Skip to content Skip to footer

نائل البرغوثي: دراسة سوسيوسياسية في جدلية القيد والحرية وتأثيرها على مسار الحركة الوطنية الأسيرة

تُعد تجربة الأسير الفلسطيني نائل البرغوثي، الملقب بـ “عميد الأسرى”، ظاهرة فريدة في تاريخ حركات التحرر الوطني العالمية، حيث تجاوزت مدة اعتقاله الإجمالية أربعة عقود ونصف، مما جعل منه أيقونة حية تلخص مسيرة الشعب الفلسطيني ومعاناته وطموحاته. إن دراسة سيرة البرغوثي لا تقتصر على سرد الأحداث الشخصية، بل تمتد لتشمل تحليلاً عميقاً للآليات القانونية والعسكرية التي يستخدمها الاحتلال الإسرائيلي للسيطرة على الأجساد والعقول، وفهماً لرمزية الأرض والزراعة كأدوات للصمود (السمود) في مواجهة سياسات المحو والإلغاء. وُلد نائل صالح عبد الله البرغوثي في الثالث والعشرين من أكتوبر عام 1957 في قرية كوبر بمحافظة رام الله والبيرة، وهي القرية التي ستلعب دوراً محورياً في تشكيل وعيه النضالي وارتباطه العضوي بالتراب الفلسطيني.   

قرية كوبر والوعي المبكر (1957-1977)

نشأ نائل البرغوثي في بيئة قروية تتسم بالبساطة والارتباط الشديد بالأرض. كانت كوبر، بتلالها المكسوة بأشجار الزيتون، هي المعلم الأول الذي غرس في نائل قيم الفلاحة والانتماء. والده، صالح عبد الله البرغوثي، ووالدته، فرحة البرغوثي، كانا يمثلان الجيل الفلسطيني الذي عاصر النكبة وحاول الحفاظ على كينونته وسط العواصف السياسية. في عام 1967، وكان نائل حينها طفلاً في العاشرة من عمره، شهد اجتياح قوات الاحتلال للضفة الغربية؛ حيث يتذكر صعوده وشقيقه عمر إلى أسطح المنازل لمراقبة المدرعات، في لحظة فارقة شكلت وعيه السياسي تحت وطأة الهزيمة العسكرية.   

تأثر نائل بعمق بقصص البطولة التي كان يسمعها عن معركة الكرامة عام 1968، خاصة وأن والده وشقيقه الأكبر كانا في الأردن خلال تلك الفترة. يروي نائل كيف عاد شقيقه “تهريباً” عبر النهر ليقص عليهم مشاهد الدبابات الإسرائيلية المحطمة التي جُرّت إلى مخيم الوحدات، وهي صور ذهنية ولدت لديه “غيرة” وطنية ورغبة في محاكاة فعل المقاومة. دراسته في مدرسة الأمير حسن في بيرزيت وضعت في تماس مباشر مع المظاهرات الطلابية والحركات السياسية الناشئة، حيث بدأ يتبلور لديه توجه نحو العمل المنظم.   

المحطةالتفاصيل والمكانالتاريخ/المدة
الميلاد والنشأةقرية كوبر، رام الله1957
التعليم الأساسيمدرسة قرية كوبرالمرحلة الابتدائية
التعليم الثانويمدرسة الأمير حسن، بيرزيتالسبعينيات
التأثير السياسيمعركة الكرامة وهزيمة 1967مرحلة الطفولة
الانتماء الأوليمحاولة الانضمام للجبهة الشعبية1977

في عام 1977، وقبل أن يكمل امتحانات الثانوية العامة، تعرض نائل لاعتقاله الأول الذي استمر ثلاثة أشهر بتهمة محاولة الانضمام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. هذا الاعتقال القصير لم يكن سوى مقدمة لمسار نضالي طويل سيبدأ فعلياً بعد أربعة عشر يوماً فقط من إطلاق سراحه.   

