة: المنزل يمثل الأمان، والمسجد يمثل الذاكرة والروح، وشجرة الزيتون تمثل الصلة بين العائلة وأرضها. حين تُستهدف العناصر الثلاثة معًا، لا يكون المقصود إحداث خسارة مادية فقط، بل إشعار المجتمع بأن وجوده ذاته بات مكلفًا وغير مأمون.

وبحسب الأمم المتحدة، سُجل منذ مطلع 2026 أكثر من 1,330 اعتداءً للمستوطنين أسفر عن إصابات أو أضرار في الممتلكات أو كليهما، موزعة على نحو 250 تجمعًا فلسطينيًا، بمعدل يزيد على ستة اعتداءات يوميًا. وحتى 25 تموز/يوليو، قتلت القوات الإسرائيلية أو المستوطنون 77 فلسطينيًا خلال العام، بينهم 18 طفلًا، بينما قُتل ثلاثة إسرائيليين على أيدي فلسطينيين خلال الفترة نفسها.

الأرقام ضرورية لإدراك الحجم، لكنها تخفي التفاصيل: كل «اعتداء» في الجدول قد يكون أسرة استيقظت على النار، أو راعيًا خسر قطيعه، أو مزارعًا لم يعد يستطيع بلوغ بئره، أو طفلًا رأى أباه يُضرب أمامه.

حين تتحول المواجهة إلى بؤرة استيطانية

من أخطر القرارات التي أعقبت أحداث تِل إعلان الحكومة الإسرائيلية تسريع إجراءات شرعنة ما يُسمى «المزارع» والبؤر الاستيطانية، وإنشاء بؤر جديدة. ووصف الأمين العام للأمم المتحدة هذه الخطوات بأنها انتهاك صارخ للقانون الدولي، مؤكدًا أن المستوطنات والبؤر لا تتمتع بأي شرعية قانونية. 

هنا تقع القفزة الأخطر: أن تتحول حادثة أمنية، ما زالت تفاصيلها موضع تحقيق، إلى أداة لإعادة رسم الجغرافيا.

فعوضًا عن حصر المسؤولية في الأفراد الذين تثبت إدانتهم بعد تحقيق مستقل، تصبح القرية كلها موضوعًا للعقوبة؛ يُهدد منزل عائلة بالهدم، وتُسحب تصاريح عمل، وتُغلق الطرق، ثم تُسرع إقامة بؤر على الأرض المحيطة.

بهذه الطريقة يتحول الدم إلى قرار تخطيط، والخوف إلى طريق استيطاني، والانتقام إلى أمر واقع يصعب التراجع عنه. والحادثة التي كان ينبغي أن تخضع لتحقيق ومساءلة تصبح ذريعة لإجراء دائم يغير ملكية الأرض ومستقبلها.

هذا هو الفارق بين عنف عابر ومنظومة اقتلاع: العنف العابر ينتهي بانتهاء الهجوم، أما المنظومة فتستخدم الهجوم لتغيير المكان نفسه.

التهجير الذي لا يحتاج إلى شاحنات

ليس التهجير دائمًا قرارًا مكتوبًا يأمر السكان بالمغادرة. قد يتحقق ببطء، حين تصبح البقاء في الأرض أكثر خطرًا وكلفة من الرحيل عنها.

يبدأ الأمر ببؤرة صغيرة فوق تل. ثم يُمنع الرعاة من الوصول إلى المراعي. تُهاجم الأغنام، ويُتلف خزان المياه، ويُغلق الطريق الزراعي، ويُحرق منزل أو مركبة. وبعد ذلك تعجز الأسرة عن إعالة نفسها أو حماية أطفالها، فتغادر وهي تبدو، على الورق، كأنها اتخذت قرارًا «طوعيًا».

لكن أي اختيار يبقى حرًا عندما تُسلب من الإنسان المياه والأرض والأمان؟

بين كانون الثاني/يناير 2023 و6 تموز/يوليو 2026، تعرض 123 تجمعًا فلسطينيًا للتهجير الكامل أو الجزئي بسبب اعتداءات المستوطنين والقيود المرتبطة بها. وأُفرغ 47 تجمعًا بالكامل. وتجاوز عدد المهجرين 6,200 فلسطيني، بينهم أكثر من ثلاثة آلاف طفل، فيما وقع تهجير أكثر من 2,300 شخص خلال 2026 وحده.

إنها عملية تغيير ديمغرافي لا تحتاج في كل مرة إلى أمر طرد رسمي. يكفي أن تُجعل الحياة غير قابلة للاستمرار.

المخيمات التي طال انتظار عودتها

في شمال الضفة، يحمل التهجير صورة أخرى. فقد بقي أكثر من 33 ألف لاجئ فلسطيني من مخيمي طولكرم ونور شمس في حالة نزوح مطوّل، وفق تقرير الأمم المتحدة الصادر في تموز/يوليو، وسط احتياجات كبيرة إلى المأوى وعجز في التمويل الإنساني.

