ما تحمله الأنقاض: الذكريات التي لا تطحنها الحرب
في أعقاب كل غارةٍ تطحن حياً بأكمله وتُسوّيه بالأرض، يبدأ فصلٌ مختلف تماماً من المأساة لا تُصوّره الكاميرات عادةً: فصل البحث عن الأشياء الصغيرة. إن الناجين الذين يعودون إلى أنقاض منازلهم لا يبحثون أولاً عن الأثاث الثمين أو الذهب المدفون، بل يبحثون عن صورةٍ ملتقطة في عيدٍ ميلادي، ودفترٍ تعلّمت فيه ابنتهم الكتابة لأول مرة، وبطانيةٍ لا قيمة مادية لها لكنها تحمل رائحة الجدة المتوفاة. هذه الأشياء الصغيرة هي ما يُعرَّف فيلسوفياً بـ”أوعية الهوية” — تلك الأشياء التي تحمل ذاكرةً أعمق مما تحمله الوثائق الرسمية.
أم محمد، امرأةٌ في الخمسين من عمرها، تحفر بيديها في ركام ما كان بيتها في حي الزيتون. تحفر ببطء وعناية كمن يعالج جرحاً دقيقاً. حين يسألها المارة لماذا لا تنتظر المعدات، ترفع رأسها وتقول بصوتٍ هادئ مُرعب: “المعدات لا تعرف أين وضعتُ صورة عرسي.” تُخرج في نهاية المطاف إطاراً مكسوراً من الزجاج فيه صورة مُعفَّرة بالغبار لعروسٍ شابة تبتسم. تمسح الزجاج المكسور بطرف ثوبها، تحضن الإطار، وتجلس على الركام في صمتٍ مطوّل كأنها تُتمّ محادثةً بدأتها قبل عقود.
الأنقاض لا تحمل الإسمنت والحديد فحسب؛ تحمل طبقاتٍ من الزمن الفلسطيني: أعياد الميلاد، وأولى خطوات الأطفال، والسهرات، والدروس المحفورة على هوامش الكتب المدرسية.
في مخيم جباليا، كان يوسف البالغ من العمر اثني عشر عاماً يحمل في يده كرةً بلاستيكية مثقوبة من جانبٍ واحد. حين سُئل عنها قال ببساطة: “هذه كرة أخي الصغير كريم. كريم لقي ربّه في الغارة الثانية.” لم يُضف شيئاً. أحكم قبضته على الكرة وعاد يمشي.
لكن ثمة بُعداً آخر لما تحمله الأنقاض: الكتب. في حي الرمال، كان بيت نزار الزهار مكتبةً صغيرة لعائلته؛ ما يزيد على ثلاثمئة كتاب جمعها على مدى عشرين عاماً. حين دُمّر البيت، كانت أولى الأشياء التي أسرع إليها هي الكتب المتناثرة بين الركام. أنقذ ما يقارب أربعين كتاباً، بعضها مُحترق الحواف وبعضها مبلول من مياه المبنى المكسورة. وضعها في كيسٍ بلاستيكي كبير ويحملها معه أينما انتقل بين مواقع التهجير. “الكتب أخفّ من الأثاث”، يقول ضاحكاً بمرارةٍ دقيقة، “وأهم بكثير.”
شهادة: امرأة من حي الشجاعية“كنتُ دائماً أرتّب صور الأولاد على الجدار بترتيبٍ معيّن. الكبير على اليمين، ثم التوأمان، ثم الصغيرة. لما رجعتُ بعد الغارة وجدتُ الجدار كلّه سقط. لكن صورة التوأمَين وجدتُها سليمة تحت كومة من الحجارة. قلتُ لنفسي: هذا ليس صدفة. الله أراد أن يقول لي إنهما بخير.”
التمسّك بهذه الأشياء ليس وهماً ولا هروباً؛ هو فعلٌ نفسي بالغ الأهمية. فالذاكرة، كما يُؤكد علم النفس الصدمي، هي ما يُبقي الهوية متماسكة حين تنهار كل البنى الخارجية التي تحمل تلك الهوية عادةً، البيت والحي والمدرسة والمسجد والسوق. حين تختفي كل هذه البنى دفعةً واحدة، يتحوّل الشيء الصغير المُنقَذ من الركام إلى عمودٍ فقري رمزي، يقول لصاحبه: “كنتَ هنا، وكانت لك حياة، وهذه الحياة حقيقية.” إن الشيء المُنقَذ ليس ذكرى فحسب؛ هو دليلٌ إثبات على وجودٍ لا يُمحى.