المنعطف الكبير: عملية 1978 والحكم بالمؤبد

في أبريل 1978، نُفذت عملية فدائية أدت إلى مقتل ضابط إسرائيلي شمال رام الله، بالإضافة إلى اتهامات بحرق مصنع زيوت وتفجير مقهى في القدس. اعتُقل نائل وشقيقه عمر (أبو عاصف) وابن عمهما فخري البرغوثي، ليصدر بحقهم حكم بالسجن المؤبد بالإضافة إلى ثمانية عشر عاماً. كانت لحظة النطق بالحكم مشهداً ملحمياً؛ حيث لم ينكسر الشبان الثلاثة أمام القاضي العسكري، بل انفجروا بالغناء داخل قفص الاتهام، مرددين أغنية “ما بنتحول.. ما بنتحول.. يا وطني المحتل”، وهي الأغنية التي شاركتهم فيها والدتهم فرحة بالزغاريد من قاعة المحكمة.   

هذا الموقف لم يكن مجرد استعراض للقوة، بل كان تعبيراً عن “عقيدة الصمود” التي سترافق نائل طوال عقود سجنه. يمثل الحكم بالمؤبد في القضاء العسكري الإسرائيلي محاولة للإلغاء الزمني والمكاني للإنسان، لكن البرغوثي حول هذا الحكم إلى بداية لرحلة معرفية ونضالية داخل “مملكة الزنازين”.   

السجن كأكاديمية نضالية (1978-2011)

خلال أربعة وثلاثين عاماً متواصلة في الأسر، تنقل نائل بين عشرات السجون (أكثر من 80 زنزانة)، من نفحة إلى عسقلان، ومن جلبوع إلى بئر السبع. في هذه الفترة، لم يكتفِ نائل بالانتظار، بل أصبح قارئاً نهماً ومرجعاً تاريخياً للأسرى. تعلم اللغتين العبرية والإنجليزية بطلاقة، مما مكنه من فهم عقلية السجان ومتابعة السياسة العالمية.   

اتسمت قيادته داخل السجن بالحرص على الحوار والوحدة الوطنية؛ حيث كان يرفض التصنيفات الحزبية الضيقة. يروى عنه قوله للسجانين عندما سُئل عن انتمائه وسط الانقسام بين حماس وفتح: “أنا ملعقة تراب من كل الوطن العربي، أخلطها ببعضها وأشربها، فأنا خلاصة كل تيارات المقاومة”. هذا الخطاب القومي العروبي المتجاوز للجغرافيا الحزبية جعل منه شخصية تحظى باحترام كافة الفصائل الفلسطينية.   

صفقة “وفاء الأحرار” والحرية القصيرة (2011-2014)

في الثامن عشر من أكتوبر 2011، وتحت ضغط عمليات المقاومة واتفاق “وفاء الأحرار” (صفقة شاليط)، خرج نائل البرغوثي إلى النور بعد 34 عاماً خلف القضبان. كانت عودته إلى كوبر بمثابة صدمة حضارية وزمنية؛ فقد غادر العالم وهو في ريعان الشباب وعاد إليه شعراً أبيض وتجاعيد تروي قصة أربعة عقود. وجد نائل أن والديه قد فارقا الحياة؛ والده توفي عام 2004، ووالدته لحقت به، مما جعل فرحة التحرر منقوصة بمرارة الفقد.   

الجانبتفاصيل فترة الحرية (2011-2014)الملاحظات
الزواجالارتباط بالأسيرة المحررة إيمان نافعنوفمبر 2011
التعليمدراسة التاريخ في جامعة القدس المفتوحةلم يكمل بسبب إعادة الاعتقال
النشاط الاقتصاديفلاحة الأرض وزراعة الزيتون والبرتقالفي قرية كوبر
المدة الإجمالية32 إلى 33 شهراًانتهت في يونيو 2014

أهم محطات هذه الفترة كانت زواجه من إيمان نافع، التي كانت قد أمضت عشر سنوات في السجون. بدأت قصة حبهما من خلف القضبان، حين رآها نائل في تقرير تلفزيوني وهي تتحدث عن رغبتها في المقاومة، فقال لنفسه: “هذه المرأة ستكون زوجتي”. بعد التحرر، تحقق الحلم وعاشا معاً فترة وصفها نائل بأنها كانت “عودة للحياة”، حيث انغمس في زراعة أرضه ومراقبة براعم الأشجار التي زرعها بيديه، معوضاً عقود الحرمان.   

