Skip to content Skip to footer

سِنديانه الرينة: حكاية غسان عثاملة وصراع البقاء في أرض الرباط

في سفح الجليل، حيث تتنفس قرية “الرينة” عبق التاريخ الممتد بين الناصرة وكفر كنا، لم تكن صرخة الميلاد لغسان أمين عثاملة مجرد رقم في سجلات النفوس، بل كانت إيذاناً بميلاد “مرابط” سيقضي نصف عمره يصارع ليبقى فلسطينياً في قلب منظومة سعت بكل ثقلها لـ “أسرلته” وتدجين وعيه. كبر غسان وهو يرى شجر الزيتون يقاوم المصادرة، فتعلم أن الأرض لا تُعطى بل تُنتزع، وأن القيد ليس إلا ضريبة لمن اختار أن يكون “ألف التعريف” لوطنه المنهوب عام 1948.

خريف الظلم الأول.. حين غدت التهمة “هوية”

لم يكد غسان يتلمس طريقه في العمل الوطني حتى كانت عتمة الزنزانة بانتظاره. في عام 1988، وبينما كانت فلسطين تشتعل بالانتفاضة الكبرى، تذوق غسان مرارة “الاعتقال الإداري” لأول مرة. كان حكماً بلا تهمة، سيفاً مسلطاً بالسر استند إلى “ملف المخابرات” الذي لا يراه إلا الجلاد. لم تكن هذه سوى “بروفا” لمسلسل قادم من الغياب. عاد القيد ليطبق عليه مجدداً في تشرين الثاني عام 1994، عقب رحلة إلى الخارج، حيث ادعى “الشاباك” أن التواصل مع أبناء شعبه في الشتات هو “اتصال بمنظمات محظورة”. كان غسان يبتسم في وجوه المحققين، مدركاً أن السجن ليس عقاباً على جرم، بل هو “محاولة لصهر الوعي” وتذكير فلسطينيي الداخل بأنهم “تحت المجهر” دوماً.

ليلة “الجلمة”: حين صار الوقت “علكة بغل”

مع انفجار انتفاضة الأقصى في تشرين الأول 2000، وفي ليلة خريفية باردة، اقتحمت القوات الخاصة منزل غسان في الرينة. كان إيهود باراك قد وقع بيده على أمر اعتقال إداري استثنائي بحقه، ليكون أول فلسطيني من الداخل يُعتقل إدارياً منذ سنوات. نُقل غسان إلى سجن “الجلمة” (كيشون)، وهناك فُتحت عليه أبواب الجحيم المنظم.

في تلك الزنزانة الضيقة، كان غسان يحاور جدرانه بصوت خافت:

“يا ربي، زنزانة متر بمترين، أقضي فيها 23 ساعة وحيداً، وساعة واحدة أرى فيها شبراً من السماء بين أسلاك شائكة. السجان يريدني أن أجنّ، وأنا أريد أن أعبدك بالصبر. هم يسمونه سجناً، وأنا أسميه محراب رباط”.

لستة أشهر، حُرم غسان من لمس يد زوجته أو احتضان أطفاله الأربعة. كانت الزيارة تتم خلف زجاج غليظ، يُحرم فيه الأسير حتى من نقل إحساسه لذويه. يصف غسان تلك اللحظات بأنها “تعذيب للروح قبل الجسد”، حيث يرى أبناءه يكبرون عبر الزجاج مثل صور صامتة، وتنمو الغصة في حلقه كلما حاول أن يمد كفه لتلامس كف طفله الملتصقة بالطرف الآخر من العازل.

ليلة المآبير والارتحال إلى “شطة”: حكاية سنوات الرماد

في عام 2003، انتقلت الملاحقة إلى فصل أكثر قسوة. اعتقل غسان مع شقيقه سرحان، وهذه المرة بتهم “أمنية ثقيلة” تخلط بين النضال القومي وبين “العمل العسكري”. حُكم على غسان بالسجن الفعلي لست سنوات ونصف. داخل سجون “نفحة” و”شطة” و”جلبوع”، تحول غسان من أسير إلى “قائد مدرسة الوعي”. كان يرى السجن “جغرافيا سادسة” تضاف لفلسطين، ويشبه الغرفة التي ينام فيها ويأكل ويستحم ويدرس بـ “القفص الذي يشيخ فيه الجسد وتشبُّ فيه الفكرة”.

في إحدى خلواته مع رفاقه في سجن شطة، كان غسان يقول:

“تخيلوا يا إخوتي، مريض السرطان بيننا يخرج للعيادة وهو مكبل بالأصفاد الرباعية، يعود سعيداً ليس لأنه تماثل للشفاء، بل لأنه فقط شم هواءً خارج الغرفة لدقائق. السجان يريدنا أرقاماً، والوحدة الوطنية هي قانوننا الوحيد للانتصار على هذه العدمية”.

