تتصاعد من خلف الجدران الإسمنتية العالية، ومن وراء الأسلاك الشائكة التي تنهش سماء “جلبوع” و”الرملة”، حكاية لا تشبه الحكايات، حكاية رجل سكنه الوطن فسكن هو الزنزانة، وحين أراد الموت أن يسرق صوته، تحولت حشرجته إلى نشيد وطني يتردد صداه في أزقة قباطية وجبال نابلس. كمال أبو وعر، ذاك الفدائي الذي لم تنل منه ستة مؤبدات، وجد نفسه في مواجهة عدو غادر يتسلل في خلاياه، مدعوماً بآلة قتل صامتة تسمى “الإهمال الطبي”. إننا في هذا التقرير، الذي يرتدي حلة الوفاء لمسيرة كمال كما تتبناها جمعية “أفق الحرية”، لا نسرد مجرد وقائع جافة، بل نغوص في مسام الوجع الفلسطيني، ونستنطق الصمت الذي خيم على سرير المشفى حيث ارتقى البطل مكبلاً، ونفتح ملفات الذاكرة لنوثق رحلة “الشهيد الذي ينتظر الدفن” في ثلاجات الاحتلال الباردة.
من شتات الخليج إلى تراب الجليل.. ولادة الفدائي ونشأة الحلم
في الخامس والعشرين من تموز لعام 1974، وتحت شمس الكويت التي شهدت ولادة الكثير من أحلام اللجوء، أطل كمال نجيب أمين أبو وعر على الدنيا. لم تكن الكويت بالنسبة لعائلة كمال مجرد وطن بديل، بل كانت محطة انتظار، صُقلت فيها هويته من خلال حكايات والده نجيب عن بلدتهم الأصلية “قباطية” القابعة في حضن جبال جنين. نشأ كمال في بيت يقدس فلسطين، فكان الصغير يتتبع أخبار الانتفاضة الأولى عبر الإذاعات، ويشعر بأن دمه يغلي كلما رأى صورة طفل يحمل حجراً.
في عام 1995، ومع عودة الآلاف من الفلسطينيين إلى أرض الوطن بموجب الاتفاقات السياسية آنذاك، عادت عائلة أبو وعر لتعانق تراب قباطية. كان كمال في الحادية والعشرين من عمره، شاباً يفيض حيوية، بعينين حادتين كعيني صقر، وسرعان ما وجد ضالته في الالتحاق بقوات “الـ17” أو ما يُعرف بحرس الرئاسة. لم تكن الوظيفة العسكرية بالنسبة له مجرد راتب أو رتبة، بل كانت التزاماً مبدئياً بحماية الحلم الفلسطيني الوليد. تلقى كمال تدريباته العسكرية بكفاءة عالية، وحصل على دورات قتالية وتنشيطية جعلت منه جندياً من الطراز الرفيع، متميزاً بالانضباط والصلابة.
تقول والدته في حوار استرجاعي عن تلك الفترة: “كان كمال يعشق بزته العسكرية، يلمع حذاءه كل صباح كأنه يستعد لمعركة كبرى، كنت أخاف عليه من حماسه الزائد، لكنه كان يطمئنني دائماً بقوله: يا أمي، الروح رخيصة كرمال البلاد”. ومع اندلاع انتفاضة الأقصى عام 2000، تحول كمال من مربع الحراسة الرسمية إلى مربع المقاومة الشعبية والمسلحة، منخرطاً في صفوف كتائب شهداء الأقصى في مدينة نابلس، حيث بدأت فصول بطولته الميدانية تُكتب بالرصاص والبارود.
السيرة الذاتية والبيانات الأساسية للشهيد كمال أبو وعر
| البند | التفاصيل والمعلومات |
| الاسم الكامل | كمال نجيب أمين أبو وعر |
| الكنية النضالية | أبو أمجد |
| تاريخ ومكان الميلاد | 25 يوليو 1974 – دولة الكويت |
| الإقامة الدائمة | بلدة قباطية – محافظة جنين |
| الحالة الاجتماعية | أعزب (خطب فلسطين فكانت مهره) |
| المهنة الرسمية | ضابط في جهاز الـ17 (حرس الرئاسة) |
| الانتماء التنظيمي | حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) – كتائب شهداء الأقصى |
| تاريخ الاعتقال | 15 يناير 2003 |
| تاريخ الاستشهاد | 10 نوفمبر 2020 |
لغة الرصاص.. كمال أبو وعر صائداً للمستوطنين
لم يكن كمال في نابلس مجرد مقاتل عابر، بل تحول إلى كابوس يلاحق دوريات الاحتلال والمستوطنين على الطرق الالتفافية. تشير تقارير الحركة الأسيرة إلى أن كمال كان أحد أبرز “قناصي” الكتائب، حيث شارك في عمليات نوعية أوجعت المنظومة الأمنية الإسرائيلية. تذكره أزقة نابلس القديمة وهو يتنقل كالشبح، يقود مجموعات فدائية لصد الاجتياحات الكبرى التي تعرضت لها المدينة، لا سيما خلال عملية “السور الواقي”.
