Skip to content Skip to sidebar Skip to footer

“شبيبة التلال”: شبكة استيطانية تقود سياسة التطهير العرقي في الضفة الغربية

«شبيبة التلال»: شبكة استيطانية تقود سياسة التطهير العرقي في الضفة الغربية

حين تبدأ السيطرة بخيمة… وتنتهي باقتلاع مجتمع كامل من أرضه

قد تبدو الخيمة المنصوبة على قمة جبل، أو المقطورة السكنية الموضوعة في أرض بعيدة عن المدن، حدثًا محدودًا يمكن تفكيكه خلال ساعات. لكن التجربة الميدانية في الضفة الغربية تكشف أن هذه الخطوة البسيطة قد تكون بداية مسار واسع للسيطرة على الأرض: طريق ترابي يُشق، قطيع يُطلق في المراعي الفلسطينية، مستوطنون مسلحون يمنعون أصحاب الأرض من الوصول إليها، ثم بنى تحتية وحماية ونفوذ يتوسع يومًا بعد يوم.

في قلب هذا النموذج تظهر مجموعات تُعرف باسم «فتية التلال» أو «شبيبة التلال»؛ وهي تسمية فضفاضة لشبكات من المستوطنين الشباب، لا تعمل بالضرورة من خلال قيادة مركزية معلنة أو عضوية رسمية أو مقرات تقليدية. إلا أن غياب الهيكل التنظيمي الواضح لا يعني غياب الأثر أو الهدف. فهذه الشبكات تتحرك ضمن بيئة استيطانية أوسع، وتستفيد في حالات كثيرة من الحماية أو التساهل، ومن الطرق والموارد والدعم الذي يسمح للبؤرة الصغيرة بأن تتحول إلى وسيلة دائمة لفرض السيطرة.

بالنسبة إلى «أفق الحرية»، لا يتعلق الأمر بخلاف عقاري منفصل أو بمواجهات عابرة بين أفراد؛ بل بمسألة تمس الحق في الأرض والسكن والعمل والأمن وحرية الحركة، وتهدد وجود تجمعات فلسطينية كاملة، ولا سيما مجتمعات الرعاة والبدو في المناطق المصنفة «ج» من الضفة الغربية.

من هم «شبيبة التلال»؟

ظهر مصطلح «شبيبة التلال» في أواخر تسعينيات القرن الماضي، واتسع استخدامه في بداية الألفية لوصف شبان وشابات من أوساط استيطانية دينية قومية يتوجهون إلى قمم التلال والمناطق المفتوحة لإقامة بؤر جديدة. ولا يمثل هؤلاء حزبًا أو جمعية ذات سجل عضوية واضح؛ بل ظاهرة اجتماعية وأيديولوجية تضم مجموعات وتيارات وشبكات متداخلة، يجمع بينها السعي إلى توسيع الوجود الاستيطاني على الأرض ورفض القيود التي قد تفرضها العملية السياسية أو حتى المؤسسات الإسرائيلية أحيانًا.

تتسم هذه الظاهرة بلامركزيتها. وقد يبدو ذلك مصدر ضعف، لكنه يمنحها قدرة كبيرة على الحركة وإعادة التشكل: فإذا أزيلت خيمة في موقع، يمكن نصبها مجددًا أو الانتقال إلى تلة أخرى؛ وإذا أُخليت بؤرة، قد يعاد بناؤها تحت اسم جديد أو تتحول لاحقًا إلى «مزرعة» تحظى بخدمات وحماية ثم تسعى إلى الاعتراف الرسمي.

ولا يجوز الخلط بين جميع المستوطنين وبين هذه المجموعات، أو افتراض أن كل شاب يقيم في بؤرة يشارك في العنف. غير أن الوقائع التي وثقتها الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية تظهر دورًا متكررًا لمستوطنين ينطلقون من البؤر والمزارع الرعوية في الاعتداء على فلسطينيين، وإغلاق المراعي، وإتلاف الممتلكات، وصناعة بيئة تدفع العائلات إلى الرحيل.

