التعليم في غزة: حين تتحول الخيمة إلى فصلٍ دراسيٍّ والركام إلى مقعد
دمار البنية التعليمية: ما لا يُصلَح بالأسمنت وحده
الأرقام المتعلقة بتدمير المدارس في غزة تُصدم بقسوتها. غير أن ما يفوق صدمة الأرقام هو ما يعنيه ذلك على المستوى الإنساني: حين تُهدم مدرسةٌ تُهدم معها الطاولة التي نقشت عليها طفلة اسمها بمسمار صدئ، ولوح الفصل الذي كتب عليه المعلم أول حروف الأبجدية أمام أعين مذهولة، ومكتبةٌ تضمّ كتباً كانت آخر ما يلمسه الطلاب برفقٍ قبل أن يُودّعوها في نهاية العام. دمار المدرسة ليس فقط دماراً لجدران — إنه دمارٌ للفضاء الذي تتشكّل فيه هوية الطفل المعرفية والاجتماعية.
وقد طالت موجات الدمار الجامعات أيضاً، تلك المؤسسات التي كانت تُشكّل قفزةً جيليةً نحو المستقبل لآلاف من أبناء غزة. الجامعة الإسلامية وجامعة الأزهر وجامعة غزة وعشرات المؤسسات التعليمية الأخرى تحوّلت في غضون شهور من صروحٍ للمعرفة إلى مباني متصدّعة أو ركام كامل. وطلابٌ كانوا على مشارف التخرج فقدوا سنوات دراستهم وملفاتهم وأعمالهم البحثية ومنحهم المحتملة في لحظة واحدة.
واقعة موثّقة: قطاع غزة
أشارت تقارير منظمات حقوقية دولية إلى أن عدداً من طلاب الثانوية العامة في غزة أدّوا امتحاناتهم النهائية في مناطق النزوح دون كتبٍ أو ملاحظات، معتمدين فقط على ما حفظوه قبل التهجير. بعضهم جلسوا على الأرض في الخلاء أو داخل خيام مزدحمة. وكانت الأقلام التي بين أيديهم أحياناً الأشياء الوحيدة التي جلبوها معهم من بيوتهم المدمّرة.
المعلم التطوعي: حين يصبح التدريس فعل إنقاذ
في خضمّ الكارثة، برزت ظاهرةٌ إنسانية لافتة: معلمون ومعلمات فلسطينيون نازحون مثل غيرهم، يعيشون في الخيام ويفتقرون إلى أبسط ضروريات الحياة، يُقرّرون أن يُدرّسوا. يُجمّعون الأطفال في ركنٍ من أركان المخيم، ويرسمون دائرةً من الوجوه الصغيرة المُتعطّشة للانتظام الذي فقدوه. لا سبورة، لا كراسي، لا دفاتر في أغلب الأحيان، لكن ثمة صوتٌ يُعلّم، وآذانٌ تُنصت، وأيدٍ صغيرة تكتب في الهواء أو على الرمل. هذا التعليم ليس بديلاً بأي معيارٍ تربوي، لكنه الفعل الذي يقول للطفل: لا يزال ثمة معنى للغد.
شهادة: معلمة متطوعة، مخيم نازحين جنوب غزة:“في الأول ما كنت أعرف كيف أبدأ. ليش ندرّس وكل شيء اتكسّر؟ بعدين شفت عيون الأطفال لما بيجوا — فيها شيء بيتطلع فيّ. بيطلبوا يعرفوا. فهمتُ إنه التعليم مش رفاهية — هو الشيء الوحيد اللي قادر يقول لهيك طفل إنه إنسان ومش بس لاجئ.”