الفخ القانوني – إعادة الاعتقال والأمر العسكري 1651

في 18 يونيو 2014، وبذريعة اختفاء ثلاثة مستوطنين في الخليل، شنت قوات الاحتلال حملة اعتقالات واسعة استهدفت محرري صفقة “وفاء الأحرار”. كان نائل البرغوثي من أبرز المستهدفين. استخدم الاحتلال “الأمر العسكري 1651” لإعادة أحكامهم السابقة (المؤبد) بناءً على اتهامات غامضة أو “ملفات سرية” لا يُسمح للدفاع بالاطلاع عليها.   

في حالة نائل، حُكم عليه في البداية بالسجن لمدة 30 شهراً بتهمة إلقاء كلمة في جامعة بيرزيت اعتُبرت “تحريضاً”. ولكن، وبمجرد انتهاء هذه المدة، رفض الاحتلال إطلاق سراحه وأعاد تفعيل حكمه القديم (المؤبد و18 عاماً). هذا الإجراء القانوني يمثل ذروة “العقاب الجماعي” والتحايل على الاتفاقيات الدولية، حيث يُحول الأسير المحرر إلى رهينة سياسية دائمة.   

الصمود في العهد الجديد (ما بعد 2014)

عاد نائل إلى الزنزانة بروح المقاتل القديم. ورغم كبر سنه، استمر في ممارسة دوره كمعلم وقائد للأسرى. خلال هذه الفترة، تعرضت عائلته لمزيد من الاستهداف؛ حيث قُتل ابن أخيه صالح البرغوثي، واعتقل شقيقه عاصم، وهُدمت منازل العائلة في كوبر كجزء من سياسة الانتقام الممنهج. ظل نائل يرسل رسائله التي تؤكد أن “الاحتلال إلى زوال مهما طال الزمن”.   

زلزال أكتوبر 2023 وظروف الجحيم في السجون

مثلت أحداث السابع من أكتوبر 2023 تحولاً جذرياً في تعامل إدارة السجون مع الأسرى، وخاصة الرموز مثل نائل البرغوثي. وصف البرغوثي هذه المرحلة بأنها الأسوأ في تاريخ الحركة الأسيرة؛ حيث تحولت السجون إلى “معسكرات نازية” تعتمد على التجويع، والضرب، والإذلال.   

في سجن “جلبوع” وسجن “عوفر”، تعرض نائل لاعتداءات جسدية عنيفة بالهراوات والأدوات الحادة، مما أدى إلى كسر أربعة من أضلاعه وتعرضه لإصابات في الرأس والجسد. مُنع من الزيارة، وسُحبت منه كافة مقتنياته الشخصية بما فيها الملابس والكتب، وتُرك ينام على “البلاط” في ظروف برد قاسية وجوع مستمر. ورغم هذه الآلام، صرح نائل بعد تحرره لاحقاً أن “المعنويات كانت في السماء” بفضل الإيمان بحتمية النصر والتغيير القادم.   

نوع الانتهاك (بعد أكتوبر 2023)الوصف والتأثيرالمصدر
الاعتداء الجسديضرب مبرح أدى لكسر 4 أضلاع وجروح
التجويعسياسة تقليص الوجبات لدرجة الهزال
العزل والمصادرةسحب الملابس، الأغطية، والكتب
التعذيب النفسيإطلاق صافرات الإنذار واستخدام الكلاب
الإهمال الطبيعدم تقديم العلاج للكسور والإصابات

التحرر النهائي والإبعاد (2025): ثمن الحرية والمنفى

في فبراير 2025، وتحديداً في السابع والعشرين منه، أُفرج عن نائل البرغوثي ضمن صفقة تبادل أسرى جديدة. إلا أن هذه الحرية جاءت مشروطة بـ “الإبعاد” خارج فلسطين. رفض نائل الإبعاد بشدة في البداية، مؤثراً البقاء في السجن على ترك أرضه، لكنه وافق في نهاية المطاف “على مضض” حتى لا يكون سبباً في تعثر الصفقة أو حرمان أسرى آخرين من حريتهم، ولتسهيل دخول المساعدات لأهل غزة.   

توجه نائل إلى مصر حيث أمضى نحو شهرين، ثم انتقل إلى تركيا. وصف مشاعره في المنفى بأنها “حرية منقوصة”، فبالنسبة لفلاح من كوبر، لا توجد حرية حقيقية بعيداً عن تراب قريته وأشجار زيتونه. كما زاد من ألمه منع زوجته إيمان نافع من السفر للقائه، مما جعل لقاءهما حلماً مؤجلاً حتى بعد كسر القيد.   