الخيمة والمقطورة والقطيع: كيف تُفرض السيطرة؟

تعتمد البؤر الرعوية على معادلة شديدة الفاعلية: السيطرة لا تبدأ بالبناء الكثيف، بل بالحركة فوق مساحة واسعة. تكفي خيمة أو مقطورة وخزان مياه وحظيرة صغيرة لتأسيس نقطة وجود، ثم تُستخدم قطعان الأغنام أو الأبقار للتجول في الأراضي المحيطة. ومع الوقت، يتحول مسار الرعي إلى ادعاء بالسيطرة، وتُمنع العائلات الفلسطينية من استخدام آبارها ومراعيها والوصول إلى حقولها.

يمر هذا المسار غالبًا بعدة حلقات مترابطة:

  1. اختيار موقع مرتفع أو استراتيجي: يتيح مراقبة الطرق والحقول والتجمعات المحيطة.
  2. إقامة حضور أولي سريع: عبر خيمة أو كرفان أو حظيرة، من دون الحاجة في البداية إلى حي سكني كامل.
  3. توسيع نطاق الحركة: بإطلاق القطعان في مساحات تتجاوز بكثير رقعة البناء نفسها.
  4. تقييد وصول الفلسطينيين: من خلال الترهيب أو الاعتداء أو إقامة بوابات وحواجز ترابية أو استدعاء القوات.
  5. ضرب مصادر البقاء: باستهداف الأشجار والمحاصيل والمياه والمواشي والمساكن والمركبات.
  6. تحويل الوجود المؤقت إلى دائم: عبر الطرق والكهرباء والمياه والحراسة، ثم محاولات التنظيم أو الاعتراف الرسمي.

تكمن خطورة هذا النموذج في أن البؤرة قد تشغل مساحة بناء صغيرة، لكنها تفرض نفوذًا فعليًا على آلاف الدونمات. ووفق تقرير صادر عن «السلام الآن» و«كيرم نافوت»، استخدمت البؤر الرعوية للسيطرة على ما لا يقل عن 786 ألف دونم، أي نحو 14% من مساحة الضفة الغربية. وفي تقرير لاحق عن الفترة بين 2023 و2025، رُصد إنشاء 185 بؤرة جديدة، منها قرابة 130 بؤرة رعوية و«تلال»، بينما قُدرت المساحة التي تسيطر عليها المزارع الاستيطانية فعليًا بأكثر من مليون دونم.

وبذلك، فإن العبارة المتداولة عن إقامة «نحو مئتي بؤرة خلال ثلاث سنوات» تعبّر عن اتجاه حقيقي، لكن الرقم الموثق الأدق للفترة 2023–2025 هو 185 بؤرة. وهذه الزيادة استثنائية مقارنة بالعقود السابقة؛ إذ يشير رصد «السلام الآن» إلى إقامة 59 بؤرة جديدة خلال عام 2024 وحده.

صناعة صورة «ابن الأرض»

لا يقدم بعض أفراد هذه المجموعات أنفسهم باعتبارهم قوة استيطانية منظمة، بل بوصفهم مزارعين ورعاة يعيشون حياة بسيطة في الطبيعة. تظهر في خطابهم وممارساتهم رموز العمل اليدوي وفلاحة الأرض ورعي القطعان وركوب الدواب، وأحيانًا استعارة عناصر من المظهر المحلي الفلسطيني.

لكن صورة «العودة إلى الطبيعة» لا يمكن فصلها عن علاقة القوة القائمة. فالفارق الجوهري ليس في نوع اللباس أو وسيلة التنقل، بل في قدرة طرف على إقامة بؤرة وحمل السلاح والوصول إلى الحماية والخدمات، مقابل فلسطيني قد يُمنع من تشييد خيمة في أرض عائلته أو ترميم منزله أو الوصول إلى مرعاه. وعندما يُستخدم النشاط الزراعي لتوسيع النفوذ ومنع أصحاب الأرض من استثمارها، تتحول الزراعة من علاقة إنتاج وانتماء إلى أداة للاستحواذ والإقصاء.

من التضييق اليومي إلى التهجير القسري

لا يقع التهجير دائمًا بقرار مكتوب أو في يوم واحد. فقد يبدأ باعتداء ليلي، ثم يتكرر تسميم المياه أو سرقة المواشي أو اقتحام المساكن أو تدمير الألواح الشمسية. بعد ذلك يصبح خروج الأطفال إلى المدرسة خطرًا، والوصول إلى المرعى مغامرة، وتأمين الماء والعلف عبئًا لا يحتمل. وحين تغادر العائلة خوفًا على حياتها، يبدو الرحيل ظاهريًا «اختيارًا»، بينما تكون البيئة القسرية قد سلبتها القدرة الحقيقية على البقاء.