اتهمه الاحتلال بالوقوف خلف عمليات أدت لمقتل عدد من جنود الاحتلال وضباطه، ومن أبرزها العمليات البطولية في محيط مستوطنة “إيتمار” الجاثمة على أراضي نابلس، وعمليات التصدي للمستوطنين عند قبر يوسف. كان كمال يؤمن بأن المقاومة هي اللغة الوحيدة التي يفهمها المحتل، ولذلك رفض كل عروض “التسوية” أو “الاستسلام”، مفضلاً حياة المطاردة القاسية في الجبال والمغارات على العيش تحت وطأة التنسيق أو المذلة. استمرت مطاردته لشهور طويلة، استنفدت خلالها المخابرات الإسرائيلية كل طاقاتها للوصول إليه، حتى وقع في الفخ المنصوب له في مطلع عام 2003.
القيد والكرامة.. رحلة السنوات السبع عشرة في الزنازين
في الخامس عشر من كانون الثاني 2003، سقط كمال أسيراً بعد حصار عسكري مشدد. بدأت رحلة التعذيب في أقبية التحقيق، حيث حاول المحققون كسر إرادته، لكن كمال الذي اعتاد صعود جبال قباطية لم تنحنِ هامته أمام الجلاد. صدر بحقه حكم جائر يعكس حجم الحقد الإسرائيلي تجاهه: السجن المؤبد لست مرات، بالإضافة إلى خمسين عاماً.
تنقل كمال بين سجون “جلبوع”، “ريمون”، و”نفحة”، وكان في كل سجن يمثل حالة من التحدي. لم يكن أسيراً عادياً، بل كان مربياً ومرشداً لرفاقه الأسرى، يشاركهم تفاصيل حياتهم ويخفف عنهم وطأة القيد. يقول أحد رفاقه المحررين: “كان كمال يبتسم دائماً، حتى حين كان يُنقل إلى الزنازين الانفرادية، كان يقول لنا: الزنزانة تضيق على الجسد لكنها تفتح آفاق الروح”.
خلال سنوات اعتقاله، عانى كمال من الحرمان الممنهج من الزيارة. كان والده نجيب يتجرع مرارة الانتظار أمام بوابات السجون، ليرى ابنه من خلف زجاج سميك. وفي حوار مؤلم، يصف الوالد إحدى الزيارات قائلاً: “قلت له يا كمال، متى ستخرج لنزوجك ونفرح بك؟ فضحك وقال: يا والدي، عرسي سيكون يوماً ما زفة تليق بكل تضحياتنا، لا تقلق عليّ، أنا بين إخوتي الأبطال”. لم يكن يعلم الأب أن هذا العرس سيكون جنازة وطنية مهيبة، جثمانها رهينة في ثلاجات الموتى.
تسلسل سنوات الاعتقال والمحطات الرئيسية
| الفترة الزمنية | الحدث والمكان |
| 2003 – 2005 | التحقيق القاسي والتنقل بين مراكز توقيف الشمال |
| 2005 – 2018 | استقرار في سجون الجنوب (نفحة وريمون) والمشاركة في الإضرابات |
| نهاية 2018 | ظهور أولى بوادر الوعكات الصحية والإهمال المبدئي |
| 2019 – 2020 | مرحلة “القتل البطيء” بمرض السرطان وفيروس كورونا |
حين يسكن الموت الحنجرة.. معركة السرطان والإهمال
بدأت فصول المأساة الحقيقية في نهاية عام 2019. كان كمال يشعر ببحة في صوته، وصعوبة متزايدة في البلع، وأوجاع تنهش رقبته ورأسه. وكعادتها، لم تقدم مصلحة السجون له سوى “المسكنات” التي لا تغني ولا تسمن من جوع، متجاهلة صرخاته المكتومة. بعد ضغوط هائلة من الحركة الأسيرة، نُقل كمال لإجراء فحوصات، ليتبين أنه مصاب بسرطان في الحنجرة والأوتار الصوتية، وتكسر حاد في صفائح الدم.
