تمثل قضية الأسرى الفلسطينيين من سكان الأراضي المحتلة عام 1948، والذين يُعرفون في السردية السياسية والقانونية بـ “أسرى الداخل”، أحد أعقد الملفات في الصراع العربي الإسرائيلي. وفي قلب هذا الملف، تبرز سيرة الأسير يحيى مصطفى محمد اغبارية كنموذج حي لمعاناة “أسرى ما قبل أوسلو” الذين طالهم التهميش السياسي والنسيان المتعمد في الاتفاقيات الدولية. إن دراسة حالة يحيى اغبارية تتجاوز مجرد سرد السيرة الذاتية لشخص أمضى أكثر من ثلاثة عقود خلف القضبان؛ بل هي تحليل للبنية القانونية والسياسية التي تستخدمها سلطات الاحتلال لترسيخ سياسة الاستثناء والتمييز القومي ضد مواطنيها الفلسطينيين الذين اختاروا طريق المقاومة.
جغرافيا المقاومة في المثلث الشمالي
وُلد يحيى مصطفى اغبارية في مدينة أم الفحم، وتحديداً في قرية مشيرفة الواقعة في منطقة المثلث الشمالي، وهي منطقة لطالما اعتبرت معقلاً للحركة الوطنية والهوية الفلسطينية المتجذرة. نشأ اغبارية في بيئة مشحونة بالتحديات الوجودية، حيث بدأت ملامح وعيه تتشكل في أعقاب أحداث يوم الأرض عام 1976، التي مثلت نقطة تحول جوهرية في علاقة فلسطينيي الداخل بالدولة العبرية. إن الانتماء الجغرافي ليحيى اغبارية إلى أم الفحم لم يكن مجرد تفصيل مكاني، بل كان عاملاً حاسماً في صياغة رؤيته للصراع، حيث كانت المدينة توفر الغطاء الشعبي والفكري للشباب الذين رأوا في سياسات التمييز والمصادرة دافعاً للانخراط في العمل الوطني الشامل.
لقد أدت حرب يونيو 1967 واحتلال ما تبقى من فلسطين إلى كسر حاجز الخوف لدى فلسطينيي الـ 48، مما أتاح لهم إعادة التواصل مع محيطهم الفلسطيني والعربي. هذا التواصل لم يكن ثقافياً فحسب، بل تحول إلى انخراط فعلي في صفوف المقاومة الفلسطينية تحت مظلة فصائل منظمة التحرير والقوى الوطنية الأخرى، وهو المسار الذي سلكه يحيى اغبارية برفقة رفاق دربه في أوائل التسعينيات، مجسداً وحدة المصير بين جناحي الشعب الفلسطيني خلف وأمام “الخط الأخضر”.
الملف التعريفي والاعتقالي للأسير يحيى اغبارية
| البند | التفاصيل المعيارية |
| الاسم الكامل | يحيى مصطفى محمد اغبارية |
| مكان السكن والنشأة | أم الفحم – قرية مشيرفة |
| تاريخ الاعتقال | 3 مارس/آذار 1992 |
| الحالة الاجتماعية عند الأسر | أعزب |
| الحكم القضائي الصادر | 3 مؤبدات + 16 عاماً |
| التهمة الأساسية | تنفيذ عملية معسكر “جلعاد” العسكرية |
| التصنيف السياسي | أسرى ما قبل اتفاقية أوسلو |
التحول التكتيكي والصدى الأمني
في الرابع عشر من فبراير/شباط عام 1992، شهدت الأوساط الأمنية والعسكرية الإسرائيلية صدمة كبرى إثر تنفيذ عملية عسكرية نوعية استهدفت معسكراً للجيش في منطقة “جلعاد”. هذه العملية، التي عُرفت في الذاكرة الجمعية الفلسطينية باسم “ليلة المآبير” أو “عملية جلعاد”، نفذها أربعة من شباب الداخل الفلسطيني: يحيى اغبارية، ومحمد حسن اغبارية، وإبراهيم حسن اغبارية، ومحمد توفيق جبارين.
