سياسات الخنق المشترك: حصار غزة واستيطان الضفة وجهان لعملة واحدة
لا يمكن فهم ما يجري في غزة والضفة الغربية باعتبارهما أزمتَين متوازيتَين تصادفتا في زمنٍ واحد، بل ينبغي قراءتهما بوصفهما تعبيرَين مترابطَين عن سياسةٍ واحدة متكاملة الأهداف والأدوات، تستهدف في جوهرها تفتيت الوجود الفلسطيني وإضعاف قدرته على التماسك والمقاومة.
في غزة، يُجسّد الحصار البري والبحري والجوي المفروض منذ ما يزيد على سبعة عشر عاماً نموذجاً فريداً من نماذج العقاب الجماعي الممنهج. فمنذ عام ٢٠٠٧، تحوّل القطاع إلى ما وصفه المسؤولون الأمميون بـ”أكبر سجنٍ مفتوح في العالم”؛ إذ تُحكَم السيطرة على كل ما يدخله أو يخرج منه، من الغذاء والدواء إلى الطاقة والمواد الإنشائية، فيما تُحوَّل المداخل والمخارج إلى أدوات ضغط وابتزاز لا إلى منافذ حياة. ثم جاءت الحرب التي اندلعت في أكتوبر ٢٠٢٣ لتُحوّل هذا الحصار إلى كارثة وجودية شاملة؛ بنيةٌ تحتية مُدمَّرة بنسبة غير مسبوقة، ومستشفياتٌ تعمل في العتمة، ومجتمعاتٌ نازحة تُصبح ملاجئها المؤقتة هي ذاتها أهدافاً.
في الضفة الغربية، يأخذ المشهد شكلاً مختلفاً في مظهره لكنه متشابه في جوهره. فبدلاً من الحصار المفروض من الخارج، تعمل منظومة السيطرة عبر تقطيع الجسد الجغرافي الفلسطيني من الداخل: ٦٠٠ نقطة تفتيش وحاجز تُقطّع شرايين التنقل بين المدن والقرى، وجدارٌ فصلٍ يمتد لأكثر من سبعمائة كيلومتر اقتطع مساحاتٍ شاسعة من الأراضي الفلسطينية، فيما تتمدد المستوطنات على الجبال والتلال وتُسيطر على مصادر المياه وتُفرّغ القرى المحيطة بها من إمكانيات التطور والنماء. هذه المستوطنات التي تُعدّ مخالفةً صريحة للقانون الدولي لم تتوقف، بل تسارعت وتيرتها في سنواتٍ أخيرة، إذ بلغ عدد المستوطنين في الضفة الغربية وحدها ما يتجاوز سبعمائة ألف مستوطن.
الحصار والاستيطان ليسا قراريْن منفصليْن اتُّخذا في غرفتَين مختلفتَين؛ هما فقرتان في نصٍّ واحد، يُقرأ من أوله إلى آخره بمنطق الإحلال والإزاحة.
ما يجمع هذين المشهدَين ليس التزامن فحسب، بل التكامل الوظيفي. ففي غزة تُستنزَف الإرادة عبر الدمار والتهجير المتكرر؛ أما في الضفة فتُستنزَف عبر التجزئة وقضم الأرض وخنق مستقبل الاقتصاد. في كلا الحالتين، الهدف المُضمَر واحد: جعل الحياة الطبيعية الفلسطينية مستحيلة بما يكفي لإنتاج يأسٍ هادئ أو رحيلٍ طوعي. ولهذا يُخطئ من يُحلّل ما يجري في غزة معزولاً عن الضفة، كما يُخطئ من يُقيّم مسار التسوية في الضفة منفصلاً عن حجم الدمار في غزة؛ فالمنظومتان تتغذّيان على بعضهما وتُشكّلان معاً مشهداً واحداً متكاملاً.
وقد كشفت الحرب الأخيرة عن وجهٍ آخر لهذا الترابط؛ إذ شهدت الضفة الغربية ارتفاعاً حاداً في العمليات العسكرية والاقتحامات وحملات الاعتقال، كأن التصعيد في غزة أطلق يداً أكثر حرية في التعامل مع الضفة في ظل تركيز الأضواء الإعلامية والسياسية كلها على القطاع. في هذا السياق، يغدو الفصل الجغرافي بين ضفتَي هذه القضية ورقةَ تغطيةٍ لا حاجزاً فعلياً.
البُعد الإنساني والاجتماعي: عائلاتٌ مُمزَّقة وحقوقٌ مُجمَّدة
خلف كل إحصاء ورقم يقف إنسانٌ بعينه، وتقف عائلة بأكملها. وربما لا شيء يُجسّد وحدة المعاناة الفلسطينية بين غزة والضفة أكثر من مأساة الأسر الممزقة؛ تلك الأسر التي فرّقتها الجغرافيا القسرية منذ عقود، فأصبح الأخ لا يستطيع أن يزور أخاه على بُعد مئة كيلومتر، والأم لا تستطيع أن تضم ابنها المريض، والأب لا يستطيع أن يرى أحفاده قبل أن تُغمَض عيناه.