في آب/أغسطس 2023، درست الأمم المتحدة أوضاع 63 تجمعًا رعويًا فلسطينيًا يسكنها نحو عشرة آلاف شخص، نصفهم تقريبًا من الأطفال، بسبب قربها من المستوطنات وتعرضها للعنف. وبين 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 ونهاية عام 2024، وثّق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية تهجير 1,762 فلسطينيًا، بينهم 856 طفلًا، من تجمعات بدوية ورعوية أساسًا، بفعل تصاعد اعتداءات المستوطنين وقيود الوصول.

ثم اتسعت الظاهرة أكثر. ففي تقرير أممي نُشر في أيلول/سبتمبر 2026، وثقت الأمم المتحدة أكثر من 1,600 اعتداء استيطاني أدى إلى إصابات فلسطينية أو أضرار في الممتلكات خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2026، في 275 تجمعًا، بمتوسط 6.7 اعتداءات يوميًا. وذكرت أن اعتداءات المستوطنين والقيود المرتبطة بها أصبحت المحرك الأول للتهجير في الضفة خلال العام.

هذه الأرقام لا تحكي وحدها معنى الاقتلاع: خلف كل رقم أسرة تركت خيمة أو بيتًا، وأطفال فقدوا المدرسة والمكان المألوف، وقطيع بيع بثمن بخس، وأشجار لم يعد أصحابها قادرين على الوصول إليها. لذلك ينبغي قراءة العنف الاستيطاني بوصفه عملية تمس بنية الحياة، لا مجرد سلسلة حوادث أمنية منفصلة.

هل «شبيبة التلال» جماعة مستقلة عن المؤسسات؟

تقدم لامركزية «شبيبة التلال» انطباعًا بأنها ظاهرة هامشية تعمل خارج النظام. غير أن قياس دورها لا يتوقف على وجود أوامر مكتوبة أو قيادة موحدة، بل يتطلب فحص البيئة التي تسمح للبؤر بالبقاء والاتساع.

توثق منظمات إسرائيلية ودولية حالات حصلت فيها بؤر غير مرخصة على طرق أو مياه أو كهرباء أو حماية أمنية، أو مُنحت لاحقًا وضعًا رسميًا. كما تفيد تقارير حقوقية بأن القوات الإسرائيلية لا تمنع الاعتداءات في حالات عديدة، أو تفرض قيودًا على الفلسطينيين بدل إعادة وصولهم إلى أراضيهم. وتقول إسرائيل عادة إن الاعتداءات الفردية مخالفة للقانون، وإن قواتها تتدخل لحفظ الأمن، كما تُخلي بعض البؤر غير المرخصة. لكن استمرار البؤر وتوسعها، وضعف المحاسبة عن اعتداءات كثيرة، يجعلان الفصل بين عنف الأفراد والسياسة الأوسع أمرًا بالغ الصعوبة.

وهنا تتضح وظيفة الشبكة: يتحرك أفراد بصورة غير مركزية، لكن نتائج أفعالهم تخدم مشروعًا منظم الأثر—تفتيت المجال الفلسطيني، والسيطرة على التلال والطرق ومصادر المياه، وربط المستوطنات ببعضها، وتقليص المساحة المتاحة للتجمعات الفلسطينية.

من «فرض الوقائع» إلى تغيير الخريطة

ليست قيمة البؤرة في عدد سكانها وحده، بل في موقعها. فاختيار تلة بين قريتين أو قرب طريق أو نبع قد يقطع التواصل بين التجمعات، أو يحاصر قرية، أو يمنع التوسع الطبيعي للسكان، أو يضع مساحة كبيرة من الأراضي الزراعية تحت الخطر. وبمرور الزمن، تتحول النقاط الصغيرة إلى شبكة جغرافية تعيد رسم الخريطة من دون إعلان سياسي واحد.

لهذا يشبه بعض الكتّاب الفلسطينيين دور هذه المجموعات بالدور الذي أدته تنظيمات صهيونية مسلحة قبل عام 1948، ومنها «الهاغاناه»، في حماية المشروع الاستيطاني وفرض حقائق ديمغرافية وجغرافية بالقوة. لكن هذه المقارنة ينبغي فهمها باعتبارها قراءة في التشابه الوظيفي والتاريخي، لا إثباتًا لامتداد تنظيمي مباشر: ففي الحالتين يُستخدم الوجود الميداني المسلح، والحماية، وخلق الوقائع، لتغيير السيطرة على الأرض ودفع السكان الفلسطينيين بعيدًا عنها.