المدارس الأممية: الملجأ الذي لم يسلم هو الآخر
شكّلت مدارس وكالة أونروا تاريخياً شبكة أمانٍ تعليمية واجتماعية لأبناء اللاجئين في غزة. وحين بدأت الحرب، تحوّلت هذه المدارس إلى ملاجئ لمئات الآلاف من النازحين، فقدت بذلك وظيفتها التعليمية الأصلية، وتحوّلت إلى غرف نومٍ جماعية ومطابخ مؤقتة وعيادات طوارئ. لكن حتى هذا الدور الإنساني البديل لم يُجنّبها الاستهداف، وهو ما وثّقته تقارير وكالة الأمم المتحدة وأثار موجاتٍ واسعة من الانتقادات على الصعيد الدولي.
حين تُستهدف المدرسة، لا يُستهدف بناءٌ فحسب
يُستهدف المستقبل بوصفه مفهوماً، ويُستهدف الحلم بوصفه حقاً.
تعليمٌ تحت الحصار في الضفة: الطريق إلى المدرسة حقل ألغام
الحاجز بين الطفل ومقعده الدراسي
في الضفة الغربية، لا تأخذ أزمة التعليم شكل الدمار الصاروخي الفجائي — تأخذ شكل التآكل اليومي البطيء. وأشد ما يُجسّد هذا التآكل هو مسألة الحواجز. إذ لا تُشكّل نقاط التفتيش المنتشرة على طرق المدارس والجامعات عائقاً مادياً للتنقل فحسب، بل تحمل معها طقوس التفتيش والانتظار والإذلال الذي يُهشّم الطفل نفسياً قبل أن يصل إلى فصله الدراسي. فكيف يُتوقع من طفلٍ اجتاز حاجزاً وخضع لتفتيشٍ جسدي وسمع الصياح وربما رأى تصادماً بالقرب منه — أن يدخل بعدها مباشرةً فصله ويُركّز على درس الرياضيات؟
وتُضاف إلى ذلك الاقتحامات الليلية للمخيمات والأحياء التي تُبقي الأطفال مستيقظين في الليل يرتجفون من الخوف ويُصغون إلى أصوات تكسير الأبواب وهدير الآليات، ثم يُطلب منهم أن يتوجهوا صباحاً إلى المدرسة وأن يتعلموا. هذه الانتهاكات ليست حوادث عرضية، إنها نمطٌ منهجي موثّقٌ يؤثر على الحق في التعليم بصورةٍ مباشرة وقابلة للقياس.
الإطار الحقوقي الدولي:
تكفل المادة الثامنة والعشرون من اتفاقية حقوق الطفل للأمم المتحدة (١٩٨٩) — التي صادقت عليها إسرائيل عام ١٩٩١ — حق كل طفل في التعليم، وتُلزم الدول الأطراف باتخاذ التدابير الكافية لضمان هذا الحق وعدم عرقلته. كما تُحدد المادة التاسعة والعشرون أن التعليم يجب أن يستهدف التطوير الكامل لشخصية الطفل واحترام كرامته الإنسانية. والانتهاكات المرصودة في الضفة وغزة تتعارض بصورة مباشرة مع هذه الالتزامات الدولية.
الأثر النفسي: الجرح الذي لا يُرى في صور الأنقاض
شهدت عياداتٍ نفسية مجتمعية في الضفة الغربية ارتفاعاً ملحوظاً في حالات القلق واضطراب النوم والرهاب المدرسي لدى الأطفال الذين يعيشون في مناطق الاقتحامات المتكررة. يصف المختصون النفسيون ما يُسمى بـ”فرط اليقظة المزمنة” — وهي حالةٌ يظل فيها الجهاز العصبي للطفل في حالة استنفارٍ دائم، يترقب الخطر حتى في بيئاتٍ آمنة ظاهرياً، ما يُعيق قدرته على التركيز والاستيعاب والتفاعل الاجتماعي السليم. إن هذا الجرح النفسي لا يظهر في صور الأنقاض ولا في إحصاءات الضحايا — لكن آثاره تُقاس في الأجيال القادمة من خلال فجواتٍ في التحصيل والقدرات وبناء الشخصية.
