أجيال تحت الركام: النزوح القسري وحرمان أطفال غزة من حق التعليم
بقلم: الصحفي-عبد الله ابوراس – موقع أفق الحرية
في الوقت الذي تحتفي فيه المجتمعات بالتحول الرقمي وتطوير المناهج التربوية لدخول المستقبل، يواجه الأطفال في قطاع غزة كارثة إنسانية غير مسبوقة تتهدد بضياع مستقبل جيل كامل. لم تعد الحرب مجرد أرقام تُحصى في خانات الضحايا والخسائر المادية، بل امتدت لتلتهم الأفق المستقبلي لأكثر من 600 ألف طالب وطالبة حُرموا نهائياً من حقهم الأساسي في التعليم، جراء حرب الإبادة والتشريد القسري المستمرة.
النزوح القسري: تحول المدارس من مراكز علم إلى ملاذات للبقاء
لقد أدت عمليات التهجير والنزوح المتكرر إلى اقتلاع العائلات الفلسطينية من منازلها عشرات المرات، ليجد الأطفال أنفسهم يصارعون من أجل البقاء في مراكز الإيواء والخيام والمخيمات المكتظة. وفي ظل النزوح المستمر، تفككت البنية التحتية التعليمية بالكامل:
-
تدمير المدارس والجامعات: تحولت غالبية المنشآت التعليمية التابعة لوكالة الأونروا أو وزارة التربية والتعليم إلى أهداف عسكرية أو إلى مراكز إيواء مكتظة بالنازحين تفتقر لأدنى مقومات الحياة الأساسية.
-
غياب البيئة الآمنة: أصبحت الأولوية اليومية للطفل الفلسطيني هي البحث عن شربة ماء نظيفة أو كسر حطب أو تأمين لقمة عيش لأسرته، متراجعاً الشغف بالقراءة والكتابة أمام ضغوط الخوف والجوع والتشريد.
تداعيات الحرمان التعليمي: الجهل المركّب والآثار النفسية
إن انقطاع الأطفال عن العملية التعليمية لفترات طويلة لا يعني فقط خسارة عام أو عامين دراسيين، بل يترتب عليه آثار هيكلية بعيدة المدى على المجتمع الفلسطيني:
-
ظاهرة الفقدان التعلمي والتراجع المعرفي: رُصدت حالات واسعة من فقدان المهارات الأساسية كالقراءة والكتابة والحساب بين الأطفال في أعمار مبكرة، مما يُهدد بنشوء أجيال تعاني من الأمية القسرية.
-
الندوب النفسية والصدمات الممتدة: تعاني غالبية الأطفال من اضطرابات ما بعد الصدمة، والقلق الحاد، وفقدان القدرة على التركيز، جراء فقدانهم لمعلميهم وأقرانهم، ورؤية مدارسهم تنهار أمام أعينهم.
-
تغير الأدوار الاجتماعية والعمالة المبكرة: دفع الضغط الاقتصادي والنزوح العديد من الأطفال إلى سوق العمل الشاق لمساعدة عائلاتهم، أو تحمّل مسؤوليات أكبر من أعمارهم بعد فقدان المعيل.
المبادرات التعليمية في المخيمات: الصمود في وجه التجهيل
رغم هذا الواقع المأساوي، يعكس المجتمع الفلسطيني في غزة إرادة صمود متجددة. فقد شهدت خيام النازحين مبادرات فردية ومؤسسية لحماية العقول الصغيرة من الجهل:
-
فصول الخيام وبدائل التعليم: أقام معلمون ومتطوعون مبادرات ذاتية لتأسيس فصول دراسية داخل خيام القماش والصفيح، معتمدين على وسائل تعليمية بسيطة لإبقاء الأطفال على اتصال بالحرف والكلمة.
-
أنشطة الدعم النفسي: تُنظم بعض المؤسسات والجمعيات فعاليات تفاعلية للتفريغ النفسي من خلال الرسم واللعب والقصص، كمحاولة لترميم أرواح الأطفال قبل عقولهم.
ومع ذلك، تظل هذه الجهود الميدانية حلولاً مؤقتة ومحدودة الأثر في ظل غياب الكتب، والقرطاسية، والمساحات الآمنة، واستمرار التهديد العسكري المتواصل.
مسؤولية المجتمع الدولي والواجب الوطني
إن حرمان أطفال غزة من التعليم يمثل انتهاكاً صارخاً للإعلان العالمي لحقوق الإنسان واتفاقية حقوق الطفل، ويشكل جريمة واضحة تستهدف تقويض الحاضنة الفكرية والعلمية للشعب الفلسطيني.
إننا في موقع أفق الحرية نؤكد على ما يلي:
-
وقف الحرب وفك الحصار: ضرورة إيقاف العدوان بشكل فوري للسماح بإدخال المساعدات التعليمية والبيوت الجاهزة والمستلزمات المدرسية.
-
إطلاق استراتيجية إنقاذ تعليمية: على المؤسسات الدولية مثل اليونسكو واليونيسيف والحكومية العمل فوراً على خطط طوارئ لإنقاذ الموسم الدراسي وتوفير البدائل الرقمية والتعليم الميداني المؤقت.
-
الدعم النفسي المتكامل: إدماج برامج التأهيل النفسي والاجتماعي كجزء أصيل من أي عملية تعليمية مستقبلية لإعادة بناء شخصية الطفل الفلسطيني.
خاتمة
لن تكون الحرية مجرد كسر للقيود والتنقل، بل هي أيضاً امتلاك المعرفة والقدرة على بناء المستقبل. إن حماية حق أطفال غزة في التعليم هي معركة بقاء لا تقل أهمية عن تأمين الغذاء والدواء. وسيبقى الرهان دائماً على وعي وصمود هذا الشعب الذي يجعل من ركام المدارس مقاعد للدرس، ومن العتمة أفقاً جديداً للحرية.
#افق الحريه
#عبد الله ابوراس