نظام التصاريح الذي يُشكّل العمود الفقري لآلية التنقل بين القطاعين حوّل أبسط الحقوق الإنسانية إلى امتيازاتٍ استثنائية. فللحصول على تصريح للسفر بين غزة والضفة، يحتاج الفلسطيني إلى مبررٍ “مقبول” أمام الجهات العسكرية الإسرائيلية، وكثيراً ما يعني ذلك إثبات أن حالته الطبية بالغة الخطورة، أو أن رحلته تنطوي على ضرورة “إنسانية استثنائية”. وحتى في هذه الحالات، قد يُرفض الطلب أو يتأخر لأسابيع حتى يفقد مبرّره الأصلي.
شهادة موثّقة: حالة من الضفة الغربية“انتظرت تسعة أشهر للحصول على تصريح لزيارة والدي المريض في غزة. حين جاء التصريح أخيراً، كانت الحرب قد منعت أي تنقل. رحل والدي ولم أودّعه.”
ولا تقتصر هذه المعاناة على فقدان التواصل الجسدي، بل تمتد لتطال البنية النفسية والاجتماعية للأسرة الفلسطينية بأسرها. فالأب في غزة الذي لا يعلم شيئاً عن مصير أبنائه الدارسين في الضفة يعيش قلقاً مزمناً يُضاف إلى وطأة الحصار. والشاب في الضفة الذي يتابع عبر الشاشة مشاهد الدمار في الحي الذي وُلد فيه، يحمل جرحاً غير مرئي لا يُداوى. هذه الانفصالات المتراكمة تُنتج جيلاً كاملاً يحمل حنيناً لأماكن لم يزرها، وحزناً على أقارب لم يُعانقهم.
أما على الصعيد الطبي، فإن الحرمان من التصاريح الصحية يُشكّل واحدة من أشد فصول هذه القضية مرارة. إذ يضطر المرضى من غزة الذين يحتاجون إلى علاجاتٍ غير متوفرة في القطاع المحاصر للسفر إلى مستشفيات الضفة أو القدس، وهو مسارٌ تعترضه منظومة التصاريح بكل تعقيداتها البيروقراطية. وقد وثّقت منظمات حقوقية دولية عديدة حالات وفاةٍ لمرضى سرطان وأمراض قلبية وأطفال يعانون من عيوب خلقية، فارقوا الحياة بانتظار تصريح لم يأتِ في وقته. هذا الموت المؤجَّل بيروقراطياً لا يختلف في نتيجته عن أي موتٍ آخر؛ غير أنه يحمل وصمة الإهمال المتعمَّد التي تجعله فادحاً مضاعفاً.
وفي السياق ذاته، تعاني العائلات الممتدة بين القطاعين من انقطاعٍ في الموروث الاجتماعي والثقافي؛ فالأعراس التي لا تكتمل بحضور الأقارب من الجانب الآخر، والجنازات التي يغيب عنها الأبناء والإخوة، والأطفال الذين لا يعرفون وجوه أجدادهم إلا عبر صور شاشة الهاتف، كلها تُعبّر عن عملية قطعٍ ممنهج في نسيج الذاكرة الجماعية والتضامن الأسري. ولعل هذا البُعد هو الأشد خطورة على المدى البعيد؛ لأن ما يُدمَّر فيه ليس الحجارة والمباني بل الروابط الإنسانية التي لا يمكن لأي إعمارٍ مادي أن يُعيدها كما كانت.
وحدة المصير الإنساني: حين تنعكس غزة على الضفة والضفة على غزة
إحدى أكثر المفارقات إيلاماً هي أن الفصل الجغرافي بين غزة والضفة لم يحل دون تدفق الجراح من طرفٍ إلى آخر؛ بل ربما عمّق إحساس كلٍّ منهما بمعاناة الآخر حين باتت الشاشات والأخبار تُشكّل جسراً عاطفياً بديلاً عن الجسر الجغرافي المحظور.
على المستوى النفسي، أثبتت الدراسات التي أجرتها مراكز بحثية فلسطينية ودولية أن مستويات القلق والاكتئاب واضطراب ما بعد الصدمة في الضفة الغربية تتصاعد بشكلٍ ملحوظ في كل مرحلة يشهد فيها قطاع غزة تصعيداً عسكرياً. وهذا ليس تضامناً عاطفياً فحسب، بل هو استجابة نفسية متوقعة لدى مجتمعٍ يرى في ما يجري لأشقائه صورةً مكبَّرة لمصيره المحتمل. إن الفلسطيني في نابلس أو الخليل حين يتابع مشاهد التدمير في غزة لا يراها حدثاً خارجياً؛ يراها مرآةً تعكس هشاشته هو أيضاً، وهو وعيٌ يُثقل كاهل الحياة اليومية بأعباءٍ لا تُرى لكنها لا تُحتمَل.