شهادة: معالجة نفسية تطوعية، مخيم جنين“أطفال المخيم لا يُنامون بعد منتصف الليل في أكثر الأحيان. يسمعون صوتاً ويصحون، يشعرون بحركةٍ ويصحون. في الجلسات بيرسم الواحد منهم دائماً آلياتٍ وجنوداً حتى لو طلبت منه يرسم شيئاً سعيداً. الدماغ ما يزال داخل الاقتحام الليلي حتى في النهار الواضح.”
الطلاب الجامعيون: حلمٌ معلّق على الحاجز
لا يقتصر تأثير الحواجز والاقتحامات على أطفال المدارس — يمتد ليطال طلاب الجامعات الذين يجتازون مسافاتٍ يومية طويلة بين مخيماتهم وجامعاتهم عابرين حواجز متعددة. شهدت هذه الحالات توقيف طلابٍ عند الحواجز وتأخيرهم لساعاتٍ يومياً، أو احتجازهم أحياناً في أوقات الامتحانات. كما تُؤثّر الأوضاع على قرارات القبول الجامعي لدى الشباب الذين يختارون أحياناً جامعاتٍ أدنى تصنيفاً لكنها أقرب وأسهل وصولاً لتفادي مخاطر التنقل اليومي — وهو ما يُؤثّر على مساراتهم المهنية مدى الحياة.
مبادرات التمكين: كيف يواجه المجتمع سلاح التجهيل
التعليم الشعبي: حين يصبح المجتمع مؤسسةً بديلة
في وجه ما يمكن تسميته “سياسة التجهيل الممنهج” وهي سياسةٌ تستهدف عبر تدمير المدارس والتضييق على التعليم إنتاج جيلٍ أقل معرفةً وأضعف توثيقاً وأقل قدرةً على المطالبة بحقوقه، يُبتكر المجتمع الفلسطيني فضاءاتٍ تعليمية غير رسمية تُمثّل في جوهرها مقاومةً هادئة وعميقة. مراكز الدعم النفسي المجتمعية التي تُضمّن برامجها أنشطةً تعليمية، والمساجد التي تفتح أبوابها لحلقات الدراسة، والمرابع النسائية التي تُدرّس القراءة والحساب، وشبكات الآباء الذين يتبادلون إحضار المواد الدراسية كل هذه الأشكال تُجسّد ما يُعرّفه المربّون بـ”التعليم المقاوم”: التعلّم رغم العوائق وبسببها.
مبادرة ملهمة: رام الله والبيرة
في أعقاب اقتحاماتٍ متكررة لمخيمٍ في محيط رام الله، بادرت مجموعةٌ من أمهات المخيم إلى تشكيل “حلقات الصباح”، جلساتٌ يومية مدتها ساعة في الباحة المفتوحة، يتناوبن فيها على قراءة قصصٍ للأطفال الصغار ومراجعة دروس الأطفال الكبار. بدأت بسبع أطفال وسبع أمهات، وامتدت في ظرف أسابيع لتشمل أكثر من أربعين طفلاً يلتحقون بها يومياً قبل انطلاق الحافلة المدرسية.
التعليم الرقمي: جسرٌ عبر الحصار
تُشكّل منصات التعليم الإلكتروني والتطبيقات التعليمية العربية خطاً دفاعياً رقمياً في مواجهة انقطاع التعليم التقليدي. وقد شهدت أزمة غزة اهتماماً دولياً غير مسبوق من منصاتٍ تعليمية كبرى وفّرت محتوىً مجانياً، ومن معلمين ومتطوعين حول العالم أجروا حصصاً عبر الفيديو مع مجموعات أطفالٍ في مناطق النزوح حيث تتوفر إشارة إنترنت ولو ضعيفة. كما طوّرت مؤسساتٌ محلية بوابات تعليمية إلكترونية ذات محتوى مُكيَّف مع المناهج الفلسطينية وقابل للتنزيل للاستخدام دون اتصالٍ بالإنترنت.