المخيم الذي وُلد أصلًا من تجربة لجوء سابقة يتعرض اليوم لنزوح جديد. والعائلة التي احتفظت بمفتاح بيتها الأول تجد نفسها تحمل مفتاح بيت ثانٍ لا تعرف متى تستطيع الرجوع إليه.

وحين يطول النزوح، لا يبقى مؤقتًا. يبدأ الأطفال مدارس جديدة، وتفقد الأسرة دخلها، ويتعرض المنزل المتروك للتدمير أو النهب، وتضعف شبكة الجيران والأقارب التي كانت تسند الحياة اليومية. ومع مرور الوقت، يتحول غياب السكان إلى واقع يسهل تثبيته، وكأن إفراغ المكان قد أصبح مقدمة لإعادة تعريفه.

إن أخطر ما في النزوح المطوّل أنه يجعل العودة وعدًا غامضًا، بينما يستمر الواقع الجديد في البناء على الأرض كل يوم.

الاقتصاد المنهك: عندما يصبح الحاجز ضريبة على الفقراء

لا تُدمَّر المجتمعات بالقنابل وحدها. يمكن إنهاكها عبر الوقت والبطالة وانعدام اليقين.

العامل الذي ينتظر ثلاث ساعات عند الحاجز يدفع ضريبة من عمره ومن أجره. المزارع الذي لا يصل إلى أرضه في موسم الزيتون يفقد محصول عام كامل. التاجر الذي يسلك طريقًا أطول يدفع وقودًا وتكاليف إضافية، ثم ينقلها إلى المستهلك. والطبيب الذي يتأخر عن المستشفى لا يخسر موعدًا فحسب؛ قد يخسر مريضه فرصة العلاج.

يتراكم هذا كله داخل اقتصاد محدود أصلًا، يعتمد على حركة الأشخاص والبضائع بين مدن متقاربة جغرافيًا لكنها متباعدة بفعل الحواجز. لا يستطيع صاحب مشروع أن يخطط للتوريد، ولا العامل أن يضمن دخله، ولا الأسرة أن تضع ميزانية مستقرة.

وهكذا يعمل الحصار بوصفه أداة إفقار أيضًا. فهو لا يمنع الحركة فحسب، بل يرفع كلفة الحياة حتى تصبح أبسط الاحتياجات عبئًا: الوقود، والمواصلات، والعلاج، والتعليم، والوصول إلى الماء.

القمع غير المرئي: كيف يسكن الخوف داخل الإنسان؟

هناك أضرار لا تظهر في بيانات الضحايا.

الطفل الذي يسمع اقتحام البيت ليلًا قد لا يُصاب برصاصة، لكنه يتعلم أن الباب لا يحميه. الأم التي يخرج ابنها إلى العمل لا تعرف إن كان سيتصل ليقول إنه عالق عند حاجز أم معتقل في اقتحام. المزارع الذي يرى المستوطنين قرب أرضه يبدأ بتقليص مساحة حركته قبل أن يصدر أي أمر رسمي بمنعه.

وهنا يصل القمع إلى أكثر مستوياته عمقًا: حين يبدأ الإنسان بفرض القيود على نفسه خوفًا مما قد يحدث.

يتجنب طريقًا، يؤجل زيارة، يترك أرضًا، يرفض وظيفة بعيدة، يمنع أبناءه من الاقتراب من أطراف القرية. تتحول خريطة الوطن في وعيه إلى خريطة احتمالات للخطر: هنا حاجز، وهناك بوابة، وفوق ذلك التل بؤرة، وفي هذه الطريق قد يهاجم المستوطنون المركبات.

إنها محاولة لجعل الفلسطيني يعيش داخل مساحة نفسية أضيق من مساحة وطنه؛ أن يشعر أن أي حركة خارج الدائرة الصغيرة المسموح بها مغامرة قد تنتهي بإهانة أو اعتقال أو موت.

الأمن لا يبرر العقوبة الجماعية

لقد قُتل إسرائيليون في الضفة الغربية، وتعرض مدنيون وعسكريون لهجمات فلسطينية، وهذه الأرواح ليست أقل قيمة. ومن حق كل إنسان أن يعيش آمنًا بلا خوف من القتل.

لكن الاعتراف بهذا الحق لا يبرر تحميل مجتمع كامل مسؤولية فعل أفراد. فجوهر القانون ليس ترتيب البشر بحسب هوياتهم، بل حماية الجميع ومنع الانتقام الجماعي.

إذا كان المتهم فردًا، فلا يجوز أن تصبح قريته متهمة. وإذا كانت هناك ضرورة لاعتقال شخص، فلا ينبغي أن يتحول ذلك إلى حرمان آلاف الناس من المستشفى والعمل. وإذا وقع اشتباك، فلا يجوز استخدامه مسوغًا لإحراق المساجد أو توسيع المستوطنات أو هدم منازل أفراد لم تثبت بحقهم جريمة.