تكمن الأهمية الاستراتيجية لهذه العملية في بساطة الأدوات المستخدمة وعمق الأثر الناتج. فقد اعتمد المنفذون على السكاكين والمآبير (الفؤوس) لاقتحام معسكر محصن، مما أسفر عن مقتل ثلاثة جنود إسرائيليين وإصابة آخرين. من المنظور الأمني، مثلت العملية فشلاً ذريعاً لمنظومة الحماية الإسرائيلية، حيث تمكن “مواطنون” يحملون الهوية الإسرائيلية من اختراق قلب المؤسسة العسكرية، مما أثار تساؤلات كبرى حول فعالية سياسات “الأسرلة” والاحتواء. اعتقل يحيى اغبارية بعد أسبوعين من تنفيذ العملية، لتبدأ رحلة اعتقال دخلت الآن عامها الثالث والثلاثين دون انقطاع، مما يجعله أحد أقدم الأسرى في العالم.
سياسة “المؤبد المفتوح” واستثناء الداخل
واجه يحيى اغبارية منظومة قضائية إسرائيلية تتعامل مع أسرى الداخل بازدواجية معقدة. فمن جهة، ترفض إسرائيل اعتبارهم أسرى حرب مشمولين بالاتفاقيات الدولية، ومن جهة أخرى، تحرمهم من حقوق السجناء المدنيين، وتصنفهم كـ “مخربين أمنيين” خانوا الدولة. حُكم على يحيى بـ “ثلاثة مؤبدات و16 عاماً”، وهو حكم يعكس رغبة المؤسسة العقابية في ضمان عدم خروج هؤلاء المناضلين أحياء من السجن.
إن هذا الوضع القانوني جعل من يحيى اغبارية ومجموعته جزءاً من “الخط الأحمر” في كافة المفاوضات السياسية وصفقات تبادل الأسرى. فقد دأبت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة على استثناء أسرى الداخل والقدس من أي صفقات تجري مع السلطة الفلسطينية أو فصائل المقاومة، بذريعة أن قضيتهم “شأن داخلي” لا يحق لأي طرف خارجي التدخل فيه. هذا الاستثناء تجلى بأبشع صوره في عام 2014، عندما تنصلت إسرائيل من التزامها بإطلاق سراح “الدفعة الرابعة” من الأسرى القدامى، والتي كان يحيى اغبارية أحد أسمائها المدرجة، مما أدى في النهاية إلى انهيار مسار المفاوضات آنذاك.
رفاق يحيى اغبارية في قضية “جلعاد” وأحكامهم
| الأسير المناضل | تاريخ الاعتقال | الحكم الصادر | الوضع الحالي |
| إبراهيم حسن اغبارية | 26 فبراير 1992 | 3 مؤبدات + 16 عاماً | لا يزال رهن الاعتقال |
| محمد حسن اغبارية | 26 فبراير 1992 | 3 مؤبدات + 16 عاماً | لا يزال رهن الاعتقال |
| محمد توفيق جبارين | 2 مارس 1992 | 3 مؤبدات + 16 عاماً | لا يزال رهن الاعتقال (سجن جلبوع) |
| يحيى مصطفى اغبارية | 3 مارس 1992 | 3 مؤبدات + 16 عاماً | لا يزال رهن الاعتقال |
الحياة في “الزمن الموازي”: فلسفة الصمود وخلق المعنى
أمضى يحيى اغبارية أكثر من ثلاثة عقود في ما وصفه الأسير الشهيد وليد دقة بـ “الزمن الموازي”. هذا المفهوم يعبر عن الحالة التي يعيشها الأسير، حيث تتوقف عقارب الساعة البيولوجية والاجتماعية خلف القضبان، بينما يستمر العالم الخارجي في التحول السريع. بالنسبة ليحيى، لم يكن السجن مجرد مكان للعقاب، بل تحول إلى ساحة للمواجهة الفكرية والوطنية.