بيد أن هذا المسار يصطدم بعوائق بنيوية واضحة: انقطاع الكهرباء المزمن في غزة يجعل الأجهزة عديمة الفائدة حين لا تُشحَن، والاتصال بالإنترنت يتقطّع ويخفت في المناطق الأكثر نزوحاً والأشد حاجةً، والأطفال الصغار لا يستطيعون الاستفادة من المنصات الرقمية دون مرافقة بالغٍ، وهو بالغٌ قد يكون مشغولاً بالبحث عن رغيفٍ أو جرعة ماء. إن التعليم الرقمي ليس بديلاً ناجزاً، لكنه يُسدّ فجواتٍ لا حصرها.
- فصول الخيام والفضاءات المفتوحة
- بوابات التعليم الإلكتروني المحلية
- برامج الدعم النفسي التعليمي
- مجموعات دعم المعلمين الرقمية
- التعليم عبر الفن والمسرح
- الشراكات الأكاديمية الدولية
كل صفٍّ دراسيٍّ يُفتح تحت خيمةٍ أو بين ركامٍ أو خلف شاشةٍ صغيرة هو رسالةٌ لا تحتاج إلى ترجمة:
التعليم ليس حاجةً ثانوية تُعلَّق في زمن الأزمات، هو أول ما يُنقَذ وآخر ما يُتركُ.
الاستثمار في العقول: الرهان الأكبر على الحرية
حين ينتهي النزاع — وكل نزاعٍ في التاريخ ينتهي بصيغةٍ ما — فإن ما يُحدّد طبيعة ما يأتي بعده ليس فقط ما وُقِّع في اتفاقياتٍ وما رُسِم من حدود، بل ما تحمله في عقولها وذاكرتها وكفاءاتها الأجيالُ التي عاشت الأزمة وتجاوزتها. والجيل الفلسطيني الذي يُولد اليوم من رحم هذه المعاناة يحمل في داخله طاقةً تتجاوز ما يُمكن للدمار أن يُقيّده: طاقة من اكتسب ذكاءه في أصعب الظروف، ومن تعلّم الصمود قبل أن يتعلّم الجبر، ومن يعرف قيمة المعرفة لأنه رآها تُنتزع منه.
غير أن هذه الطاقة الكامنة تستلزم استثماراً حقيقياً يتجاوز التصريحات والبيانات. يستلزم من المجتمع الدولي إعطاء أولويةٍ قصوى لإعادة بناء البنية التحتية التعليمية حين تتاح أي فرصة، والضغط القانوني والسياسي على وقف الانتهاكات التي تستهدف المدارس والطلاب والمعلمين بوصفها انتهاكاتٍ صريحة للقانون الدولي. ويستلزم من منظمات المجتمع المدني ومؤسسات التعليم العالمية توسيع فرص الشراكة والمنح وتبادل المعرفة والدعم التقني للمبادرات التعليمية الفلسطينية في زمن الأزمة.
والأهم من كل ذلك: يستلزم الاعتراف بأن كل طفلٍ يبقى في الدراسة رغم الحواجز، وكل معلمةٍ تُدرّس رغم النزوح، وكل أسرةٍ تُصرّ على أن تحافظ على دفتر ابنها سليماً في حقيبةٍ وسط ركام كل ما تملك — هؤلاء جميعاً يُؤدّون دوراً لا يُقدَّر بالمال في إعادة بناء ما هو أصعب مما يُبنى من أسمنت: الإنسان المُمكَّن، والمجتمع الحيّ، والمستقبل الممكن.
“الطفل الذي يكتب حروفه على الرمل
لأنه لا يملك دفتراً
لا يكتب فقط… يُعلن.
يُعلن أن الحرية ليست ما يُمنح
بل ما يُعرَف
وما يُعرَف لا يُصادَر.”
حقوق الطفل · التعليم · المستقبل · تقرير إنساني موسّع
© أفق الحرية — منبر حقوقي وإنساني مستقل. جميع الأرقام الواردة مستقاة من تقارير منظمات دولية وأممية معتمدة. نُشر لأغراض التوثيق والتوعية.
