فلسفة التحرر بالعلم في سجون الاحتلال لجمعية أفق الحرية
لم تكن السجون الإسرائيلية يوماً مجرد جدرانٍ عالية وأبوابٍ ثقيلة صُممت لسلْب الحرية الجسدية، بل كانت تهدف في جوهرها إلى “إفراغ الإنسان من محتواه الوطني والثقافي” وسرقة أحلامه قطعة قطعة. ومع ذلك، شهدت التجربة الفلسطينية تحولاً تاريخياً فريداً؛ حيث انقلب السجن من مساحة للقهر إلى فضاء لإعادة تشكيل الوعي الجماعي، وتحولت الزنزانة المظلمة إلى “أكاديمية معرفية” تخرج القادة والباحثين والمبدعين. إننا في جمعية “أفق الحرية”، وبالتنسيق مع المؤسسات الوطنية والأكاديمية، نعتبر أن دعم “ثورة التعليم” داخل السجون هو الركيزة الأساسية لحماية الهوية الفلسطينية وضمان السيادة المعرفية للشعب الفلسطيني لعام 2026.
الجذور التاريخية: من “الكومونة” إلى الجامعة المفتوحة
بدأت الحركة الأسيرة منذ أواخر السبعينيات والثمانينيات في بناء نظام داخلي يقوم على التعليم والثقافة والعمل الجماعي الموحد، وهو ما عُرف بـ “الكومونة”. واجه الأسرى سياسات مصلحة السجون التي سعت لتجهيلهم عبر “معارك الأمعاء الخاوية” (الإضرابات عن الطعام)، ليس فقط لتحسين الطعام، بل لانتزاع حقهم في إدخال الكتب والأقلام.
لقد أثمرت هذه التضحيات عن إنجازات مفصلية؛ حيث أُسست المكتبات داخل السجون، ونشأت لجان تعليمية وثقافية وأدبية تدير يوماً دراسياً صارماً يحول الساعات الطويلة إلى ورش عمل فكرية. وبحلول عام 2025 و2026، أصبحت “الجامعة الفلسطينية” حاضرة بقوة خلف القضبان كفعل تمرد وعصيان ضد كل فروض المستعمر.
أرقام ومعطيات: ثورة الأكاديميين خلف الأسوار (2025 – 2026)
تشير البيانات الصادرة عن جامعة القدس المفتوحة وهيئة شؤون الأسرى في مطلع عام 2026 إلى حجم الإقبال الهائل من الأسرى على استكمال تحصيلهم العلمي رغم كل المعيقات الأمنية.
تعمل جمعية “أفق الحرية” كجسرٍ حيوي لتسهيل هذه العملية، من خلال ترتيب عملية التقدم لامتحان الثانوية العامة داخل السجون، وتنسيق خدمة التعليم الجامعي، بالإضافة إلى إصدار الأوراق الرسمية اللازمة للأسرى لمواصلة مسيرتهم بعد التحرر.
نماذج وقصص نجاح: قادة صنعهم القلم والقيد
خلف كل شهادة جامعية تُمنح داخل السجن قصة صمود أسطورية؛ فالكتاب الذي يقرأه الأسير قد يكون ممنوعاً أمنياً، والبحث الذي يكتبه قد يُصادر في أي لحظة أثناء عمليات التفتيش المهينة.
- المناضل كريم يونس: يُعد مدرسة في الوحدة والارادة؛ فعلى مدار 40 عاماً من الأسر المتواصل، لم يتوقف عن العطاء، وأكمل دراسته وحصل على درجتي البكالوريوس والماجستير، ليخرج من السجن باحثاً ومثقفاً يشار إليه بالبنان.
- الباحث أسامة الأشقر: دخل السجن شاباً بسيطاً في العشرين من عمره، لكنه قرر أن العلم هو السلاح الأمضى لمواجهة السجان. أنهى درجتي البكالوريوس والماجستير خلف القضبان، وتخصص في “الدراسات الإسرائيلية”، ليصبح اليوم صوتاً بحثياً متخصصاً يفكك منظومة الاحتلال من الداخل.
- القائد نائل البرغوثي: نموذج للتعليم الجاد والمسؤول؛ ساهم في تعزيز القدرات الكتابية والبحثية للأسرى، وحوّل وقته في السجن إلى مورد ثمين للتفكير الإنساني والديمقراطي.
- الروائي باسم خندقجي: استطاع أثناء تواجده في الأسر تزويد المكتبة الوطنية الفلسطينية بمجموعة كبيرة من دواوين الشعر والروايات التي توثق آلام وآمال الحركة الأسيرة، مؤكداً أن الإبداع لا تحده الجدران.
“جامعة هداريم”: الحيز الذي أُعيد تحريره معرفياً
تُعد تجربة “حلقة هداريم” التعليمية (جامعة هداريم) نموذجاً ملهماً في عملية التعليم التربوية؛ حيث يتم تدريس المناهج بأسلوب الندّية مع السجان. في هذا الحيز المعرفي، لا يدرس الأسير فقط العلوم الأكاديمية، بل يتعلم كيف يكون “أفقاً للممكنات”، وكيف يحوّل التجربة الاعتقالية إلى نتاج أكاديمي رصين يُسهم في فهم الصراع.
سياسات التجهيل: المعركة المستمرة ضد “الوعي”
لا تتوقف إدارة سجون الاحتلال عن محاولة كسر هذه “القلاع المعرفية”؛ ففي عام 2025، وثقت التقارير تزايداً في سياسات القمع التي تشمل:
- منع إدخال الكتب الدراسية والقرطاسية للأسرى بشكل تعسفي.
- منع الأسرى من الانتساب للجامعات بحجج سياسية وأمنية واهية.
- مصادرة الأبحاث والكتب أثناء الاقتحامات المتكررة للأقسام.
- منع الأسيرات في سجن “الدامون” من متابعة التعليم الجماعي، وتوفير تعليم “غير رسمي” فقط عبر مبادرات الأسيرات المثقفات.
الخاتمة: العلم طريقنا نحو أفق الحرية
إننا في جمعية “أفق الحرية” نؤمن يقيناً بأن المعرفة قد تكون أكثر خطورة على الاحتلال من السلاح؛ لأنها تحرر العقل قبل الجسد. إن تحويل السجون إلى أكاديميات هو شهادة للعالم بأن الإنسان الفلسطيني يرفض أن يُسحق، وبأنه قادر على الحلم والابتكار حتى في أكثر الظروف وحشية.
سنبقى في الجمعية السند الأول لكل أسير طالب ولكل أسيرة باحثة، وسنواصل العمل على “تبييض السجون من الأمية” وتعبيد الطريق نحو غدٍ مشرق، يكون فيه هؤلاء الخريجون هم بناة الدولة المستقلة وعاصمتها القدس.
أفق الحرية.. حيث العلم هو مفتاح القيد، والإرادة هي جسر العبور.