رمزية الخاتم واستمرارية الأمل

أهم ما ميز لحظة تحرره هو إرساله “خاتم زواج” جديد لزوجته إيمان محفور عليه اسماهما. هذا الخاتم لم يكن مجرد قطعة حلي، بل رسالة سياسية وإنسانية مفادها أن “الحياة مستمرة ولن ينهيها الاحتلال”، وأن العلاقة التي صمدت في وجه الزنازين ستبقى حية في وجه المنفى.   

الفلسفة النضالية والرسائل السياسية

تعتبر رؤية نائل البرغوثي السياسية مدرسة في الواقعية الثورية والوحدة الوطنية. يمكن تلخيص فلسفته في عدة نقاط جوهرية استُخلصت من رسائله ومقابلاته:

  1. المقاومة كجامع وطني: يرى نائل أن المقاومة هي التي توحد الشعب، بينما “السلام المزعوم” والمفاوضات العبثية هي التي تفرق. أكد أن كل فلسطيني يجب أن يكون خلف المقاومة بغض النظر عن فكره.   
  2. مركزية حق العودة: بالنسبة لنائل، المشروع الوطني يبدأ وينتهي بـ “حق العودة”. يرفض الانشغال بالتفاصيل البرلمانية أو الحزبية قبل التحرير، معتبراً أن “فلسفة فلسطين هي التحرير والعودة”.   
  3. العلاقة العضوية مع الأرض: يتجلى فكر نائل “الفلاحي” في تمسكه بأساليب الزراعة التقليدية (دق الزيتون على الحجر)، معتبراً أن الحفاظ على هذه التقاليد هو حماية للهوية التاريخية من المحو الاستعماري.   
  4. الأنسنة والكرامة: يشدد البرغوثي على أهمية الحفاظ على إنسانية الإنسان حتى في أحلك ظروف التعذيب. يقول: “العمر مرة واحدة تعيشه، فإما أن تعيشه عزيزاً أو ذليلاً، والقصور لا تجدي نفعاً إذا فقدت كرامتك”.   

لقد كان نائل يقدر القادة الذين يضحون بأنفسهم، وأثنى على استشهاد القائد يحيى السنوار (أبو إبراهيم)، معتبراً أن استشهاد القادة هو “قمة النجاح” لأنه يولد قادة جدداً ويجعل منهم قدوة للأجيال.   

نائل البرغوثي كأيقونة كونية

إن سيرة نائل البرغوثي، الممتدة من زنازين السبعينيات إلى منافي القرن الحادي والعشرين، هي اختزال لتاريخ الشعب الفلسطيني في مواجهة آلة القمع الإسرائيلية. لم يكن نائل مجرد أسير، بل كان شاهداً على تبدل العصور وتغير الوجوه، وظل ثابتاً كأشجار الزيتون في كوبر.   

تثبت تجربته أن سياسة إعادة الاعتقال واستخدام “الملفات السرية” هي أدوات عاجزة عن كسر إرادة المؤمن بحقه. ورغم الإبعاد والكسور الجسدية، يظل نائل البرغوثي يمثل “خميرة التغيير” التي تمد الشعب الفلسطيني بالأمل في حتمية العودة والتحرر الكامل. إن قصته مع “شجرة الليمون” والتراب المهرب تظل أعظم درس في التمسك بالهوية، حيث دمج تراب كل سجون فلسطين ليصنع حياة جديدة في أرضه، مؤكداً أن السجن قد يقيد الجسد لكنه أبداً لا يستطيع استعمار الروح.   

في نهاية المطاف، يبقى نائل البرغوثي نموذجاً للمناضل الذي يرفض الانكسار، والزوج الوفي الذي يغزل الأمل بخواتم الزواج، والفلاح الذي يعرف أن ثمار الكلمنتينا التي زرعها لا بد أن يقطفها يوماً ما في كوبر المحررة. إن صموده هو صمود وطن بأكمله، وحريته، وإن كانت مجزوءة بالإبعاد، هي مقدمة لحرية شعب لا يقبل بأقل من كامل ترابه الوطني.   

Leave a comment

مرحبًا، كيف يمكننا مساعدتك اليوم؟