الأمن الذي يُبنى على إنكار أمن شعب آخر لا ينتج استقرارًا؛ إنه يعيد إنتاج الخوف والغضب والعنف. كما أن غياب التحقيق المستقل والمساءلة يرسل رسالة خطرة إلى الضحية والمعتدي معًا: أن القوة، لا العدالة، هي التي تحدد الحقيقة.

ما الذي يجري فعلًا في الضفة؟

يمكن اختصار المشهد بأنه انتقال من احتلال يدير السكان إلى مشروع يعيد تشكيل الأرض والسكان معًا.

الاقتحام يعالج اللحظة بالقوة. الحاجز يضبط الحركة. المستوطن يضغط على الأطراف الزراعية. البؤرة تستولي على التل. الطريق الاستيطاني يربط البؤر بعضها ببعض. مصادرة المياه والأراضي تضعف قدرة المجتمع على البقاء. ثم يأتي التهجير بوصفه نتيجة تبدو منفصلة، مع أنه خلاصة جميع المراحل السابقة.

لهذا تحدث مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان عن اتساع الضم في الضفة الغربية، لا عن اضطراب أمني مؤقت. فالضم لا يحدث فقط عندما تُرفع خريطة جديدة أو يصدر قانون رسمي؛ قد يحدث على الأرض عندما تُفرض شبكة طرق وقوانين وحماية وخدمات لمجموعة، بينما تُحاصر المجموعة الأخرى في جيوب منفصلة ويُدفع أفرادها تدريجيًا إلى الرحيل.

والمأساة الفلسطينية الراهنة ليست أن الموت قريب فحسب، بل أن الحياة العادية تُجعل بعيدة: بيت بلا خوف، وطريق بلا حاجز، ومستشفى يمكن الوصول إليه، وأرض يستطيع صاحبها فلاحتها، وطفل يذهب إلى مدرسته من دون أن يحفظ أسماء الحواجز قبل أسماء المدن.

خاتمة: شعب لا يطلب معجزة، بل حياة

ليست الضفة الغربية رقمًا في نشرة إخبارية، ولا لونًا باهتًا على خريطة تفاوضية.

هي المرأة التي وصلت إلى رفيديا من دون جنينها. وهي الأسرة التي خرجت من منزلها في تِل قبل دقائق من احتراقه. وهي المصلّي الذي رأى السواد يغطي جدار مسجد قصرة. وهي شجرة الزيتون التي احتاجت عشرات السنين لتنمو، ثم احتاجت النار إلى دقائق كي تلتهمها. وهي اللاجئ الذي نزح من مخيم بُني أصلًا للاجئين. وهي أسماء فاروق وإبراهيم وجواد وعمران، لا بوصفهم أرقامًا في حصيلة، بل بوصفهم أبناء عائلات تركوا خلفهم مقاعد فارغة وأبوابًا تنتظر من لن يعود.

إن أعمق مأساة يعيشها الشعب الفلسطيني ليست فقط في الذين يُقتلون، بل في الأحياء الذين يُطلب منهم كل صباح أن يثبتوا حقهم في أبسط مقومات الحياة: أن يمروا، وأن يعملوا، وأن يتعلموا، وأن يتعالجوا، وأن يزرعوا أرضهم، وأن يبقوا في بيوتهم.

عندما تصبح الطريق إلى المستشفى معركة، والوصول إلى الحقل مخاطرة، والصلاة في المسجد احتمالًا للاعتداء، والوجود في البيت سببًا لاستهدافه، فإن القضية لا تعود نزاعًا على إجراءات أمنية. تصبح سؤالًا عن حق شعب كامل في أن يعيش إنسانيته فوق أرضه.

ولذلك فإن حماية المدنيين، وفتح الطرق أمام الإسعاف والخدمات الأساسية، ووقف اعتداءات المستوطنين، والتحقيق المستقل في عمليات القتل، ومنع العقوبات الجماعية، ووقف التوسع الاستيطاني، ليست مطالب سياسية زائدة؛ إنها الحد الأدنى الذي يفصل الحياة البشرية عن منطق القوة العارية.

فالضفة لا تحتاج إلى مزيد من البوابات كي تصبح آمنة، ولا إلى مزيد من البؤر كي تعرف السلام. تحتاج إلى عدالة تعيد للإنسان قيمته، وللطريق وظيفته، وللبيت حرمته، وللأرض أصحابها.

لأن الوطن لا ينبغي أن يكون غرفة انتظار، والحياة لا ينبغي أن تحتاج إلى تصريح.

Leave a comment

0.0/5

مرحبًا، كيف يمكننا مساعدتك اليوم؟