انخرط يحيى في كافة معارك “الحركة الوطنية الأسيرة”، من إضرابات عن الطعام للمطالبة بتحسين الظروف المعيشية، إلى المشاركة في العملية التعليمية التي حولت السجون إلى أكاديميات تخرج الكوادر الوطنية. إن صموده لأكثر من 32 عاماً هو فعل مقاومة مستمر، يتحدى محاولات الاحتلال لـ “صهر وعيه” ودفعه نحو اليأس. ويشترك يحيى في هذه المعاناة مع رفاقه من أسرى الداخل الذين فقدوا زهرة شبابهم، وتحولوا إلى رموز حية للصبر، مثل كريم يونس الذي تحرر بعد 40 عاماً، ووليد دقة الذي ارتقى شهيداً بسبب الإهمال الطبي.
رحيل “جنرالة الصبر” والحرمان من الوداع
تعد قصة يحيى اغبارية مع عائلته، وتحديداً مع والدته الحاجة رحمة اغبارية، أحد أكثر الفصول إيلاماً في مسيرته. لُقبت الحاجة رحمة بـ “جنرالة الصبر” و”أم محمود”، حيث أمضت أكثر من 30 عاماً وهي تنتقل بين السجون لزيارة ابنها، متحدية كبر سنها وتدهور حالتها الصحية. كانت الحاجة رحمة تمثل السند المعنوي ليس ليحيى فحسب، بل لكافة أسرى الداخل، حيث لم تترك فعالية إسناد إلا وشاركت فيها بصوتها المبحوح ودعواتها المستمرة.
في عام 2022، وبعد ثلاثة عقود من الانتظار المرير، وافت المنية الحاجة رحمة اغبارية دون أن تتمكن من احتضان ابنها يحيى حراً. وكعادتها في ممارسة التنكيل النفسي، رفضت سلطات الاحتلال السماح ليحيى بإلقاء نظرة الوداع الأخيرة على جثمان والدته، وهو ما اعتبره ناشطون حقوقيون خرقاً صارخاً للمواثيق الإنسانية الدولية. هذا الحرمان لم يكن مجرد إجراء أمني، بل كان جزءاً من سياسة ممنهجة تهدف إلى تحطيم الروح المعنوية للأسرى المحكومين بالمؤبد، والذين يعيشون هاجس فقدان الأهل وهم خلف القضبان.
مقارنة بين أسرى الداخل (48) وأسرى المناطق المحتلة (67)
| وجه المقارنة | أسرى الداخل (نموذج يحيى اغبارية) | أسرى الضفة وغزة |
| الأساس القانوني | “مواطنون إسرائيليون” بموجب الهوية | سكان مناطق محتلة بموجب القانون الدولي |
| فرص التحرر في الصفقات | ضئيلة جداً وتخضع لفيتو إسرائيلي | مرتفعة نسبياً في صفقات التبادل |
| التهمة السياسية الإسرائيلية | “خيانة الدولة” بالإضافة للمقاومة | “عدو أمني” |
| الولاية التفاوضية | ترفض إسرائيل إدخالهم في مفاوضات السلطة | تقع ضمن مسؤولية منظمة التحرير |
| الحرمان العائلي | فقدان الأبوين في السجن لمدد تتجاوز 30 عاماً | معاناة مشابهة لكن بفرص التقاء أكثر في الصفقات |
يحيى اغبارية وصناعة الوعي الوطني: رفاق الدرب والمعاناة
لا يمكن قراءة سيرة يحيى اغبارية بمعزل عن المحيط النضالي الذي عاش فيه. فهو جزء من مجموعة “أسرى المؤبدات” في الداخل التي تضم أسماء مثل إبراهيم بيادسة، وأحمد أبو جابر، ومحمد توفيق جبارين. هؤلاء الأسرى شكلوا معاً نواة صلبة داخل السجون، حافظت على الهوية الوطنية الفلسطينية في مواجهة محاولات التذويب القومي.
إن حالة يحيى تشترك في تفاصيلها مع حالة الأسير المقدسي الكفيف علاء البازيان، الذي فقد بصره نتيجة إصابة قبل الاعتقال، وأمضى عقوداً في السجن، ثم أُعيد اعتقاله بعد تحرره في صفقة “وفاء الأحرار”. هذا الرابط يوضح أن استهداف مناضلي الداخل والقدس هو استراتيجية إسرائيلية عليا تهدف إلى “تطهير” الحيز العام الإسرائيلي من أي مظاهر للمقاومة، حتى لو كانت هذه المقاومة تعود لثلاثة عقود مضت.
