ماذا يحدث في الداخل المحتل من هدم بيوت وقوانين صارمة.. هل هي بداية تهجير؟
بقلمك:محمد جبارين
يمر عرب 48 (الفلسطينيون في الداخل المحتل) بواحدة من أصعب المراحل وأكثرها تعقيداً منذ عقود. ففي الوقت الذي تتجه فيه الأنظار نحو التطورات الميدانية والسياسية في المنطقة، يجري في الداخل واقعٌ متسارعٌ تحت غطاء من القوانين الصارمة وسياسات هدم المنازل المكثفة، مما يطرح سؤالاً ملحاً ووجودياً لدى الشارع العربي: هل ما يحدث هو مجرد تضييق وسياسات أمنية تقليدية، أم أنه التمهيد الفعلي لموجة تهجير صامتة ونكبة جديدة؟
أولاً: واقع هدم المنازل.. حصار في الجغرافيا والبناء
لم تعد مسألة هدم المنازل في الداخل المحتل مجرد إخطارات فردية أو حالات استثنائية، بل تحولت إلى سياسة منهجية تشمل مختلف المناطق من النقب جنوباً إلى الجليل والمثلث شمالاً ومركزا:
-
غياب الخرائط الهيكلية: تُعاني البلدات العربية من تضييق مستمر على مساحات النفوذ والبناء، حيث تُماطل السلطات في إقرار مخططات تنظيمية تسمح بالتوسع التلقائي الطبيعي للسكان، مما يدفع المواطنين للبناء على أراضيهم الخاصة بدون تراخيص تعجيزية.
-
سياسة القوانين السريعة: يتم استغلال قوانين التسريع في الهدم لتنفيذ قرارات التجريف وتغريم الأسر مبالغ باهظة تُكلفهم ثمن هدم بيوتهم بأيديهم أو عبر آليات الدولة.
-
النقب كنموذج: تشهد القرى غير المعترف بها في النقب محاولات اقتلاع مستمرة تحت مسميات “التطوير” و”التشجير”، بهدف تجميع السكان في أقل مساحة ممكنة وتجريدهم من أراضيهم التاريخية.
ثانياً: الترسانة التشريعية.. قوانين صارمة وتقييد للحريات
توازت سياسة الهدم الميداني مع سن حزمة من القوانين والتشريعات الصارمة التي تستهدف الوجود العربي وهويته:
-
قوانين ملاحقة حرية التعبير: بات التعبير عن الرأي أو التعاطف الإنساني عبر منصات التواصل الاجتماعي سبباً كافياً للاعتقال، والملاحقة القضائية، وفصل الموظفين من أعمالهم وطرد الطلاب من الجامعات.
-
استغلال قانون القومية: يُكرّس هذا القانون التمييز البنيوي، حيث يُعطي أولوية الاستيطان والتطوير للبلدات اليهودية على حساب التجمعات العربية.
-
توسع صلاحيات الأجهزة الأمنية: إعطاء صلاحيات واسعة للشرطة والمؤسسات الأمنية لتفتيش المنازل، ومصادرة الممتلكات، وفرض الإقامات الجبرية أو الاعتقالات الإدارية بدون محاكمات عادلة.
ثالثاً: هل هي بداية تهجير صامت؟
عند ربط سياسة سلب الأرض، وهدم البيوت، والتضييق الاقتصادي، والملاحقة السياسية معاً، نجد أن الهدف يمتد لما هو أبعد من مجرد “فرض القانون”:
التهجير الناعم (التهجير القسري غير المباشر): التهجير لا يعني بالضرورة حشد المواطنين في شاحنات ونقلهم عبر الحدود فقط، بل يتم عبر “التهجير الذاتي والضغط التراكمي”. عندما يفقد المواطن شعوره بالأمان على بيته، وتضيق بوجهه فرص العمل والتعليم، ويُلاحق على كلمته، يصبح البقاء خياراً مكلفاً وشاقاً، مما يدفع البعض للتفكير في الهجرة أو التخلي عن الحقوق السياسية والوطنية مقابل السلامة الفردية.
كما أن استغلال الظروف الإقليمية الراهنة يمنح المؤسسات الحاكمة فرصة لتمرير مخططات تغيير ديمغرافي وتثبيت واقع جديد على الأرض كان من الصعب تمريره في الظروف العادية.
خاتمة: صمود الأرض وتحديات المرحلة
إن ما يشهده الداخل المحتل اليوم هو اختبار حقيقي لصمود مجتمع كامل تمسك بأرضه وهويته على مدار أكثر من سبعة عقود. إن التصدي لمخاطر “التهجير الصامت” يتطلب:
-
وحدة الصف الوطني: بلورة استراتيجية موحدة للقيادات والجهات التمثيلية لمواجهة القوانين وسياسات الهدم.
-
التدويل والدعم القانوني: رفع القضايا إلى المحافل الدولية والمؤسسات الحقوقية لتعرية سياسات التمييز والتطهير العرقي المغلف بالقانون.
-
التكافل الشعبي: تعزيز صمود العائلات المتضررة بيوتها ودعم البقاء الميداني على الأرض.
يبقى الرهان الأكبر على وعي وصمود فلسطينيي الداخل، الذين أثبتوا عبر العقود أن جذورهم في أرضهم أعمق من كل القوانين ومخططات الاقتلاع.
#افق الحريه
#محمد جبارين
#الداخل المحتل