بدلاً من توفير بيئة علاجية إنسانية، بدأت رحلة “البوسطة” اللعينة. خضع كمال لـ 51 جلسة علاج إشعاعي في مستشفى “رمبام” بمدينة حيفا. كان يُنقل مكبلاً بالحديد من يديه وقدميه، ويُثبت على سرير المشفى تحت حراسة مشددة كأنه “خطر أمني” حتى وهو يصارع الموت. يقول محاميه: “كان كمال يذهب للعلاج وهو منهك تماماً، وبدلاً من أن يجد ممرضاً يمسك يده، كان يجد جندياً يصوب سلاحه نحوه، وجنازير حديدية تنهش لحمه الحي”.
تدهورت حالته بسرعة مذهلة؛ فقد وزنه، وفقد قدرته على الكلام تماماً، واضطر للتواصل مع العالم عبر “الكتابة”. وفي إحدى قصاصاته التي كتبها لرفاقه، قال: “صوتي رحل، لكن قلبي لا يزال ينبض بحبكم.. لا تتركوني وحيداً في هذا الصمت”.
كورونا.. الحصار المزدوج والقتل الممنهج
في تموز 2020، وبينما كان جسد كمال أبو وعر يئن تحت وطأة السرطان، جاء فيروس كورونا ليكمل فصول الجريمة. أصيب كمال بالفيروس نتيجة الاختلاط مع السجانين الإسرائيليين الذين كانوا يتنقلون بين السجن والمجتمع الخارجي دون وقاية. نُقل كمال إلى مستشفى “أساف هروفيه” ثم إلى مستشفى سجن الرملة، ليعيش فترة عزل قاسية تفتقر لأدنى المعايير الطبية.
تصف عائلته تلك الفترة بأنها كانت الأصعب. “كنا نعرف أخبار إصابته من التلفزيون، المحامي ممنوع، والصليب الأحمر غائب، وابني يذوب كشمعة في مهب الريح”، يقول والده بمرارة. زادت كورونا من معاناته التنفسية، وأُجريت له عملية لزراعة أنبوب تنفس في الحلق، وأنبوب آخر في المعدة للتغذية، ليتحول كمال إلى “بقايا إنسان” يقاوم بإرادة حديدية.
مقارنة بين الظروف المعيشية والأثر الصحي في سجن الرملة (المسلخ)
| البند | الظروف السائدة في عيادة الرملة | الأثر على صحة الأسير كمال أبو وعر |
| البيئة الصحية | رطوبة عالية، انعدام للتهوية، غرف ضيقة كالقناصل | تفاقم سرطان الحنجرة والتهابات الرئة المستمرة |
| الرعاية الطبية | نقص في الأطباء المتخصصين، اعتماد كلي على الممرضين السجانين | تأخر في اكتشاف الأورام الجديدة وعدم ملاءمة العلاج الكيماوي |
| الأدوية المتوفرة | مسكنات عامة (أكامول) ومنومات قوية لساعات طويلة | تخدير الألم دون علاجه، مما أدى لانتشار السرطان في الغدد والدم |
| التواصل الإنساني | عزل تام، منع الزيارات، قيود جسدية حتى أثناء الفحص | انهيار الحالة النفسية وصعوبة التعبير عن مواضع الألم |
حوار في ثلاجة الموتى.. فلسفة الشهادة المحتجزة
لا تنتهي قصة كمال باستشهاده، بل تبدأ مرحلة أكثر عبثية وقسوة. لقد نُسجت حول استشهاده واحتجاز جثمانه حوارات تفيض بالرمزية، مستوحاة من واقع الأسرى الذين يرحلون وتبقى أجسادهم رهينة. لنتخيل هذا الحوار الذي قد يدور في عتمة ثلاجات الموتى بين كمال ورفاقه الشهداء المحتجزين كبسام السايح وأنيس دولة :
كمال (بصوت متهدج كأنما يخرج من تحت التراب): “شو هالورطة.. إذا وأنا حي أخذلي خمس سنوات حتى نقلوني لسجن ‘رامون’، وعشر سنوات حتى سمحوا للأهل بزيارتي.. قدَّيش بدي وقت وأنا ميت لأخلِّص كل معاملات الدفن؟”.
