تمتد سيرة مروان حسيب البرغوثي في ثنايا الزمان الفلسطيني لا كعمر بشري محسوب بالأيام والشهور، بل كظاهرة سسيوسياسية وإنسانية تلخص تكثيفاً نادراً للصراع على الأرض والذاكرة. ولد مروان في السادس من حزيران عام 1959 في قرية كوبر، تلك القرية الوادعة في محافظة رام الله، والتي ستصبح لاحقاً شاهداً حياً على ولادة كادر وطني سيصيغ بوعيه ملامح مرحلة بأكملها. نشأ مروان في كنف أسرة ريفية فلسطينية عانت من وطأة الفقر وتهميش الريف، حيث كان والده يصارع لتأمين لقمة العيش، متنقلاً بين العمل في الأرض والعمل المأجور في المدن الكبرى، وهو ما غرس في نفس الطفل مروان شعوراً مبكراً بالعدالة الاجتماعية والتحرر الوطني. هذه الجذور الريفية، المرتبطة برائحة الأرض وزيت الزيتون، لم تكن مجرد خلفية جغرافية، بل كانت المرتكز الذي تشكلت عليه رؤيته “الإسلامية الإنسانية” التي توازن بين قداسة الأرض وكرامة الإنسان.
تأثرت طفولة مروان بالتحولات الجذرية التي عصفت بفلسطين، وخاصة نكسة عام 1967، حيث انتقلت العائلة لبيتها الجديد في مطلع ذلك العام، لتجد نفسها تحت نير الاحتلال المباشر. يتذكر مروان في مروياته الإنسانية كيف كان الجنود الإسرائيليون يستهدفون أبسط تفاصيل حياتهم، ومنها حادثة مقتل كلب العائلة الصغير الذي كان مروان وشقيقه هشام قد تعلقا به؛ إذ كان هذا الكلب بمثابة الحارس الأمين الذي ينذر القرية بقدوم الدوريات العسكرية بنباحه. قتلت قوات الاحتلال الكلب في إحدى الليالي لخرس صوته، فكانت تلك الحادثة بمثابة “الوعي الأول” لمروان بأن هذا المحتل لا يستهدف الأرض فحسب، بل يستهدف كل كائن يسعى لحماية حيزه الخاص وكرامته.
محطات التكوين والتحولات الكبرى في حياة مروان البرغوثي
| المرحلة الزمنية | المحطة الرئيسية | السياق والتفاصيل |
| 1959 | الميلاد في كوبر | الميلاد في ذروة التحولات العربية والفلسطينية |
| 1967 | حرب حزيران | العائلة تقع تحت الاحتلال وتغير ملامح الوعي الطفولي |
| 1974 | الانخراط التنظيمي | الانضمام لحركة فتح في سن الخامسة عشرة |
| 1976 | الاعتقال الأول | بداية رحلة السجون في سن الثامنة عشرة |
| 1983 – 1985 | رئاسة مجلس الطلبة | قيادة الحركة الطلابية في جامعة بيرزيت وتأسيس الشبيبة |
| 1987 | الإبعاد | الترحيل القسري إلى الأردن بعد اندلاع الانتفاضة الأولى |
| 1994 | العودة إلى الوطن | العودة ضمن اتفاق أوسلو وتولي أمانة سر فتح في الضفة |
| 1996 | الانتخابات التشريعية | الفوز بعضوية المجلس التشريعي كأصغر النواب سناً |
| 2002 | الاعتقال الكبير | الاختطاف من رام الله وبداية حكم المؤبدات الخمسة |
| 2010 | الدكتوراه من السجن | الحصول على درجة الدكتوراه في العلوم السياسية |
| 2025 – 2026 | مرحلة العزل القصوى | التعرض لاعتداءات وحشية وكسر أضلاع وتدهور صحي |
انخرط مروان في العمل الوطني في سن مبكرة جداً، حيث التحق بحركة فتح وهو في الخامسة عشرة من عمره، وكان يرى في هذا الانتماء تجسيداً للفعل المقاوم الذي يتجاوز الشعارات. لم تكن قيادته فطرية فحسب، بل كانت نتاجاً لتفاعل عميق مع هموم الناس؛ ففي مدرسته “الأمير حسن” في بيرزيت، كان يخطب في المساجد ويدعو الشباب للتطوع في حصاد القمح وبناء الأسوار ومساعدة عائلات الأسرى، مما جعله هدفاً مبكراً للمخابرات الإسرائيلية التي كانت تستدعي الطلاب للتحقيق الليلي المرهق. هذا الاندماج بين الروحانية الإسلامية في الخطاب والعمل الاجتماعي الميداني هو ما ميز “أبو القسام” وجعله شخصية تحظى بإجماع شعبي لاحقاً.