الحياة من نقطة الصفر: فنّ اختراع اليوم
الساعة الرابعة فجراً في مخيم النازحين المنتشر على أطراف خان يونس. قبل أن ينفضّ الليل تماماً، تُشعل فاطمة نيراناً صغيرة من قطع خشبٍ مكسورة وبقايا أثاثٍ تُقلّبت في أنقاض حيٍّ مجاور. تضع عليها قِدراً أسود يحمل آثار تسخيناتٍ سابقة، وتبدأ في إعداد ما تيسّر لأطفالها الأربعة: عدسٌ جافّ مطبوخ بلا ملح لأن الملح شحيح، وخبزٌ مُسطَّح أعجنته بيديها من دقيقٍ ممزوج بالنخالة. ليس هذا ما اعتادت عليه، فاطمة كانت تمتلك مطبخاً حديثاً في بيتها في رفح، وكانت تطبخ وجباتٍ غنية وتحب أن تُطعم جيرانها في الأعياد. لكن كل هذا صار ماضياً، والحاضر هو هذه النار الصغيرة وهذا القِدر الأسود وهؤلاء الأطفال الذين تحدّق في وجوههم النعسانة وتُحدّث نفسها: “طالما هم هنا، فثمة ما يستحق الطبخ.”
الماء. ربما لا شيء يصف الحياة من نقطة الصفر في غزة كما تصفها رحلة الماء اليومية. في مناطق واسعة من القطاع، انقطعت شبكات المياه أو دُمّرت. وهكذا تحوّل الحصول على الماء الصالح للشرب إلى مهمةٍ يومية تستغرق ساعاتٍ وتتطلب تنظيماً دقيقاً. الأطفال الذين كانوا يذهبون إلى المدرسة في السابعة صباحاً يقفون الآن في طوابير أمام صهاريج المياه أو يحملون جرادل بلاستيكية خضراء عبر شوارع مفتوحة على الهواء الحار. بعضهم يقطع كيلومترين أو ثلاثة كيلومترات ذهاباً وإياباً مرتَين أو ثلاث مرات في اليوم الواحد.
يقول عمر، الفتى ذو الثلاثة عشر عاماً، وهو يُمسك بيدَيه جردلَين ممتلئَين: “صار عندي عضلات من الماء.” يُظهر كتفيه بنوعٍ من الفخر الطفولي المُحزن. ثم يُضيف بعد لحظة صمت: “أحسن من ولا شي.” هذه الجملة القصيرة تحمل فلسفةً مدهشة في بساطتها، إن الإنسان الذي يُصادر منه كل شيء يبني هرمَ قيمه من جديد، ويبدأ في تقدير ما كان يأخذه مُسلَّماً قبل أن ينتزع منه.
شهادة: أبو رامي، ٥٨ عاماً، من حي الشجاعية“كنت مهندساً. أعمل على الكمبيوتر وأُصمّم مبانٍ. الآن أجلب الماء وأشعل النار وأبني مأوى من خيمتَين مربوطتَين ببعض. قلتُ لأولادي: هذا أفضل مشروع هندسي عملتُه في حياتي. لأنه البيت الوحيد الذي بنيتُه أنا بيديّ.”
الخيام فوق الأنقاض، هذا المشهد المُركَّب والمُركَّب في الوقت ذاته هو ربما أكثر صور الصمود الفلسطيني تعقيداً وتعبيراً. ففي أكثر من حيٍّ مُدمَّر، قرّر بعض الأهالي عدم الابتعاد كثيراً عن منازلهم المهدومة؛ فنصبوا الخيام فوق الركام أو إلى جانبه مباشرةً. هذا الاختيار ليس عبثاً ولا تعلّقاً أعمى بمكانٍ صار خطيراً، هو إعلانٌ صامت بالتمسّك، رسالةٌ لا صوت لها تقول: “أنا هنا. هذه أرضي. والخيمة فوق ركام بيتي أفضل من شقةٍ آمنة في مكانٍ لا ينتمي إليّ.”
الخيمة المنصوبة فوق الركام ليست تسليماً بالهزيمة؛ هي الشكل الأكثر عناداً للبقاء
الإصرار على البقاء في المكان ذاته حتى حين يتحوّل إلى غبار.
أم هيثم تجلس كل مساءٍ على حجرٍ أصبح مقعدها المعتاد في ما كان يُشبه غرفة المعيشة في بيتها. تصنع القهوة على موقدٍ صغير يعمل بالغاز المتبقي في قارورةٍ أوشكت على الانتهاء. تشرب القهوة ببطء، تُحدّق في الأفق. “كنا نشرب القهوة هنا كل مساء”، تقول، “الطاولة كانت هناك، والكنبة هناك، والتلفزيون هناك.” تشير بيدها إلى الفضاء الفارغ كأنها تتحدث عن غرفةٍ لا تزال قائمة. “الآن الطاولة والكنبة والتلفزيون تحت الحجارة. لكن القهوة باقية، وأنا باقية، وهذا المكان باقٍ في رأسي.”