القانون الدولي: الاستيطان ليس شأنًا داخليًا

أكدت محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري الصادر في 19 تموز/يوليو 2024 أن المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، والنظام المرتبط بها، أُقيما ويجري الحفاظ عليهما في انتهاك للقانون الدولي. واستندت المحكمة، من بين أمور أخرى، إلى الحظر الوارد في المادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة على نقل دولة الاحتلال أجزاءً من سكانها المدنيين إلى الأرض المحتلة.

أما تهجير السكان المحميين بفعل العنف والتهديد ومنع الوصول إلى الماء والأرض ومصادر الرزق، فقد يرقى—بحسب الوقائع والظروف—إلى النقل القسري المحظور في القانون الإنساني الدولي. ولهذا تستخدم جهات حقوقية وأممية تعبيرات مثل «البيئة القسرية» و«خطر النقل القسري». وتصف مؤسسات وباحثون فلسطينيون نمط اقتلاع التجمعات وإحلال البؤر مكانها بأنه شكل من أشكال التطهير العرقي؛ وهو توصيف خطير ينبغي إسناده إلى الوقائع الموثقة، لا استخدامه كشعار منفصل عنها.

ما المطلوب أمام هذا الواقع؟

تؤمن «أفق الحرية» بأن حماية الأرض تبدأ بحماية الإنسان القادر على البقاء فيها. ويحتاج التصدي لهذا النمط إلى عمل حقوقي وإنساني متكامل يشمل:

  • توثيق الاعتداءات والأضرار وشهادات المتضررين بصورة تحفظ صلاحيتها القانونية.
  • دعم العائلات المهددة بالماء والمأوى والطاقة والتعليم والحماية المدنية.
  • مساندة المزارعين والرعاة للوصول الآمن إلى أراضيهم ومصادر رزقهم.
  • حماية الأطفال من آثار العنف والنزوح المتكرر وتوفير الدعم النفسي والاجتماعي لهم.
  • متابعة الشركات والجهات التي تمول البؤر أو تقدم لها الموارد، والمطالبة بالشفافية والمساءلة.
  • تفعيل الآليات الدولية، بما فيها المقرّرون الخاصون وهيئات الأمم المتحدة ومسارات التقاضي المتاحة.
  • بناء خطاب حقوقي دقيق يرفض التحريض والكراهية، ويُظهر في الوقت نفسه البنية المنظمة للتهجير والسيطرة على الأرض.

خاتمة: الأرض ليست تلة خالية

المشكلة في نموذج «شبيبة التلال» ليست في خيمة أو قطيع أو شاب اختار حياة ريفية؛ بل في تحويل هذه الأدوات إلى مقدمة لمنع شعب آخر من الوصول إلى أرضه. فالتلة التي توصف بأنها «فارغة» قد تكون مرعى لعائلة منذ أجيال، أو طريقًا إلى بئر، أو امتدادًا طبيعيًا لقرية، أو مصدر رزق يحمي مجتمعًا كاملًا من الفقر والاقتلاع.

عندما تتكرر الاعتداءات، وتُغلق المراعي، وتُهدم مصادر الحياة، ثم تقام البؤرة في المكان الذي أُجبر أصحابه على مغادرته، يصبح المشهد أكبر من عنف أفراد: إنه تغيير قسري للجغرافيا والسكان، تنفذه شبكة ميدانية وتدعمه بيئة سياسية ومؤسسية تسمح له بالاستمرار.

إن الدفاع عن التجمعات الفلسطينية المهددة ليس دفاعًا عن الماضي فحسب، بل عن حق حاضر في الحياة والبيت والعمل والأمان. والحرية هنا تبدأ من حق الإنسان في أن يبقى على أرضه بلا خوف، وأن يزرعها ويرعاها وينقلها إلى أبنائه، مصونةً من العنف والمصادرة والتهجير.

 

بقلم الإعلامي أحمد الهندي 

مختص شؤون #الضفة_والقطاع

Leave a comment

0.0/5

مرحبًا، كيف يمكننا مساعدتك اليوم؟