أنيس دولة (الذي قضى عقوداً في الثلاجة): “لا تستعجل يا كمال.. الضوء هنا يطفأ بمجرد إغلاق باب الثلاجة، وعيونك ستعتاد العتمة.. نحن هنا عالقون في المنطقة الرمادية، بين الحق وتحقيقه.. موتنا صار مثل حياتنا، انتظاراً طويلاً خلف القضبان”.
كمال: “لكنني تركت قباطية تنتظرني.. تركت أمي تخبئ لي ثوب العرس.. هل سأبقى هنا تحت درجة الصفر، بينما جسدي الذي قاوم السرطان يحتاج لدفء التراب؟”.
بسام السايح (يهمس): “تراب القبر ضروري يا كمال، هو الذي يحرر الروح من أعبائها.. نحن هنا لسنا أمواتاً تماماً، ولسنا أحياءً تماماً.. نحن ‘زومبي تاريخي’ يطارد ضمير هذا العالم الذي تركنا نموت بصمت”.
هذا الحوار، وإن كان تجسيداً أدبياً، إلا أنه يعكس الحقيقة المرة التي يعيشها كمال أبو وعر اليوم؛ فهو لا يزال “أسيراً” حتى بعد موته، يطبق عليه الاحتلال قانوناً عنصرياً يحرم العائلات من حقها الفطري في دفن أبنائها.
“المقصلة” والقتل الصامت.. حكاية عيادة الرملة
يطلق الفلسطينيون على عيادة سجن الرملة اسم “المقصلة” أو “المسلخ”. هناك، حيث أمضى كمال أيامه الأخيرة، لا يوجد أطباء يقسمون يمين “أبقراط”، بل سجانين يرتدون أثواباً بيضاء فوق بزاتهم العسكرية. يصف الأسرى المرضى المكان بأنه مرتع للأوبئة، حيث يُلقى المرضى على الأرض من كراسيهم المتحركة تحت ذريعة التفتيش.
في هذا المكان، كان كمال يشاهد رفاقه يرحلون واحداً تلو الآخر، كسامي أبو دياك وبسام السايح، وكان يدرك أن دوره آتٍ. الإهمال الطبي في الرملة ليس “تقصيراً”، بل هو أداة قتل ممنهجة؛ فعدم تشخيص المرض في بداياته، والمماطلة في تقديم العلاج الكيماوي، واستخدام “البوسطة” لنقل المرضى المنهكين، كلها تشكل “جريمة حرب” مكتملة الأركان وفق القانون الدولي.
قائمة بأبرز الأسرى المرضى الذين عاصروا كمال في “المسلخ”
| اسم الأسير المريض | الحالة الصحية وسبب المعاناة |
| محمد أبراش | يعاني من فقدان البصر وبتر في الساق وإهمال طبي شديد |
| خالد شاويش | مشلول كلياً نتيجة إصابات بالرصاص، ويقبع في الرملة منذ سنوات |
| منصور موقدة | “صاحب الأمعاء البلاستيكية”، يعاني من إصابات حرجة وشلل |
| معتصم رداد | مصاب بسرطان الأمعاء ونزيف حاد مستمر، وحالته مهددة بالموت |
| سامي أبو دياك | استشهد في الرملة بعد صراع مرير مع السرطان والإهمال |
إن وجود هؤلاء الأبطال في مكان واحد يفتقر لأدنى المقومات الطبية هو وصمة عار في جبين الإنسانية، وهو ما كان يصرخ به كمال أبو وعر بكلماته المكتوبة قبل أن يغادرنا.
الرحيل المكبّل.. اللحظات الأخيرة في “أساف هروفيه”
في العاشر من تشرين الثاني 2020، سكتت حشرجة الصدر، وتوقف القلب الذي لم يهدأ يوماً عن حب فلسطين. ارتقى كمال أبو وعر شهيداً في مستشفى “أساف هروفيه” الإسرائيلي. تروي التقارير أن كمال فارق الحياة وهو “مكبل اليدين والقدمين”، أمام أنظار السجانين الذين كانوا يتلذذون برؤية وجعه.