الطبخ على الحطب، جلب الماء، نصب الخيام، الاحتماء من الشمس خلف جدرانٍ نصف مهدومة، إعادة توظيف كل شيء، البطانيات كأبواب، وصفائح الزنك المجعّدة كأسقف، والحجارة الكبيرة كطاولات — كل هذه الأفعال التي قد تبدو للعيون الخارجية علاماتٍ على الانهيار هي في حقيقتها دليلٌ على الطاقة الاختراعية الهائلة للإنسان حين يُضغَط إلى أدنى نقطةٍ ممكنة. إن الإنسان الذي يُعيد بناء حياته بهذه الطريقة لا يُثبت أنه وصل إلى حضيض السقوط؛ يُثبت أنه لا يعرف كيف يُسلّم.
إرادة النهوض: حين تُصبح الأنقاض قاعدة الانطلاق
في زاويةٍ من زوايا شارع مهجور في غزة، وُلد محلٌّ صغير لا يزيد على بضعة ألواح خشبية مستقاة من الأنقاض وقطعة قماشٍ ممتدة كسقف. صاحبه أبو سامر، الذي كان يُدير بقالةً في الحي قبل أن تُمسح في الغارة الخامسة عشرة، قرّر بعد أسبوعٍ واحد من تهجّره أن يعود ويبدأ من جديد. ما لديه لا يكاد يُذكر: بعض علب التونة، وأكياس مصنوعة من البلاستيك معاد التدوير، وكيلوغرامات قليلة من السكر والشاي. لكن المحل فتح. والجيران جاؤوا. ليس لأنه أرخص المتاجر في المنطقة — فلا توجد متاجر أخرى أصلاً — بل لأن مجرد فتحه كان فعلاً رمزياً يقول: الحياة لم تُغلَق بعد.
“أول يوم فتحتُ المحل”، يروي أبو سامر وعيناه تبتسمان قبل شفتيه، “جاءني جارٌ عجوز واشترى منّي كيس شاي. دفع وقال لي: ‘بارك الله فيك يا أبو سامر، رجعتَ.’ وبكى. أنا ما فهمتُ ليه بكى على كيس شاي. بعدين فهمتُ: ما بكاش على الشاي. بكى لأن رأى شيئاً طبيعياً وسط اللاطبيعي.”
الأسواق الشعبية المؤقتة هي واحدة من أكثر ظواهر الصمود دلالةً. في أكثر من منطقة من مناطق التجمعات النازحة، نشأت أسواقٌ عفوية من أصفار: مخلّفات الخيام تبادلها الناس، والملابس المُتبرَّع بها توزَّع، والأدوات القليلة تُؤجَّر بأسعار رمزية. في هذه الأسواق لا تنشأ معاملاتٌ تجارية فحسب؛ تنشأ شبكةٌ اجتماعية جديدة، وتُعاد هياكل المجتمع المحلي بشكلٍ مُصغَّر وطارئ. الرجل الذي كان مُعلّماً يُصبح موزّع مياه، والمرأة التي كانت خيّاطةً تُصبح مُرمِّمة ملابس مقابل وجبة، والشاب الذي كان يدرس الهندسة يُصبح مُنظَّم مخيم. التخصصات تُمحى والأدوار تُعاد توزيعها وفق منطق البقاء الجماعي لا الفردي.
شهادة: معلمة من غزة، لجأت إلى رفح ثم عادت“في المخيم كنا نجتمع كل يوم أنا وأربع معلمات تانيات. جبنا أطفال الحي وبدأنا ندرّسهم تحت شجرة. ما كانش معنا كتب ولا أقلام. كنا نكتب على الأرض بالعيدان. الأطفال كانوا يحفظون بسرعةٍ ما تتوقعها — لأن ما فيش شيء ثاني يشغلهم. المدرسة كانت أهم شيء في يومهم.”
الطاقة الشمسية أيضاً حكايةٌ في الصمود. في مناطق انقطع فيها الكهرباء كليّاً، بدأ بعض الشباب في جمع ألواحٍ شمسية من منازل مهجورة أو من بعض التبرعات النادرة، وربطوها معاً في نظامٍ بدائي يكفي لشحن الهواتف وإضاءة مصباحٍ أو اثنين في الليل. هذه “الخلية الشمسية المشتركة” التي تتقاسمها عشر خيامٍ أو خمس عشرة أصبحت مركز الحي المؤقت؛ الناس يجتمعون حولها لشحن هواتفهم، فيتحدثون، فيتبادلون الأخبار، فيُطمئنون بعضهم، فيُخطّطون ليومٍ آخر يمكن تجاوزه.