كان غسان يدير معارك “الأمعاء الخاوية”، يوزع الملح والماء على الشباب، ويذكرهم بأن “الجوع في سبيل الله هو شبع للكرامة”. أمضى تلك السنوات وهو يرقب أخبار الصفقات التي كانت تمر بجانبه دون أن تلمسه، فـ “أسرى الداخل” كانوا دائماً هم “الاستثناء المر” في حسابات التفاوض، يُتركون بقرار إسرائيلي لـ “القتل البطيء”.

الحرية المخطوفة: سجن ما بعد السجن

في 29 أيلول 2009، فُتحت بوابات سجن “شطة” لغسان وسرحان. استقبلتهما الرينة بعرس وطني لم تشهده من قبل؛ رُفعت الأعلام الفلسطينية وصور “كريم يونس” و”وليد دقة” فوق الأكتاف. سجد غسان على تراب قريته شُكراً لله، لكنه لم يكد يستنشق هواء الجليل حتى بدأ “سجن المنع من السفر”.

بدأ وزير الداخلية آنذاك “إيلي يشاي” بإصدار أوامر إدارية متلاحقة تمنع غسان من مغادرة البلاد، مستنداً إلى أنظمة الطوارئ البريطانية لعام 1945 التي لم تزل إسرائيل تطبقها على العرب. كان الهدف واضحاً: خنقه داخل “القفص الكبير” وعزله عن محيطه القومي. لكن غسان، الذي لا يعرف الانكسار، ردّ في عام 2014 بتأسيس حركة “كفاح” القومية، معلناً من الناصرة أن النضال ليس مقاعد في “الكنيست”، بل هو التحام بمحور المقاومة وجذور العروبة.

حوار البصيرة: “الحرية قرار وليست قدراً”

في بيته بالرينة، وبينما كان يرقب جبال الجليل تحت شمس الأصيل، جلس غسان عثاملة يحكي حكاية لم تكتمل بعد.

س: أبا أمين، كيف يتحول السجن إلى “كلية للوعي” كما كنت تصفه دوماً؟

أجاب بوقار المؤمن: “السجن يا بني هو المساحة التي يختبر فيها السجان قدرته على تحويلك إلى جماد. نحن جعلنا من الزنزانة جامعة؛ درسنا فيها لغة العدو لنفكك فكره، ودرسنا تاريخنا لنثبت جذورنا. السجن الحقيقي هو أن تفقد بوصلتك، وأنا في ظلمات ‘الجلمة’ كنت أرى القدس أوضح مما يراها البعض في الشمس. الحرية هي صلاة في محراب اليقين”.

س: وماذا عن “الغصة الوجيعة” التي تتحدث عنها دوماً عند ذكر أسرى الداخل؟

تنهد بعمق: “أصعب ما في الأسر ليس الجوع أو العزل، بل أن تشعر أنك ‘ابن غير شرعي للثورة’ في حسابات السياسيين. أسرى الداخل دفعوا أعمارهم لتموت عائلاتهم وهم خلف القضبان. هل تتخيل رجلاً يمضي 40 عاماً وأمنيته الوحيدة هي ‘عناق’ أمه قبل رحيلها؟ نحن حراس الهوية، والرباط في أرض 48 هو الجهاد الأكبر في هذا العصر”.

ميزان الحق في قواميس القانون الدولي

تؤكد جمعية أفق الحرية أن ما تعرض له غسان عثاملة، من اعتقالات إدارية متكررة وعزل انفرادي لشهور طويلة ومنع من السفر لسنوات، يمثل خرقاً صارخاً للعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية وللمادة 9 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. إن استخدام “الملفات السرية” لاعتقال القيادات السياسية في الداخل هو شكل من أشكال “الأبارتهايد القضائي” الذي يسلب الإنسان حقه في الدفاع عن نفسه. إن مسيرة غسان هي وثيقة تاريخية تثبت أن الاحتلال يخشى “الوعي” أكثر مما يخشى السلاح، وأن كرامة الأسير الفلسطيني هي الصخرة التي تتحطم عليها كل مشاريع التدجين.

يا دامي العينين والكفين.. إن الليل زائل

بقي غسان عثاملة في الرينة، سنديانه جليلية تأبى الانحناء. لم تكسره عتمة “الجلمة” ولا رتابة “شطة” ولا قيود السفر. ستبقى قصته منارة للأجيال، تذكرهم بأن “ألف التعريف” هي فلسطين، وأن القيد، مهما طال، يشيخ وتشبُّ الروح المؤمنة بالحق أبداً.

Leave a comment

مرحبًا، كيف يمكننا مساعدتك اليوم؟