وعلى الصعيد الاقتصادي، يتجلى الترابط بصورةٍ صارخة. فالاقتصاد الفلسطيني في الضفة الغربية، الهش أصلاً بفعل القيود المفروضة، يتلقى موجات صدمةٍ متكررة كلما اشتدت الأزمة في غزة؛ إذ تتراجع الصادرات إلى الأسواق العربية، وينخفض الإنفاق السياحي، وتتقلص تحويلات المغتربين الذين يواجهون بدورهم الضغط النفسي والأخلاقي الناجم عن الكارثة. فضلاً عن ذلك، فإن الانتشار العسكري المتصاعد في الضفة خلال مراحل التصعيد يُلحق أضراراً مباشرة بالنشاط التجاري والحركة الاقتصادية في مدن من مثل جنين ونابلس ورام الله.
لا تقع غزة والضفة في جغرافيتَين مختلفتَين من الألم؛ بل تقعان في قلبٍ واحد يُرهَق من جانبَيه في الآنِ ذاته.
والعكس صحيحٌ أيضاً، إذ يُلقي الوضع في الضفة بظلاله على المزاج العام في غزة. فحين تشتد الاعتداءات على المقدسات في القدس، أو حين تُشنّ مداهماتٌ على مخيمات اللاجئين في الضفة، يتصاعد الشعور بالاختناق الشامل داخل غزة المحاصرة. وكما أن الأزمة المستمرة في غزة تُشكّل جزءاً من البيئة النفسية التي يعيش فيها الفلسطيني في الضفة، فإن استمرار الاستيطان والتهجير في الضفة يُمثّل بدوره مصدراً دائماً لليأس لدى أهل غزة الذين يعلمون أن ما تنجو منه القضية في جبهة يُبتلع من جبهةٍ أخرى.
وعلى مستوى الرواية والهوية، تُشكّل المعاناة المشتركة مادةً خصبة لإنتاج وعيٍ جمعي يتجاوز حدود الإقليم. فالقصائد التي يكتبها شعراء غزة عن الحصار تُقرأ في مخيمات الضفة بوصفها تعبيراً عن حالتهم هم أيضاً، وصور الدمار التي تبثّها شبكات التواصل الاجتماعي تُقابَل بنفس مزيج الحزن والصمود في كلا الطرفين. إن هذا الإنتاج الثقافي المشترك لمعنى المعاناة ليس أمراً هامشياً بل هو جزءٌ مما يُبقي الهوية متماسكة في وجه الضغوط التفتيتية التي تستهدفها.
صوت من المخيم، ضفة غربية“حين نرى غزة تُقصَف، نحن لا نشاهد الأخبار. نحن نرى مستقبلنا. نرى ما الذي قد يحدث لنا. لذا نبكي ليس فقط لأهل غزة، بل لأنفسنا أيضاً.”
الهوية أعمق من الجدران: صمودٌ يتجاوز الجغرافيا
في نهاية المطاف، ثمة درسٌ عنيد تُعطيه القضية الفلسطينية لكل من حاول قراءتها وفق منطق التجزئة والفصل: إن الجدران قد تُقسّم الجغرافيا، والحواجز قد تُعطّل التنقل، والحصار قد يُعرقل التواصل، غير أن شيئاً واحداً يظل عصياً على كل هذه الأدوات وهو الهوية الجماعية بما تحمله من ذاكرة وأسماء وأرواح.
فالهوية الفلسطينية لم تنكسر تحت ثقل السنوات السبع عشرة من الحصار على غزة، ولم تتفتت بين مئات نقاط التفتيش في الضفة، ولم تُمحَ بالدمار الذي طال شوارع وحارات وبيوتاً كاملة. بل يمكن القول إن هذه الضغوط المتراكمة، بدلاً من أن تُنتج التفكّك، أنتجت نوعاً من التلحيم العميق بين مكونات هذا الشعب؛ تلحيماً يجري في المستوى الأعمق من الوجود، حيث تتشكّل الهويات لا في الوثائق الرسمية بل في الوجع المشترك والحلم المشترك.
وإدراك هذه الحقيقة ضروري لأي قراءة عادلة للمشهد، ولأي مسعى جاد نحو العدالة. فما دامت السياسات القائمة تستهدف الوجود الفلسطيني في غزة والضفة بأدواتٍ متكاملة ومتنسّقة، فإن أي نقاش عن حلٍّ عادل لا يعالج الواقع في كلا الجانبين معاً يبقى قاصراً. والعالم الذي يتفرج على غزة وينسى الضفة، أو يُعاين الاستيطان ويُغضّ الطرف عن الحصار، لا يرى المشهد كما هو؛ بل يرى ما أُريد له أن يرى.
غزة والضفة ليستا جرحَين منفصلَين في جسدين مختلفَين.
هما جرحٌ واحد في قلبٍ واحد، يُشفى معاً أو لا يُشفى أبداً.
© أفق الحرية
منبر حقوقي وإنساني مستقل · جميع الحقوق محفوظة
نشر هذا المقال لأغراض التوثيق الحقوقي والتوعية الإنسانية
