في أواخر الثمانينيات، وتحت ظلال مآذن القدس التي لا تنام، ولد إسحق طاهر عرفة في حي “رأس العامود”. لم يكن الحي بالنسبة له مجرد عناوين بريدية، بل كان شرفةً يطل منها كل صباح على قبة الصخرة، حيث يشتبك التاريخ بالجغرافيا في صراعٍ وجوديٍ مرير. كبر إسحق وهو يرى المستوطنات تنهش خاصرة جبل الزيتون، ويسمع أنين الحجارة في البلدة القديمة، فتربى في قلبه يقينٌ بأنَّ مَن يسكن القدس، تسكنه القدس، ومَن أحبَّ السور، وجب عليه أن يكون أحد أحجاره الصلبة التي لا تلين أمام مِعاول الهدم أو رياح التغريب.
غَسقُ الرِّباط وفجرُ التحدي
عندما بلغ إسحق ربيعه الثالث والعشرين، في عام 2011، كانت القدس تعيش مخاضاً أمنياً عسيراً. لم يكن إسحق مجرد شابٍ عابر في أزقة المدينة، بل كان قلبه قد عُقد على نية الرباط والمقاومة. انخرط في صفوف “كتائب القسام”، مؤمناً بأنَّ الصمت في وجه التهويد هو قبولٌ بالعدم. تحرك إسحق بين القدس والخليل كأنه خيطٌ يربط جراح المدينتين؛ نقل العبوات، ورصد الأهداف، وكان يرى في كل خطوة يخطوها نحو القدس الغربية واجباً شرعياً ووطنياً. في مارس من ذلك العام، دوّى انفجارٌ بالقرب من “مباني الأمة” في القدس المحتلة، كانت رسالةً من “أبناء السور” بأنَّ المدينة لا تزال تملك أنياباً تدافع بها عن قدسيتها، وكان إسحق هو اليد التي وضعت تلك الرسالة في قلب الزحام.
ليلةُ الاختطاف.. حين غابَ القَمَر في رمضان
كانت الليلة هي الثامنة عشرة من شهر رمضان المبارك، في أغسطس 2011. القدس تتجهز للسحور، وصوت المآذن يصدح بـ “يا قيوم”، وإسحق في مكان عمله يرقب الفجر. فجأة، انشقَّ صمتُ الليل عن “مستعربين” جاؤوا كاللصوص في عتمة الغدر. اختُطف إسحق من بين زملائه، لتبدأ رحلة المعراج نحو “المسكوبية”، ذلك المعتقل الذي يطلق عليه المقدسيون “معتقل الموت” لفرط ما يذوق فيه الأحرار من صنوف العذاب. اختفى إسحق خلف جدرانٍ صماء؛ ستون يوماً كاملة مُنع فيها من رؤية محامٍ أو سماع صوتِ أهله، وتلقى جسده النحيل طعنات التحقيق القاسي، والضرب المبرح، والشبح الطويل، والتهديد باستهداف عائلته في رأس العامود.
قاعةُ المحكمة.. وبسمةُ المُؤبّد
في محكمة “عوفر” العسكرية، وقف إسحق شامخاً كأنه أحد أعمدة الأقصى. نطق القاضي بحكمٍ أرادوه أن يكون قبراً زمنياً: “السجن المؤبد بالإضافة إلى ستين عاماً”. نظر إسحق إلى أسرته، وبسمةٌ هادئةٌ ترتسم على ثغره، كأنه يقول لهم: “المؤبد عند الخالق وليس عند المخلوق”. لم يكسره الرقم الفلكي، بل زاده يقيناً بأنَّ ثمن القدس لا يُقاس بالسنين، بل بمدى الرضا الذي يسكن الروح وهي في خندق الحق. نُقل إسحق بين سجون جلبوع، ونفحة، وهداريم، ليستقر به الحال أخيراً في سجن “شطة”، حيث تحولت زنزانته من مكانٍ للحجز إلى صومعةٍ للعلم والبحث.