التحديات الجيوسياسية والمنعطفات الحرجة بعد أكتوبر 2023
دخلت قضية يحيى اغبارية ورفاقه من الأسرى القدامى منعطفاً خطيراً في أعقاب أحداث أكتوبر 2023. فقد تحولت السجون الإسرائيلية إلى ساحات انتقام ممنهج، حيث فُرض عزل كامل على الأسرى، وقُطعت الزيارات، وصودرت كافة المقتنيات الشخصية. وبالرغم من أن يحيى اغبارية يبلغ من العمر الآن نحو 59 عاماً، وأمضى أكثر من نصف عمره في السجن، إلا أنه لم يسلم من هذه السياسات القمعية.
تشير التقارير الواردة من السجون، ومن شهادات أطباء مثل الدكتور حسام أبو صفية الذي تعرض للاعتقال والتعذيب، إلى أن الأسرى يعانون من جوع حاد، ونقص في الرعاية الطبية، وعمليات ضرب مبرح أدت إلى فقدان كبير في الوزن وتدهور في الحالة الصحية العامة. بالنسبة لأسير قديم مثل يحيى اغبارية، فإن هذه الظروف تمثل تهديداً مباشراً لحياته، خاصة في ظل انعدام الرقابة الدولية ومنع المحامين من الزيارة لفترات طويلة.
المسؤولية الوطنية والدولية: نحو تحرير “الدفعة الرابعة”
تظل قضية يحيى اغبارية اختباراً مستمراً للمشروع الوطني الفلسطيني. إن الفشل في إطلاق سراحه ضمن الدفعة الرابعة في عام 2014 يضع القيادة الفلسطينية والمجتمع الدولي أمام مسؤولية أخلاقية وسياسية كبرى. فاستمرار احتجاز رجل لـ 33 عاماً هو انتهاك لجوهر العدالة، وتحويل السجن إلى “قبر للأحياء” هو جريمة ضد الإنسانية لا تسقط بالتقادم.
تتطلب المرحلة القادمة استراتيجية وطنية شاملة تقوم على:
- رفض الاستثناء: التمسك بمبدأ “وحدة الحركة الأسيرة” ورفض أي صفقات مستقبلية تستثني أسرى الداخل والقدس.
- التدويل الحقوقي: طرح قضية يحيى اغبارية ورفاقه في المحاكم الدولية كرهائن سياسيين يتم احتجازهم خارج إطار القانون الدولي الإنساني.
- الدعم الشعبي: تعزيز صمود عائلات الأسرى في الداخل، وتوثيق سيرهم لضمان بقائها حية في ذاكرة الأجيال القادمة.
يحيى اغبارية.. شمس لن تحجبها جدران جلبوع
إن سيرة الأسير يحيى مصطفى اغبارية هي ملحمة صمود فلسطينية بامتياز. فمن أزقة مشيرفة في أم الفحم إلى زنازين “هداريم” و”جلبوع” و”النقب”، ظل يحيى متمسكاً بحلمه في الحرية والعودة. لقد فقد والديه، وتغير وجه العالم من حوله، لكن إيمانه بعدالة قضيته ظل ثابتاً لا يتزحزح.
إن يحيى اغبارية اليوم ليس مجرد سجين، بل هو رمز للهوية الفلسطينية العابرة للحدود والخطوط الوهمية. إن حريته، وحرية رفاقه من أسرى الداخل والقدس، هي المقياس الحقيقي لانتصار الإرادة الإنسانية على غطرسة القوة. وكما قال رفيقه كريم يونس عند تحرره: “الأربعون عاماً لم تهزمني” ، فإن يحيى اغبارية يبعث اليوم، من وراء جدران سجن النقب، رسالة مفادها أن الشمس التي انتظرها لثلاثة عقود ستشرق حتماً، وأن “جنرالة الصبر” رحمة اغبارية ستظل روحها ترفرف فوقه حتى لحظة العناق الأول مع تراب وطنه حراً كريماً.
