Skip to content Skip to sidebar Skip to footer

من حلٍّ مؤقت إلى روتين

من حلٍّ مؤقت إلى روتين: كيف أصبحت “التكية” جزءاً من حياة غزة؟

بقلم: عبد الله ابو راس 

لم تكن “التكية” في الذاكرة الجمعية الغزية سوى مظهر من مظاهر التكافل الاجتماعي الموسمية؛ ارتبطت غالباً بشهر رمضان المبارك، أو بالمبادرات الفردية المؤقتة لإعانة بضع أسر مستورة. لكن، وتحت وطأة الحرب المستمرة والحصار الخانق الذي أتى على الأخضر واليابس، تحوّلت هذه القدور الكبيرة المنصوبة فوق ألسنة اللهب الحطبية من مجرد “حل إغاثي مؤقت” إلى شريان حياة يومي، وركن أساسي لا غنى عنه لضمان بقاء مئات آلاف العائلات في قطاع غزة.

نشأة الضرورة: عندما تتوقف المطابخ الخاصة

مع انهيار المنظومة الاقتصادية، وفقدان معظم السكان لمصادر دخلهم، فضلاً عن انقطاع الغاز والكهرباء والارتفاع الخيالي في أسعار المواد الغذائية إن وجدت، أصبحت فكرة “طهي وجبة عائلية” في المنزل خياراً مستحيلاً للغالبية العظمى.

هنا، برزت “التكايا” كاستجابة حتمية للواقع الجديد. لم يعد القصد منها تقديم “معونة” بالمعنى التقليدي، بل أصبحت المحرك الوحيد الذي يضمن حصول الأطفال والنساء والشيوخ على وجبة ساخنة واحدة على الأقل تقيهم سَغَبَ اليوم.

“كنا نطبخ في بيوتنا ونرسل لجيراننا، اليوم ننتظر مع أطفالنا في طابور التكية لنحصل على صحن طبيخ يسد رمقنا.” — بهذه الكلمات يختصر أحد النازحين في مخيمات الوسطى الحكاية.

مشهد يومي: أدوات بلاستيكية وطوابير الصبر

أصبح المشهد مكرراً ومعروفاً في كل حارة ومخيم ونقطة نزوح:

  • الأواني البلاستيكية والسطول: يتجمع الأطفال والفتية حاملين أوانيهم المختلفة، يقفون في صفوف طويلة ينتظرون دورهم.

  • رائحة الحطب والدخان: تصاعد أدخنة الحطب التي أصبحت العطر المُرَّ الذي يملأ سماء غزة، حيث يُطهى الطعام على نيران أخشابٍ جُمعت من ركام المنازل وأشجار الشوارع.

  • تنوع المكونات بحسب المتاح: من “العدس” إلى “الفاصولياء” أو “العدس بالخضار”، تتغير الوجبة وفق ما يصل التكية من مساعدات أو تبرعات محلية وخارجية.

التحول الاجتماعي: التكية كمساحة للالتئام

لم يقتصر دور التكية على إطعام البطون الخاوية، بل تحولت تدريجياً إلى مساحة للتواصل والتضامن الاجتماعي:

  1. كسر وصمة الحاجة: في البداية، كان البعض يشعر بالحرج من الوقوف في “طابور الطعام”، لكن الشمولية القاسية للأزمة جعلت الجميع في كفة واحدة، فذابت الفوارق الاجتماعية أمام حاجة البقاء.

  2. مركز للمعلومات والاطمئنان: في طابور التكية، يتبادل النازحون الأخبار، ويطمئنون على أقاربهم، ويتشاركون الهموم والقصص.

  3. تجسيد لمفهوم العونة: يعمل في هذه التكايا متطوعون شبّان يقضون ساعات طويلة أمام النيران والدخان المتصاعد، مضحين بجهدهم ووقتهم لخدمة أبناء شعبهم.

التحديات: طاقة استيعابية على المحك

رغم الدور الهائل الذي تلعبه التكايا اليوم، إلا أنها تواجه عقبات جِساماً تهدد استمرارها:

  • شح المواد الخام: نفاد المخزون الغذائي وانقطاع إمدادات الطحين والبقوليات بين الحين والآخر.

  • ارتفاع أسعار الحطب: تحول الحطب نفسه إلى سلعة نادرة وباهظة الثمن.

  • قلة الدعم والتمويل: اعتمدت كثير من التكايا على مبادرات فردية أو مؤسسات أهلية صغيرة باتت تعاني من إنهاك الموارد.

خاتمة: رمزية الصمود في وجه الجوع

إن تحوّل التكية من حَدَثٍ عابر إلى روتين يومي في غزة ليس مجرد مؤشر على عمق الكارثة الإنسانية، بل هو في الوقت ذاته شهادة حية على قدرة هذا الشعب على التأقلم والابتكار من أجل الاستمرار.

ستبقى قدور التكية المشتعلة في أزقة غزة شاهدة على مرحلة تاريخية فارقة؛ مرحلة تحول فيها “صحن الطعام” من حق طبيعي مكتسب إلى رمز صمود يُقاتل الغزيون يومياً للحفاظ عليه، منتظرين اليوم الذي تعود فيه مطابخ بيوتهم للعمل، وتعود التكية إلى سابق عهدها: رمزا للتكافل، لا خياراً أخيراً للبقاء.

Leave a comment

0.0/5

مرحبًا، كيف يمكننا مساعدتك اليوم؟