في سن الثامنة عشرة، وتحديداً في عام 1976، واجه مروان أول اعتقال فعلي له، وهي التجربة التي صقلت وعيه داخل السجن، حيث بدأ بتعلم اللغة العبرية التي أتقنها لاحقاً لدرجة قراءة الفكر الصهيوني في منابعه الأصلية. خرج من السجن عام 1983 ليلتحق بجامعة بيرزيت، والتي كانت في ذلك الوقت بمثابة “الجامعة الوطنية” التي تخرّج القادة. هناك، لم يكن مجرد طالب تاريخ وعلم سياسة، بل كان مهندساً لحركة الشبيبة الطلابية التي أصبحت الذراع الجماهيري الأقوى لحركة فتح في الأراضي المحتلة.
كان زواجه من رفيقة دربه، المحامية فدوى البرغوثي، ابنة عمه، جزءاً من هذه السردية النضالية. لم يكن زفافاً تقليدياً بقدر ما كان “مهرجاناً وطنياً” حضره آلاف الكوادر من كافة أرجاء فلسطين، ليعكس مدى تغلغل هذه الشخصية في الوجدان الشعبي. تروي فدوى أن مروان، بعد أيام قليلة من الزفاف، عاد لساحات المواجهة ليفرض عليه الاحتلال الإقامة الجبرية، في مفارقة إنسانية جعلت من حياتهما الزوجية امتداداً لزنزانة كبرى يسكنها الوطن.
أنجبا أربعة أبناء: القسام، وربى، وشرف، وعرب، والذين عاشوا طفولتهم بين زيارات السجون والانتظار المر. وتبرز هنا تفاصيل إنسانية مؤثرة حول ولادة ابنه البكر “قسام”؛ فمروان الذي تعرض لتعذيب وحشي في مراكز التحقيق استهدف قدرته على الإنجاب، تلقى خبر ولادة ابنه وهو في زنزانته مضرباً عن الطعام. ولأن السجن لا يملك إلا القليل، احتفل مع زملائه بتقديم “الملح” كحلوى للمولود، في رمزية إسلامية وإنسانية عميقة تربط بين مرارة القيد وعذوبة النصر الشخصي على السجان.
مع اندلاع الانتفاضة الأولى عام 1987، برز مروان كواحد من “العقول المدبرة” التي حركت الجماهير في الضفة الغربية، مما أدى لاعتقاله ثم إبعاده إلى الأردن. في المنفى، لم يهدأ مروان، بل واصل العمل في اللجنة القيادية لحركة فتح بالخارج، قريباً من القائد “أبو جهاد”، وظل حلقة الوصل الحيوية مع الأرض المحتلة عبر الرسائل المهربة و”الكبسولات” التي كانت تحمل توجيهاته للكوادر الطلابية والجماهيرية.
عاد مروان إلى فلسطين عام 1994، في سياق اتفاقات أوسلو التي كان يراقبها بعين المشكك والمأمل في آن واحد. شغل منصب أمين سر حركة فتح في الضفة الغربية، وفي عام 1996، دخل المجلس التشريعي الفلسطيني كأصغر عضو فيه، حيث لفت الأنظار بخطابه البرلماني الجريء الذي انتقد الفساد وطالب بالإصلاح والتمسك بالحقوق الوطنية. كانت هذه الفترة اختباراً لقدرته على الموازنة بين “رجل الدولة” و”رجل المقاومة”، وهو ما تجلى بوضوح مع اندلاع انتفاضة الأقصى عام 2000.
