أم الفحم: تاريخ من النضال والصمود على تخوم الذاكرة
تعتبر مدينة أم الفحم واحدة من أبرز وأهم المدن الفلسطينية داخل أراضي عام 1948. تقع المدينة فوق سلسلة جبلية ترتفع نحو 450 متراً شمال غربي جنين، وتتوسط منطقة استراتيجية تربط مرج بن عامر بجبال وسط فلسطين.
أصل التسمية والنشأة
امتدت أراضي أم الفحم قبل النكبة على مساحة تزيد على 77 ألف دونم، وكانت الغابات والأحراج تمثل جزءاً أساسياً من حياة أهلها ومعاشهم. ونظراً لأن “الفحم” المصنوع من أخشاب الأشجار كان أحد أهم موارد الرزق والتجارة للسكان، فقد أُطلق على المدينة اسم “أم الفحم”، بينما عُرِفت في الذاكرة الشعبية أحياناً بـ “أم النور”. ومع مرور الزمن، توسعت البلدة وعمل أهلها في الزراعة والتجارة، فارتبطوا ارتباطاً وثيقاً بجنين والقرى المحيطة بها.
محطات في طريق النضال (1936 و1948)
لم تكن أم الفحم بمعزل عن حركة التحرر الفلسطيني؛ فقد شارك أهلها بفعالية في الثورة الفلسطينية الكبرى عام 1936، وتحولت جبالها وأحراجها إلى مساحات لانطلاق الثوار. وحين اشتدت المواجهات في آب/أغسطس 1936، اضطرت القوات البريطانية لاستخدام الطائرات لملاحقة الثوار في الجبال المحيطة بالبلدة.
مع اندلاع حرب 1948، تحصنت القوات العراقية في أم الفحم للدفاع عن المنطقة، وبقيت المدينة طوال الحرب تحت السيطرة العربية. غير أن ملامح المنطقة تغيرت إثر توقيع اتفاقية الهدنة بين الأردن وإسرائيل في 3 نيسان/أبريل 1949، وإعادة رسم خط الهدنة في “منطقة المثلث”، لتصبح أم الفحم ضمن الأراضي التي انتقلت لاحقاً إلى السيطرة الإسرائيلية.
التحولات والواقع المعاصر
في 20 أيار/مايو 1949، دخلت القوات الإسرائيلية المدينة، لتتحول أم الفحم خلال أسابيع قليلة من بلدة تابعة لقضاء جنين إلى مدينة داخل حدود دولة الاحتلال. ورغم بقاء أهلها في بيوتهم، إلا أن مساحة أراضيهم تقلصت تدريجياً مع مرور العقود، لا سيما مع بناء الجدار الذي قطع امتدادها الشرقي نحو قرى جنين والضفة الغربية.
لقد ضرب أهالي أم الفحم أروع الأمثلة في التضحية؛ ففي الماضي باع آباؤها مواشيهم وأفراسهم ليشتروا السلاح ويقاتلوا المستعمر. اليوم، تكبر أم الفحم لتصبح واحدة من أكبر المدن الفلسطينية داخل أراضي 48، محافظةً على هويتها، وذاكرتها النضالية، وصمود أبنائها فوق أرضهم رغم تغير الحدود وتوالي التحديات.