لم تسمح سلطات الاحتلال لوالديه بإلقاء نظرة الوداع الأخيرة وهو على سرير الموت، بل استمرت في تعنتها حتى اللحظة الأخيرة. باستشهاد كمال، ارتفع عدد شهداء الحركة الأسيرة إلى 226 شهيداً منذ عام 1967، ليكون كمال هو الضحية رقم 226 التي تشهد على وحشية المنظومة الأمنية والقضائية والطبية للاحتلال.
نعت الحركة الأسيرة شهيدها القائد ببيان زلزلت فيه أركان السجون: “كمال أبو وعر لم يمت بالسرطان، كمال قتله المجرم نتنياهو وأدواته الأمنية.. كمال ارتقى وهو يقرع جدران الخزان، يطالب بحرية لم تكتمل إلا بالشهادة”. كانت جنازته في قباطية “جنازة رمزية”، حيث غاب الجثمان وحضرت الروح، وهتف الآلاف: “يا كمال ارتاح ارتاح.. وإحنا بنكمل الكفاح”.
كمال أبو وعر في ميزان القانون الدولي.. الجريمة والمسؤولية
إن ما تعرض له كمال أبو وعر يمثل خرقاً فاضحاً لاتفاقيات جنيف، لا سيما الاتفاقية الرابعة المتعلقة بحماية الأشخاص المدنيين وقت الحرب، والاتفاقية الثالثة بشأن معاملة أسرى الحرب.
- انتهاك الحق في الحياة والعلاج: المادة (12) من اتفاقية جنيف الأولى والمادة (16) من الاتفاقية الرابعة توجبان توفير الرعاية الطبية الفورية للمرضى. الاحتلال خرق هذه المواد عبر سياسة “المسكنات” والمماطلة في التشخيص.
- التعذيب والمعاملة الحاطة بالكرامة: نقل مريض سرطان مكبلاً عبر “البوسطة” لـ 51 جلسة علاج هو “تعذيب” صريح تحظره المادة (32) من الاتفاقية الرابعة.
- احتجاز الجثامين: المادة (130) من الاتفاقية الرابعة تلزم الدولة الحاجزة بدفن المتوفين باحترام وحسب طقوسهم، وحفظ قبورهم بشكل يسهل الوصول إليه. إسرائيل، عبر احتجاز جثمان كمال، تمارس “عقوبة جماعية” ضد عائلته، وتخالف أبسط القواعد الأخلاقية والقانونية.
تطالب الهيئة الدولية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني (حشد) والمؤسسات الحقوقية بفتح تحقيق جدي في ظروف استشهاد كمال، وملاحقة قادة مصلحة السجون أمام المحكمة الجنائية الدولية كـ “مجرمي حرب”.
الوصية المكتوبة بصمت.. رسائل كمال للأجيال
رغم أن السرطان سلب كمال حباله الصوتية، إلا أنه لم يسلب حبره. كانت رسائله التي خرجت من السجن عبارة عن “دستور للمقاومة”. في إحدى رسائله الأخيرة لمحاميه، كتب كمال بصعوبة بالغة: “لا تبكوا عليّ.. ابكوا على أمة ترى أبطالها يذوبون في السجون ولا تحرك ساكناً.. أنا ذاهب إلى ربي، لكنني أترك خلفي آلاف الكمالات في قباطية ونابلس وجنين”.
وفي رسالة أخرى لإخوته الأسرى، قال: “نحن نشكر الله على كل شيء.. إذا لم يكن هذا المرض لتسليتنا بمصابنا، فهو على الأقل رفع لمعنوياتنا.. نتمنى لكم النصر القريب أو الشهادة المشرفة”. هذه الكلمات كانت الوقود الذي أشعل الغضب في السجون عقب إعلان خبر استشهاده، حيث قرع الأسرى الأبواب (الأشناف) وهللوا وكبروا في وداع مهيب لرفيق الدرب.