أصبح مروان في تلك الفترة الوجه الأكثر تأثيراً في الانتفاضة، حيث قاد المسيرات الشعبية والتحركات الميدانية، واتهمه الاحتلال بقيادة “كتائب شهداء الأقصى”. حاولت إسرائيل اغتياله أكثر من مرة، كان أبرزها محاولة استهداف موكبه بالصواريخ الموجهة، لكنه نجا ليكمل مسيرة المطاردة التي استمرت حتى نيسان 2002. في تلك الأيام العصيبة من عملية “السور الواقي”، كان مروان يتنقل بين بيوت رام الله، مدركاً أن الحصار يضيق حوله، حتى تم اعتقاله في عملية عسكرية كبرى، وصفها شارون وموفاز بأنها “صيد ثمين” وضربه قاصمة للانتفاضة.
تحولت محاكمته عام 2004 إلى مرافعة تاريخية؛ فقد رفض مروان تعيين محامٍ أو الاعتراف بشرعية المحكمة، واصفاً إياها بأنها “محكمة احتلال”. صرخ بوجه القضاة بكلمات خلّدها التاريخ: “أنا أناضل من أجل السلام والحقوق والاستقلال.. حكومتكم هي التي تقتل أبناءنا”. حُكم عليه بخمسة مؤبدات وأربعين عاماً، لكنه استقبل الحكم بابتسامة الواثق، قائلاً إن حريته الشخصية هي جزء من حرية شعبه، وإذا كان ثمن الاستقلال هو القيد، فليكن.
داخل أسوار السجون، لم يستسلم مروان للسكون؛ بل أطلق ما يسمى بـ “الثورة الأكاديمية”. أشرف على مشاريع التعليم العالي للأسرى، محولاً الزنازين إلى قاعات جامعية حصل من خلالها مئات الأسرى على درجات البكالوريوس والماجستير. وفي عام 2010، حقق إنجازاً أكاديمياً استثنائياً بحصوله على درجة الدكتوراه في العلوم السياسية من معهد البحوث والدراسات بالقاهرة، حيث هرب رسالته التي كُتبت في سجن هداريم عبر كبسولات ومحامين في رحلة استغرقت عاماً كاملاً.
الإنتاج الفكري والمؤلفات المسربة من خلف القضبان
| الكتاب / العمل الأدبي | سنة الصدور / التهريب | الموضوع والمحتوى |
| العلاقات الفرنسية – الفلسطينية | 1999 | دراسة سياسية تاريخية معمقة |
| وثيقة الوفاق الوطني | 2006 | مبادرة سياسية لتوحيد الفصائل (وثيقة الأسرى) |
| مقاومة الاعتقال | 2010 | دليل نضالي للأسرى (عمل مشترك) |
| رسالة الدكتوراه | 2010 | الأداء التشريعي والسياسي للمجلس التشريعي |
| ألف يوم في زنزانة العزل | 2011 | توثيق لتجربة العزل الانفرادي والتحقيق |
| الوحدة الوطنية قانون الانتصار | – | رسالة فكرية حول الوحدة الفلسطينية |
| لا يُكسر: في سبيل حرية فلسطين | 2026 | أحدث مؤلفاته الفكرية والسياسية |
برز مروان في عام 2006 كـ “مهندس للوحدة الوطنية” حين صاغ مع قادة الأسرى من حماس والجهاد والجبهات “وثيقة الوفاق الوطني”. كانت هذه الوثيقة محاولة جادة لوقف الاقتتال الداخلي وتوحيد البرنامج السياسي الفلسطيني، وقد نبعت من زنزانة رقم 28 في سجن هداريم، حيث اجتمع مروان مع قيادات مثل عبد الناصر عيسى وبسام السعدي وعبد الرحيم ملوح. هذه الروح الوحدوية جعلت منه الشخصية الأكثر شعبية في كافة استطلاعات الرأي الفلسطينية، متفوقاً على قادة من مختلف التيارات.
في عام 2017، قاد مروان “إضراب الحرية والكرامة”، حيث خاض مع 1600 أسير معركة الأمعاء الخاوية لمدة 42 يوماً. كان مروان يرى في الإضراب وسيلة لاستعادة كرامة الأسير الفلسطيني وحقوقه الإنسانية الأساسية، ورغم تدهور حالته الصحية الشديد وعزله المشدد، رفض التراجع حتى تم تحقيق جزء كبير من مطالب الأسرى، موجهاً رسالة من زنزانته بأن “الرهان دائماً هو على وفاء الشعب للأسرى”.