وثمة بين هذه المبادرات ما هو أبعد مدى وأعمق دلالة: المزارع الصغيرة التي أُنشئت بين الخيام. بذورٌ جاءت من حقولٍ قديمة أو من تبرعاتٍ عابرة، غُرست في علب معدنية وأكياس بلاستيكية وقطع أنابيب مكسورة. الطماطم والباذنجان والبقدونس تنمو في ظروفٍ لا يظنها أحد صالحة للنمو. لكنها تنمو. وحين يرى الطفل النبتة الخضراء الصغيرة تشقّ رأسها من التراب، يرى شيئاً لا يُشتَرى بمال: يرى أن الأرض لا تزال تُعطي، وأن الحياة لا تزال تختار الخروج إلى النور حتى في أصعب الأحوال.
النبتة الخضراء في العلبة المعدنية المنتشَلة من الأنقاض ليست تفصيلاً هامشياً
هي إعلانٌ جذري بأن الصمود ليس مجرد تحمّل، بل اختيارٌ واعٍ لاستمرار الحياة.
كلّ هذه المبادرات تُقرأ أحياناً من الخارج بعيونٍ شفقيّة، كأنها شواهد على البؤس وسعيٌ يائس للنجاة. لكن من يُمعن النظر يرى شيئاً مختلفاً تماماً: يرى مجتمعاً يُعيد، من الصفر ومن الركام ومن التراب، بناء نفسه على القيم الأساسية ذاتها التي كانت تحكمه قبل الدمار — التضامن والمشاركة والعمل والتعليم وإطعام الجار وتقدير البذرة الصغيرة. المبادرة ليست حيلةً للبقاء فحسب؛ هي استمرارٌ لأسلوب حياةٍ رفض أن يُقطع.
الأنقاض كمنصة: الصمود الفلسطيني وتحويل الركام إلى منطلق
حين تسير بين أحياء غزة المُدمَّرة اليوم، لا تجد المشهدَ الذي تتوقعه حتماً إن كنت معتاداً على صور ما بعد الكوارث في أماكن أخرى من العالم. لا تجد تجمدّاً في الزمن ولا صمتاً مطبقاً ولا استسلاماً هادئاً. تجد صخباً بشرياً من نوعٍ فريد: أصوات المطارق تُصلح ما يمكن إصلاحه، وأصوات الأطفال يلعبون في شوارع لم تُكنس بعد، وأصوات النساء يتبادلن وصفاتٍ لكيفية الطبخ بأقل المتاح، وأصوات الرجال يُخططون معاً لما سيصنعونه في اليوم التالي.
لقد أثبتت غزة ما أثبتته في كل مرة سبقت، وهو أن الصمود الفلسطيني ليس مجرد تعبيرٍ سياسي فارغ يُرفع في الخطابات، بل هو ممارسةٌ يومية من الكد والتحمّل والابتكار والتضامن والعناد المُقدَّس في مواجهة كل ما يُراد به أن يُقضى على الوجود. هو المرأة التي تُعيد طبخ القهوة على نارٍ صغيرة في مكانٍ ما زال يحمل اسم غرفة معيشتها حتى وهو ركام. هو الطفل الذي يحفظ اسم أخيه الراحل في قبضته على كرةٍ مثقوبة. هو الشاب الذي يفتح محلاً من ألواح خشبية ليُثبت أن الحياة لم تُغلَق بعد.
والأنقاض التي تُغطي الأرض الفلسطينية في غزة اليوم ليست نهاية الفصل؛ إنها قاعدة الفصل التالي، الذي لم يُكتب بعد لكنه يُخطَّط له في كل يومٍ يقرر فيه إنسانٌ واحد أن يبقى، أن يزرع، أن يُعلّم، أن يفتح باباً ولو من قماشٍ، أن يشعل ناراً ولو من أعواد يابسة، أن يجلس في المكان ذاته ويُعيد قراءة اسمه وعنوانه وتاريخه ليتأكد أنه لا يزال هناك.
في غزة، تتعلّم الأنقاض أن تحمل ثانيةً
وتتعلّم الركام أن يكون أساساً لا نهاية.
فالصمود ليس فعل الأقوياء وحدهم
هو اختيار كل من قرر، مرةً أخرى، أن يقول:
أنا هنا.
© أفق الحرية — منبر حقوقي وإنساني مستقل
نُشر هذا التقرير لأغراض التوثيق الإنساني والتوعية الحقوقية. جميع الشهادات مستقاة من تقارير ميدانية وشهاداتٍ موثّقة.