أهم الرسائل والوصايا التي تركها الشهيد كمال
| الفئة المستهدفة | مضمون الرسالة والوصية |
| عائلة الشهيد | الصبر والاحتساب، والفخر بمسيرته الفدائية التي لم تنحنِ |
| رفاق الدرب (الأسرى) | الثبات على المبدأ، والوحدة خلف راية المقاومة، وعدم نسيان الأسرى المرضى |
| الشعب الفلسطيني | الاستمرار في النضال حتى التحرير، وعدم السماح للعدو بكسر إرادة الثوار |
| المجتمع الدولي | صرخة صامتة ضد “ديمقراطية” الزيف التي تترك الأسرى يموتون مكبلين |
الذاكرة التي لا تشيخ.. كمال أبو وعر أيقونة قباطية
قباطية، تلك البلدة التي تودع شهيداً وتستقبل آخر، لا تزال تذكر كمال “أبو أمجد” كواحد من أشجع أبنائها. صورته بلباسه العسكري تملأ الجدران، وحكايات مطاردته في جبال “جرزيم” و”عيبال” تروى للأطفال كأساطير واقعية. لم يكن كمال مجرد مقاتل، بل كان إنساناً بقلب رقيق، يحب عائلته ويحن لجلسات المساء في حديقة منزلهم.
تقول ابنة شقيقه: “كان عمي كمال يرسل لنا هدايا من السجن، أشياء بسيطة صنعها بيده، كان يكتب أسماءنا على خرز ملون.. لقد علمنا أن القيد لا يمنع الحب، وأن الوجع لا يكسر الابتسامة”. إن إرث كمال اليوم ليس في حكايات الوجع فحسب، بل في “النموذج” الذي قدمه؛ فدائي في الميدان، صامد في التحقيق، مربٍّ في الأسر، ومجاهد في وجه المرض.
صرخة جمعية أفق الحرية.. نحو إنقاذ من تبقى
إننا في هذا التقرير، ومن خلال منبر “أفق الحرية”، نؤكد أن كمال أبو وعر لم يكن الضحية الأخيرة لسياسة الإهمال الطبي، بل هو جرس إنذار صاخب. هناك العشرات من الأسرى الذين يواجهون ذات المصير في “مسلخ الرملة”. إن الصمت الدولي هو الذي يمنح الاحتلال السكين لقتل أبطالنا ببطء.
نطالب العالم اليوم، ليس بالتعاطف، بل بالتحرك؛ تحرير جثامين الشهداء المحتجزة، وعلى رأسهم جثمان كمال، هو حق إنساني لا يقبل التفاوض. وإغلاق “عيادة الرملة” ونقل الأسرى المرضى لمشافٍ مدنية تحت إشراف دولي هو ضرورة ملحة لإنقاذ ما تبقى من أجساد أرهقها القيد والمرض.
توصيات وتحركات مطلوبة بناءً على حالة كمال أبو وعر
- قانونياً: رفع ملف كمال أبو وعر بشكل عاجل للمحكمة الجنائية الدولية، مع التركيز على “التكبيل أثناء العلاج” و”احتجاز الجثمان”.
- سياسياً: تفعيل الدبلوماسية الفلسطينية للضغط على الدول الموقعة على اتفاقيات جنيف لإجبار إسرائيل على الالتزام بالمعايير الصحية للأسرى.
- ميدانياً: تكثيف حملات الدعم والمناصرة الشعبية للأسرى المرضى، وجعل قضيتهم أولوية في كل المحافل.
- إنسانياً: الضغط على الصليب الأحمر الدولي للقيام بدوره الحقيقي في الرقابة الدورية والمفاجئة على مراكز الاحتجاز الطبية الإسرائيلية.
كمال أبو وعر.. الصوت الذي لن يغيب
رحل كمال أبو وعر، لكن حشرجته لا تزال تهز جدران الزنازين. رحل الفدائي الذي لم يهزم الرصاص جسده، فهزمه “القتل الصامت” بتواطؤ دولي مرير. واليوم، وبينما يقبع جثمانه في عتمة الثلاجات، تظل روحه ترفرف فوق قباطية، وتهمس لكل عابر سبيل: “كنت صوتاً للحق حين سلبوني صوتي، فكونوا أنتم صوتي الآن ليتحرر جسدي من صقيعهم، وأعود لحضن أمي وتراب بلادي”.
كمال نجيب أبو وعر.. ستظل حكايتك منارة لكل الأسرى، وشاهدة على أن الفلسطيني لا ينكسر، حتى وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة مكبلاً.. سلام عليك يوم ولدت، ويوم قاومت، ويوم استشهدت، ويوم تُبعث حراً طليقاً تحت شمس فلسطين التي عشقت. إننا في “أفق الحرية” نعاهدك أن تظل قضيتك حية، حتى نكسر القيد عن الأحياء، ونفك أسر الجثامين من صقيع الاحتلال.