انتقلت حياة مروان في الفترة بين 2024 و2026 إلى مرحلة هي الأكثر قسوة وخطورة في تاريخه الاعتقالي. مع تصاعد اليمين المتطرف في إسرائيل، أصبح مروان البرغوثي هدفاً مباشراً للانتقام الجسدي والنفسي. في أيلول 2025، تعرض لاعتداءات وحشية متكررة من قبل وحدات القمع الإسرائيلية (نحشون). ووفقاً لتقارير حقوقية وشهادات أسرى محررين، تم ضربه بشكل مبرح أثناء نقله من سجن ريمون إلى سجن مجدو، مما أدى إلى كسر أربعة من أضلاعه وفقدانه للوعي تماماً.
هذا الاستهداف الجسدي تزامن مع حرب نفسية قادها وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير، الذي اقتحم زنزانة مروان في آب وأيلول 2025 موجهاً له تهديدات مباشرة بالإعدام، واصفاً إياه بـ “القاتل” الذي يجب محوه. رد مروان، برغم ضعفه الجسدي الشديد، كان صرخة بوجه الوزير المتطرف: “نحن لسنا قتلة.. نحن نناضل من أجل حق شعبنا في الحياة”. تظهر الصور المسربة لمروان في تلك الفترة ملامح منهكة، وجسداً فقد أكثر من نصف وزنه نتيجة الجوع المتعمد والإهمال الطبي، مما أثار موجة تضامن دولية وصرخات استغاثة من عائلته لإنقاذ حياته من مخطط تصفية ممنهج.
بالرغم من هذه الآلام والكسور التي منعت مروان من النوم لأيام متواصلة، ظل يمارس دوره كمعلم وقائد؛ إذ يروي الأسرى المحررون أنه في سجن مجدو، وفي اللحظات التي تسبق صفقات التبادل في أواخر 2025، كان مروان يقدم جلستين يومياً في الجغرافيا السياسية والدراسات الإسرائيلية، مشدداً على ضرورة فهم العدو لقهره. كان يقول لزملائه: “أنا لست شيئاً.. ما أعاني منه بسيط أمام ما يعانيه شعبي في غزة”.
في مطلع عام 2026، ومع صدور كتابه الجديد “لا يُكسر”، وجه مروان رسائل فكرية عميقة حول ضرورة تجديد النظام السياسي الفلسطيني وتغيير وظائف السلطة لتصبح خادمة للمقاومة والتحرير لا قيداً عليهما. كتب لغزة من زنزانته “بلا نافذة”، مشيداً بصمودها الأسطوري ومندداً بصمت العالم “شهود الزور” على جنازة الإنسانية. رسائله هذه، المسكونة بالأمل برغم القيد، تؤكد أن مروان البرغوثي لم يعد مجرد أسير، بل أصبح هو “البلاد الأسيرة” التي تبحث عن مخرج، وهو “مانديلا فلسطين” الذي ينتظره شعبه لتوحيد الصفوف ورسم طريق الخلاص.
تجسد المحامية فدوى البرغوثي في هذه المرحلة رمزية الصبر والوفاء؛ فبعد أكثر من عقدين من الانقطاع عن زيارته، تواصل حمل أمانته في المحافل الدولية، محذرة من أن “تغير ملامحه” والإنهاك الذي يعيشه هو محاولة إسرائيلية لكسر “شعاع الأمل” الذي يمثله مروان. ومع بقاء مروان البرغوثي الشخصية الأكثر شعبية وإجماعاً، تظل قضية حريته هي الاختبار الحقيقي لجدية المجتمع الدولي في دعم حق تقرير المصير الفلسطيني، وهي الصخرة التي تتحطم عليها محاولات الاحتلال لتغييب القيادة الوطنية الحقيقية.
إن سيرة مروان البرغوثي، من كوبر إلى زنازين العزل في 2026، هي سردية شعب يرفض الاستسلام. هي قصة الملح الذي أصبح “حلوى”، والزنزانة التي أصبحت “جامعة”، والكسور التي أصبحت “أوسمة” على صدر مناضل يرى في حريته الشخصية مجرد تفصيل صغير في حلم الحرية الكبرى لفلسطين. مروان اليوم هو صوت غزة الجريحة، وصوت القدس المحاصرة، وصوت كل أم تنتظر عودة ابنها من خلف الشمس، ليظل اسمه “مروان” مرادفاً لكرامة لا تُكسر، وزمان فلسطيني يمتد حتى فجر الحرية الموعود.