حِبرُ الزنزانة: حين يغدو القلمُ مِعراجاً
داخل سجون الاحتلال، لم يستسلم إسحق للرتابة أو اليأس. أطلق ثورةً معرفية من خلف القضبان؛ أتقن اللغات، وغاص في دراسة الفكر الصهيوني ليفككه، وأنتج دراساتٍ علمية رصينة، منها بحثه الشهير حول “تفاعل الأسرى مع نبوءة زوال إسرائيل عام 2022”. لكنَّ معراجه الأكبر كان في روايته الأدبية “حجارة تعشق السور”، التي هُربت صفحاتها كبذور القمح لتُنبت في الخارج. في تلك الرواية، لم يكتب إسحق قصصاً من الخيال، بل كتب نبض قلبه؛ وصف الأقصى كأنه يحمل جزءاً من السماء، ورسم سرب الحمام الذي يحلق فوق قبة الصخرة، مرمزاً بتلك “الحمامة المتمردة” التي ترفض الهبوط، لروحه التي تأبى الانكسار رغم ثقل السلاسل.
طعنةُ الهوية.. والمنفى الصامت
في عام 2019، وفي فصلٍ جديد من فصول الانتقام، أصدر وزير الداخلية الإسرائيلي قراراً بسحب “الهوية المقدسية” (حق الإقامة الدائمة) من إسحق عرفة. كانت الرسالة واضحة: “لن تعود إلى رأس العامود أبداً”. سُحب التأمين الصحي، ومخصصات التقاعد، وحُرم حتى من حلم العودة لبيته بعد انتهاء الأسر. يصف شقيقه “أمجد عرفة” هذه الجريمة بأنها “تطهيرٌ عرقيٌ صامت”، يهدف لسرقة القدس من صدور أبنائها. لكنَّ رد إسحق كان صوتاً يخرج من سجن شطة: “يمكنكم سحب الأوراق، لكنكم لن تسحبوا مني رائحة الزعتر في أزقة البلدة القديمة، ولا يقيني بأنَّ هذه الأرض لا تعرف إلا لغتنا”.
حوارُ الصمود تحت سياط “شطة”
في جلسةٍ مع أحد رفاقه في سجن شطة، وبينما كانت إدارة السجن تمارس سياسة “القرصنة” بمصادرة أموال الكنتينا وتجويع الأسرى: الرفيق: “يا إسحق، لقد سحبوا هويتك، وصادروا مالك، ويمنعون عائلتك من زيارتك.. ألا تتعب؟” إسحق (وهو يمسك بقلمه): “يا أخي، الجوع في سبيل الله هو شبعٌ للكرامة. لقد سلبوا الورقة الزرقاء، لكنهم أعطوني هويةً أسمى؛ هوية المرابط الذي لا يبرح مكانه. السجن يا صاحبي ليس أربعة جدران، السجن هو أن يشيخ عقلك وتتوقف عن الحلم. أنا اليوم أكتب، وأبحث، وأرى القدس في عينيّ قلبي أوضح مما كنت أراها من نافذة بيتي. هم يراهنون على نسياننا، ونحن نراهن على عدل الله”.
ميزانُ الحق في مواجهة “الأبارتهايد”
تؤكد جمعية أفق الحرية أنَّ حالة إسحق طاهر عرفة هي تجسيدٌ حي لـ “المخالفات الجسيمة” التي ترتكبها منظومة الاحتلال. إن سحب الإقامة من المقدسيين، واستخدام “خيانة الأمانة” كذريعة لتهجيرهم قسراً، هو خرقٌ صارخ لاتفاقية جنيف الرابعة التي تحظر النقل القسري للسكان تحت الاحتلال. إن بقاء إسحق في “شطة” منذ 15 عاماً، مكبلاً بالأحكام وبقوانين العنصرية، هو وصمة عار في جبين المؤسسات الدولية. إسحق اليوم ليس مجرد سجين؛ هو “الحجر المقدسي” الذي يرفض السقوط، وهو “الحمامة المتمردة” التي لا يزال هديلها يصدح بالحرية، مذكراً العالم بأنَّ السلاسل قد تُدمي المعصم، لكنها أبداً لن تمنع الروح من التحليق فوق قباب القدس.
يا دامي العينين والكفين.. إن الليل زائل رحل إسحق خلف القضبان شاباً، وسيظل فيها بطلاً، فموعده مع الفجر آتٍ لا محالة، لأنَّ الحجارة التي تعشق السور، لا بدَّ أن تعود يوماً لتُسند ظهر المدينة الجريحة.
